عنب بلدي – ركان الخضر
لم تكن مشاركة الرئيس السوري، أحمد الشرع، في قمة “الإعلام العربي” بمدينة دبي الإماراتية، في 15 من أيلول الحالي، كمتحدث رئيس في افتتاح الدورة الـ24 للقمة، الظهور الأول له في منتدى حواري سواء على مستوى المنطقة أو العالم، فقد سبق له أن شارك في أكثر من منتدى حواري بالدوحة ودبي وأنطاليا ولندن.
كما أن الشرع سيشارك في منتدى ينظمه المجلس الأطلسي بمدينة نيويورك الأمريكية، في 22 من أيلول الحالي، على هامش مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ظهور الشرع المتكرر في هذه المنتديات يطرح أسئلة حول أهميتها وأسباب تركيزها على سوريا منذ سقوط نظام الأسد، بالإضافة إلى مصلحة دمشق والمكاسب التي تجنيها من المشاركة في هذه المنتديات.
أهمية الظهور السوري في المنتديات الحوارية
يرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن أهمية مشاركة الرئيس الشرع في المنتديات الحوارية والإعلامية الإقليمية والعالمية، تكمن في أنها تتجاوز وظيفة الحضور البروتوكولي لتؤدي دورًا في الدبلوماسية العامة وإعادة تعريف موقع سوريا.
وقال العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، إن هذه المنصات تتيح للدولة السورية تقديم رؤيتها للمرحلة الانتقالية بلسانها، وشرح أولوياتها المتعلقة باستعادة الاستقرار، وبناء المؤسسات، وتحريك الاقتصاد، وصوغ علاقة أكثر توازنًا مع المحيط العربي والدولي.
من جانبه، يرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، أن أهمية هذه المنتديات تتركز في أنها تخلق مساحة للحوار المباشر بين صناع القرار والنخب السياسية والاقتصادية والفكرية، الأمر الذي يجعلها مختلفة عن اللقاءات الرسمية المغلقة، لأن النقاش فيها يكون أمام جمهور أوسع، وغالبًا ما يتضمن أسئلة ومداخلات تسمح باختبار المواقف وتوضيحها.
وقال اليمني، في حديث إلى عنب بلدي، إن منتديات الحوار تتيح لسوريا تقديم روايتها مباشرة أمام العالم بعد سنوات من الحرب والصراع، تشكلت خلالها صورة في العالم من خلال تقارير وبيانات ومواقف أطراف إقليمية ودولية متعددة، مشيرًا إلى أن ظهور القيادة السورية على منصات دولية يمنح دمشق فرصة للحديث عن رؤيتها بنفسها، وشرح أولوياتها السياسية والاقتصادية.
كما تسهم هذه المنتديات في بناء الثقة، لأن العلاقات الدولية لا تقوم فقط على الاتفاقيات وإنما على التواصل المتكرر، فالمنتديات الحوارية، توفر منصة للدبلوماسية غير الرسمية، وفق اليمني، الذي لفت إلى أن المنتدى قد يجمع الرئيس أو الوزير بمسؤولين من دول مختلفة، وباحثين ورجال أعمال وشخصيات مؤثرة، وأحيانًا تكون اللقاءات الجانبية ذات أهمية عملية كبيرة، لأنها تفتح الطريق أمام اتصالات لاحقة.
وبيّن اليمني أهمية أخرى لهذه المنتديات، من خلال تحويل النقاش حول سوريا من الأزمة إلى المستقبل، عبر الانتقال للحديث عن إعادة الإعمار والاستثمار والطاقة والتجارة والبنية التحتية ومستقبل العلاقات الإقليمية، بدلًا من حصره في الحرب والأمن والنزوح.
أسباب التركيز على سوريا
يعتقد الباحث محمد اليمني بأن مرور سوريا بمرحلة انتقالية دفع المجتمع الدولي والإقليمي لمحاولة فهم الاتجاه الذي تسير إليه الدولة السورية، مشيرًا إلى أن ظهور الرئيس بنفسه في هذه المنتديات المفتوحة يتيح فرصة للإجابة عن رؤية القيادة السورية حول شكل الدولة وكيفية تعاملها مع دول الجوار وتوجهاتها نحو القوى الكبرى، بالإضافة إلى رؤيتها لبناء الاقتصاد وطريقة تعاملها مع ملفات الأمن والحدود وتصورها لإعادة الإعمار.
وأوضح اليمني أن الإجابة عن التساؤلات السابقة قد لا تكون متاحة من خلال البيانات الرسمية، وهو ما يفسر أهمية حضور سوريا في هذه المنتديات بصفتها دولة تقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح تركيا والعراق والأردن ولبنان وإسرائيل ودول الخليج وإيران، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا، الأمر الذي يجعل مستقبلها يحمل تداعيات تتجاوز حدودها.
الباحث سمير العبد الله أرجع أسباب تركيز المنظمين والإعلام على مشاركة الرئيس الشرع، إلى ما باتت تمثله سوريا كإحدى أكثر حالات التحول السياسي حساسية في المنطقة، بالإضافة إلى أن الرئاسة هي الجهة القادرة على تقديم موقف مباشر بشأن طبيعة الدولة المقبلة، وضمانات الاستقرار، ومسار إعادة الإعمار، والسياسة الخارجية.
كما أن هذا الاهتمام يعكس، برأي العبد الله، رغبة إقليمية ودولية في اختبار خطاب القيادة الجديدة وقياس استعدادها للانتقال من إدارة مرحلة ما بعد الصراع إلى بناء دولة قابلة للتعاون والشراكة.
مكاسب سوريا من المشاركة
يعتقد الباحث سمير العبد الله أن مكاسب سوريا من هذه المشاركات تتمثل في تقليص فجوة الثقة، وتوسيع شبكات التواصل مع الحكومات والمؤسسات الاقتصادية والإعلامية، وتحويل الاهتمام السياسي إلى فرص تعاون ملموسة.
واشترط العبد الله ترجمة أثر هذه المشاركات إلى سياسات داخلية واضحة ومؤسسات فعالة وضمانات قانونية وخطاب وطني جامع، مؤكدًا أن غياب هذه السياسات سيبقي أثر الظهور في المنتديات الحوارية محدودًا.
من جهته، أشار الباحث محمد اليمني إلى أن مكاسب سوريا تنبع من حاجتها إلى توسيع شبكة علاقاتها، لما تمثله المنتديات الحوارية من فرصة للقاء أطراف متعددة في وقت واحد، وفتح قنوات اتصال يمكن أن تتطور لاحقًا إلى زيارات واتفاقيات وتفاهمات، وهو ما يمكن استثماره في أن تصبح المشاركة جزءًا من عملية إعادة بناء العلاقات السورية بعد سنوات من القطيعة والصراع.
وأضاف اليمني مكسبًا آخر عبر إتاحة الفرصة أمام دمشق لطرح فرص الاستثمار أمام الشركات ورجال الأعمال، نظرًا لحاجتها إلى إعادة إعمار واسعة تحتاج إلى رؤوس أموال وشركات وخبرات وبنية تحتية وطاقة ونقل واتصالات ومشروعات صناعية وزراعية وتمويل إقليمي ودولي.
كما أن هناك مصلحة إعلامية لسوريا من خلال مشاركتها في المنتديات الحوارية، برأي اليمني، نظرًا إلى أهمية الصورة التي تقدم بها سوريا نفسها، فالدولة التي تريد جذب الاستثمارات وإعادة بناء العلاقات تحتاج إلى تقديم صورة واضحة عن مستقبلها، مع التأكيد على أن تحسين الصورة لا يتحقق بالكلمات وحدها، بل يحتاج إلى نتائج وسياسات ملموسة.
ماذا يقول الشرع في المنتديات؟
ركّز الرئيس السوري، أحمد الشرع، في مشاركاته بالمنتديات الحوارية بشكل أساسي على الانتقال من “منطق الفصائل” إلى “منطق الدولة والمؤسسات”، وتمحورت أبرز النقاط التي تحدث عنها حول تحول سوريا من مشكلة إلى فرصة، مشيرًا إلى أن دمشق تجاوزت مرحلة الأزمة وتحولت من “مشكلة يتناولها العالم” إلى “فرصة استثمارية واقتصادية” يمكن للجميع الاستفادة منها.
وتطرق الشرع إلى مسألة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، من خلال مسار إعادة الإعمار، وتأهيل مؤسسات الدولة السورية بعد تحرير العاصمة دمشق، والانتقال نحو النهضة والتنمية المستدامة.
وأشار إلى الانتقال لسياسة العمل بدل الشكوى، موضحًا أن مشكلات السوريين كثيرة ومتراكمة، لكن الحكومة لن تنتهج سياسة الشكوى أو الوعود الواهية، بل تعتمد العمل الفعلي على الأرض كخيار وحيد لبناء سوريا الجديدة.
ولم يغفل الشرع العمق العربي والتعاون الإقليمي والدولي، مشددًا على أهمية استعادة سوريا لدورها في المنطقة والعالم، والاعتماد الكبير على التعاون مع الدول العربية، والاستفادة من تجاربها وخبراتها الناجحة لدعم استقرار المنطقة.
وفي مشاركته الأخيرة بقمة الإعلام العربي بدبي، أوضح الرئيس الشرع أن البلاد تتمتع بموقع يخدم كل المنطقة، الأمر الذي يجعل استقرارها مصلحة مشتركة للجميع.
وأضاف أن المرحلة التي تمر بها سوريا لها ظروف خاصة، تحاول فيها الاستفادة من كل التجارب رغم التحديات، مشيرًا إلى أنها مرت بـ60 سنة من الفساد الإداري وسوء التخطيط، وهي الآن تقوم بإعادة بناء نفسها ومؤسساتها.
ولفت الشرع إلى أن سوريا “تمتلك فرصًا عظيمة لدول الخليج والدول المحيطة بها وأوروبا”، مشيرًا إلى أن الحكومة تعمل على مشاريع لاستثمارات ضخمة، مع التركيز على ثوابت واضحة تتصدرها المصداقية، لجذب الدول لبناء علاقات معها.
كما نوه إلى المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا وما تحمله من صدمات خارجة عن السيطرة، مبينًا أنها تتطلب قرارات مهمة ستظهر آثارها الإيجابية مع الوقت.
وتوقع الشرع أن تكون سوريا بلدًا قويًا في المستقبل، يعتمد على نمو اقتصادي وعلمي في جميع مناحي الحياة، يحفظ كرامة المواطن واستقلاليته وعزته.
وذكر الرئيس السوري بعض الأرقام الاقتصادية، قائلًا إن حجم الاقتصاد السوري كان نحو 20 مليار دولار عند التحرير في أواخر 2024، قبل أن يرتفع إلى 32 مليارًا في 2025، مع توقعات بأن يصل إلى 50 مليارًا في العام الحالي.
كما لفت الرئيس الشرع إلى أهمية القطاع الزراعي، منوهًا إلى قدرات إنتاجية تكفي لإطعام 70 مليونًا، قابلة للارتفاع إلى سد حاجة 100 مليون في حال توفر التقنيات الحديثة، وهو ما يسهم في تحقيق الأمن الغذائي لجزء كبير من المنطقة.
