الشعب ينتظر والثروة تُوزع في الخفاء

  • 2026/09/20
  • 3:54 م
خالد المطلق

خالد المطلق

enab_get_authors_shortcode

خالد المطلق

في حي شعبي بدمشق وقفت سيدة أمام محل خضار تسأل عن سعر كيلو البندورة، ثم رجعت خطوتين إلى الوراء من دون أن تشتري شيئًا. هذا المشهد بتفاصيله الصغيرة يختصر المسافة بين خطاب اقتصادي متفائل، تكرره السلطة المؤقتة كل أسبوع تقريبًا، وبين يوميات ناس ما زالوا يحسبون مصروفهم بالليرة القديمة والجديدة معًا. فالوعود كثيرة، منها على سبيل المثال استثمارات قادمة، واقتصاد سوق منفتح، وسوريا “آمنة” تستقبل رؤوس الأموال، لكن أحدًا في السوق لا يسأل عن نسب النمو المتوقعة في التقارير الرسمية، والناس يسألون لماذا لا يصل التيار الكهربائي أكثر من ساعات معدودة، ولماذا صار سعر ربطة الخبز يتغير كل أسبوعين؟

لا أحد ينكر أن الاقتصاد السوري خرج من الحرب منهكًا، فالمصانع متوقفة أو نصف عاملة، والبنية التحتية مهدمة في مناطق كاملة، والعقوبات تركت أثرها على كل شيء من الدواء إلى قطع غيار المولدات. الإصلاح ضروري، وربما عاجل، لكن الإصلاح كلمة يمكن أن تعني أشياء متناقضة تمامًا، بحسب من يكتب تفاصيله. خذ مثلًا ملف القطاع العام، صحيح أن هناك موظفين فائضين ومؤسسات مثقلة بالفساد القديم، لكن حين يُطرح الحديث عن “التقليص” أو “الخصخصة” من دون أرقام واضحة عن عدد من سيتأثرون أو خطة تعويض أو جدول زمني، فإن الموظف العادي لا يسمع “إصلاحًا”، بل يسمع تهديدًا مباشرًا لراتبه الذي بالكاد يكفيه أصلًا، والمعروف أن مؤسسة الدولة مهما كانت متعثرة، غالبًا ما تكون آخر شبكة أمان لأسرة كاملة، وقرار بيعها أو حلها يحتاج إلى تدقيق مستقل لا إلى قرار يُتخذ خلف الأبواب المغلقة.

الملف الأخطر ربما هو ملف الموارد الطبيعية كالنفط في الشرق والغاز والفوسفات قرب تدمر والأراضي الزراعية الواسعة، كل هذا يُفترض أنه ملك عام، لكن أحدًا لا يعرف بالضبط من يوقّع العقود وبأي شروط ولمصلحة مَن؟ وحين تُستخرج ثروات دير الزور مثلًا بينما تبقى المحافظة نفسها بلا كهرباء كافية، أو مستشفيات تعمل بكامل طاقتها، يصبح من الصعب إقناع سكانها بأن هذه الثروة “ملكهم” فعلًا.

المطلوب ليس شعارات عن العدالة، بل نشر العقود نفسها: مَن الشركة، كم الكمية، وأين تذهب العائدات؟ كما أن ملف الأراضي والعقارات لا يقل تعقيدًا، فبعد سنوات من النزوح وتغير السيطرة، صارت ملكية آلاف العقارات موضع نزاع أو غموض. وإذا تحولت إعادة الإعمار إلى سباق سريع لشراء أو الاستحواذ على هذه الأراضي قبل أن يعود أصحابها الأصليون أو تُحسم قضاياهم في المحاكم، فسنكون أمام عملية إعادة توزيع قسري للملكية لا إعادة إعمار، وهذا كله ينعكس في الشارع بشكل مباشر، فالاحتجاجات المطلبية التي تظهر بين حين وآخر، على الوقود والكهرباء وعلى الأجور وعلى تأخر الرواتب، ليست بالضرورة رفضًا للتغيير أو حنينًا لما قبله، بل هي أقرب إلى سؤال بسيط يتكرر، وهو إذا كانت الثروة موجودة فلماذا لا نراها؟ وكل صورة تنشر على مواقع التواصل عن مشروع استثماري جديد يقابلها تعليق ساخر عن انقطاع الماء في الحي المجاور.

من وجهة نظري المبنية على حقائق ومعلومات دقيقة، لا أعتقد أن الحل معقد نظريًا، وإن كان صعبًا سياسيًا، فتجميد بيع الأصول الكبرى إلى حين وجود آلية تقييم، ومزادات علنية، ونشر عقود النفط والغاز كاملة، وإيقاف قرارات الفصل الجماعي من الوظائف العامة ريثما تُدرس حالة كل مؤسسة على حدة، وإشراك النقابات والمجالس المحلية في أي قرار كبير بدل الاكتفاء بإعلانه جاهزًا، هي جزء من حل لهذه المشكلة.

هذه ليست مطالب راديكالية، بل الحد الأدنى الذي يجعل كلمة “شفافية” تعني شيئًا غير الديكور اللغوي، فالمشكلة الحقيقية ليست أن السوريين يرفضون الاستثمار أو اقتصاد السوق من حيث المبدأ، إنما المشكلة أن كل نقاش اقتصادي يجري اليوم بعيدًا عن أعين الناس، وكأن الشفافية تفصيل يمكن تأجيله إلى ما بعد “استقرار” لم يتحدد موعده بعد، وسوريا لا تحتاج اليوم إلى نسخة جديدة من اقتصاد يُدار من الأعلى بقرارات غامضة، سواء كانت باسم الدولة القديمة أو باسم الانفتاح الجديد، بل هي بحاجة إلى أن تعرف ببساطة أين تذهب ثرواتها ومن يقرر مصيرها.

مقالات متعلقة

  1. عمرو سالم والبزر المحمّص
  2. سوريون يطالبون بمحاكمة وزير الاقتصاد السابق أديب ميالة
  3. الليرة السورية إلى التدهور.. إجراءات أمنية واقتصادية لا تحميها
  4. المركزي “يدّلس” في سعر الصرف.. الليرة تنتظر "المجهول"

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي