علي عيد
باتت لافتة محاولات حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تحديد من هو السوري المقبول، فالبعض يريده بمقاسات تناسب توجهاته السياسية والاجتماعية، والبعض الآخر يريده محاربًا للفن والموسيقا، ويمتد الأمر إلى شيطنة الآخر. وتبدو الساحة مفتوحة لحرب الإلغاء التي لا يُعرف بالضبط من يديرها، حتى ولو ظهرت ملامح أشخاص أو توجهات عامة.
المشكلة في سوريا ليست أن الناس يختلفون، والاختلاف أمر طبيعي وفي غاية الأهمية، إنما في التخويف، كأن يصبح الرأي المختلف سببًا للتهديد، ويتحول الاختلاف السياسي أو الديني أو الاجتماعي في كثير من الأوقات إلى محاولة لإلغاء الآخر وإخراجه من المجال العام.
يمتلئ فضاء وسائل التواصل الاجتماعي بحسابات لأسماء مستعارة، وأخرى مغلقة، وقنوات لا يعرف أحد على وجه الدقة من يقف وراءها، ومهما كانت الفكرة التي يناقشها ناشطون طبيعية أو واقعية، تبدأ رسائل التهكم والشتم ثم التخويف والتخوين والتهديد.
حسابات يتضح أنها تعادي جميع السوريين، لأنها تعمّق مواضع الاختلاف وتحوّلها إلى خلافات، وتستثمر في شق المجتمع، وتربك المنظمات والمؤسسات الحكومية والمدنية، وتستهلك قدرتها على المقاومة في بيئة هشّة بالأساس.
ليس كل حساب مجهول يمثل تنظيمًا أو جهة سياسية، ولا كل خطاب متشدد يعني وجود غرفة عمليات مركزية خلفه، لكن الذي يكشف حقيقة الأمر، بعض التحقيقات والدراسات التي كشفت عن موجات مبرمجة من آلاف الرسائل والتغريدات التي تقودها حسابات بعضها معروف المصدر وبعضها الآخر لا رابط منطقيًا بين المكان الذي تأتي منه وبين سوريا.
فارق كبير بين أن تقول لشخص: “أختلف معك”، وأن تقول له: “نعرف من أنت، وسنصل إليك”، فالأول ممارسة سياسية طبيعية، والثاني محاولة إسكات بالتهديد.
للتهديد مراحل وأشكال، منها المباشر بتسمية الآخر: خائن، بنو أمية، عميل، مطبّل، فلول، انفصالي، طائفي، كافر، إرهابي، لتتسع الدائرة تدريجيًا، ويتحول الفرد إلى ممثل لجماعة كاملة، وتتحول الجماعة إلى هدف مشروع للعقاب أو المقاطعة أو الإقصاء.
خطاب الكراهية لا يكتفي بمهاجمة فكرة، بل يعيد تعريف الإنسان نفسه باعتباره مشكلة.
تذكرون حملة “لست شجرة”، صحيح أنها ظهرت في ظرف بالغ الحساسية، عقب الكشف عن تفاصيل جريمة رانيا العباسي وأطفالها الستة، لكن الانتقال من المطالبة بمحاسبة مرتكبي الجريمة إلى مخاطبة جماعة كاملة بمنطق أنها تستطيع أن ترحل، لا يحقق عدالة ولا يساعد على كشف الجناة، بل يحوّل الجريمة من قضية مسؤولية فردية إلى قضية هوية جماعية.
تحولت المقولة إلى معنى مختلف تمامًا، ولا تتحمل ذلك فئة بعينها أو حكومة أو مؤسسة، بل مساحات إلكترونية مظلمة بلا رقابة، تمسك رأس خيط الكراهية المحفّز ثم تدحرج كرته بطريقة غريزية مؤذية.
شاهدنا مؤخرًا بعض الدعوات التي أطلقها تيار يحتج على حفل موسيقي، ويناصر نمطًا معينًا من لباس المرأة، ويحق لأي جماعة فكرية أو دينية أن تعترض على حفل موسيقي أو تدافع عن نمط معين من لباس المرأة، كما يحق لغيرها أن ترفض هذا التصور. لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل الاعتراض من التعبير عن الرأي إلى الضغط على الناس لإجبارهم عليه، أو إلى استخدام التهديد والتشهير والتحريض، أو إلى ممارسة ضغط على مؤسسات الدولة كي تفرض هذا التصور على المجال العام.
والخطر أن يتحول حزب أو مجتمع أو جماعة فكرية أو دينية نشطة على الإنترنت، إلى سلطة اجتماعية تقرر للآخرين شكل حياتهم، ثم تُبنى حولها قاعدة من المؤيدين، ما يفتح الباب على احتمالات عنيفة عندما تشعر تلك الجماعة بقوتها.
التهديد يبقى تهديدًا، والتحريض يبقى تحريضًا، مهما كان الشعار الذي يرفعه صاحبه، حتى ولو ادّعى أكثر القيم طهرانية.
أعود إلى الحسابات المجهولة والمقفلة، رغم أنها ليست كلها مشبوهة، لكنها تفتقد هوية رقمية تثبت صحة ما يقوله أصحابها، الناس الذين يحتاجون إلى تجهيل هويتهم لحماية أنفسهم ليسوا محصنين قانونيًا أمام خطاب الكراهية.
ظاهرة الحسابات المجهولة ليست هامشية في سوريا، وأظهرت عمليات رصد حديثة إمكانية تتبع شبكات من الحسابات والقنوات المترابطة، وتحليل أنماط إعادة النشر وانتشار المحتوى بينها، لكن المسؤولية ليست على الدولة وحدها، بل تتوزع بين أصحاب الحسابات والجماعات التي ينتمون إليها، والمؤثرين الذين يضخمون الخطاب، والمنصات التي تسمح للمحتوى التحريضي بالانتشار.
ولا ننسى أن السلطات هي التي يفترض أن تحمي المواطنين من التهديد والتحريض، من دون أن تحول مكافحة خطاب الكراهية إلى ذريعة لإسكات النقد السياسي وشبكات كشف الفساد الإداري والمالي والجريمة المنظمة.
بالعموم، ما تحتاج إليه سوريا يبدو أكثر تواضعًا وصعوبة في آنٍ واحد: أن يتعلم المختلفون أن يعيشوا معًا. هل نريد بناء سوريا جديدة، أم إعادة توزيع الخوف؟ وللحديث بقية.
