عادت أصالة.. لكن إلى أين؟

  • 2026/09/20
  • 3:01 م
أحمد عسيلي

أحمد عسيلي

enab_get_authors_shortcode

أحمد عسيلي

أحيت الفنانة السورية أصالة نصري، مساء الخميس 17 من أيلول الحالي، حفلًا غنائيًا في صالة “الفيحاء” بدمشق، بعد غياب دام نحو 16 عامًا. عودة تحمل، بعيدًا عن الموسيقا والغناء، شحنة نفسية كبيرة، بعد كل ما مر على شامنا من سنوات عجاف.

ما أثار انتباهي، بعيدًا عن كل ما رافق تلك الحفلة من موجات الشوق والحنين، كان جملة قالتها أصالة خلال الحملة الترويجية للحفل، حين وصفت لقاءها بالجمهور في دمشق بأنه “ولادة جديدة لبنتكم أصالة”.

دعونا ننطلق من هذه العبارة ونتأملها قليلًا، لأنها، بصراحة، أدهشتني كطبيب نفسي بمدى عمقها، فأصالة اختصرت بكل عفوية وبساطة، شيئًا يحتاج علم النفس والفلسفة إلى صفحات طويلة لشرحه: بعد غياب طويل، لا تكون العودة مجرد رجوع إلى المكان الذي تركناه، بل هي فعلًا ولادة جديدة.

ذكرتني عبارتها بداية بإحدى أشهر الأفكار المنسوبة إلى الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: لا يمكن للإنسان أن ينزل النهر نفسه مرتين، ففي المرة الثانية لا يكون الإنسان نفسه تمامًا، ولا يكون النهر هو نفسه أيضًا، الإنسان الذي يعود إلى النهر تكون قد أضيفت إليه خبرة ما، عاش تجربة، تعلم شيئًا، خسر شيئًا أو اكتسب شيئًا، أما النهر، فالمياه التي لامسته في المرة الأولى مضت منذ زمن وحلت مكانها مياه جديدة.

إنها علاقة متبادلة يحكمها الزمن: نحن نتغير، والأماكن التي نتركها تتغير أيضًا.

هذا الكلام لا أكتبه من موقع المراقب فقط، فأنا أيضًا مواطن سوري عدت إلى وطني (ولو كزيارة) بعد غياب دام 12 عامًا ونصفًا، وعندما عدت اكتشفت أنني أشبه بذلك الرجل الذي ينزل نهر هيراقليطس للمرة الثانية.

لم أعد ذلك الشاب المندفع، الذي كان يحضر لإنهاء اختصاصه عام 2012.

خلال 12 عامًا عشت تجارب جديدة، وعملت وتعلمت في مكان آخر، وتغيرت نظرتي إلى أشياء كثيرة، وأضيفت إلى هويتي القديمة طبقات جديدة، لغة جديدة، أسلوب تفكير مختلف، نظرة مختلفة للوطن والانتماء، وفي المقابل، لم تكن سوريا التي عدت إليها هي سوريا التي غادرتها (بتحولاتها السلبية والإيجابية)، هي الأخرى عاشت 12 عامًا كاملة من الأحداث والتحولات والتجارب.

اسمحوا لي أن أستحضر هنا تجربة طبيب نفسي آخر، أعتبره واحدًا من أهم أساتذتنا في هذا العلم، عاش تجربة مشابهة، وكتب كثيرًا عن الهجرة والمنفى، الطبيب والمحلل النفسي هندي الأصل سلمان أختر، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة وكرس جانبًا مهمًا من عمله لفهم ما تفعله الهجرة بهوية الإنسان وعلاقته بالمكان الذي تركه.

يتحدث أختر عن فكرتين جميلتين: “Someday fantasy” و”If only fantasy”.

الأولى هي خيال “يومًا ما”: يومًا ما سأعود، يومًا ما سأستعيد ما فقدته، يومًا ما ستصبح الأمور كما تمنيت، إنها مثالية موجهة نحو المستقبل (وكم ستصيبنا هذه المثالية من خيبات) أما الثانية، “لو فقط”، فتتجه إلى الماضي: لو أنني لم أغادر، لو لم يحدث ما حدث، لو بقيت حياتنا كما كانت، وهنا يصبح الماضي نفسه عالمًا مثاليًا نشتاق إليه.

ويعرف كثير من المهاجرين هذا الـ”يومًا ما” جيدًا، قد يعيش الإنسان سنوات وهو يقول لنفسه: يومًا ما سأعود.

لكن المشكلة تبدأ عندما يأتي ذلك اليوم فعلًا.

فالإنسان يحتفظ في ذاكرته بصورة للوطن توقفت، بطريقة ما، عند لحظة الرحيل، البيت، الشارع، الأصدقاء، الروائح، وحتى صورته عن نفسه داخل ذلك المكان، لكن الوطن الحقيقي لم يتوقف عند تلك اللحظة منتظرًا عودته، استمر في التغير من دونه، تمامًا كما استمر هو في التغير بعيدًا عنه.

وهنا أعود إلى أصالة وإلى عبارتها: “ولادة جديدة”.

أصالة التي عادت إلى دمشق بعد 16 عامًا ليست أصالة التي غادرتها، جمهورها ليس الجمهور نفسه، ودمشق ليست دمشق نفسها، مر على الجميع نهر كامل من الزمن.

لذلك لا تعني العودة أن نضغط زر التشغيل ونكمل حياتنا من اللحظة التي توقفنا عندها قبل سنوات، لا يوجد زر كهذا أصلًا.

نحن نحتفظ بذاكرتنا، ونحتاج إليها لكي نعرف من نحن ومن أين أتينا، لكن علينا أيضًا أن نعرف أن الذاكرة تتحدث عن شيء مضى، ولا نستطيع أن نطلب من الواقع أن يعيد إنتاجه لنا كما كان.

نحتاج أحيانًا، عندما نعود، إلى شيء من الحداد على المكان الذي حملناه طويلًا داخل ذاكرتنا، حتى نستطيع أن نتعرف إلى المكان الموجود أمامنا الآن، ونبني معه علاقة جديدة.

لهذا كانت عبارة أصالة دقيقة بصورة مدهشة: العودة فعلًا هي ولادة جديدة.

والولادة، مهما كانت مرغوبة وسعيدة، ليست حدثًا بسيطًا، كل بداية جديدة تحمل معها قلقها وأسئلتها وعبئها النفسي، والعودة بعد غياب طويل ليست لحظة استرخاء نصل إليها ثم نتابع ببساطة مجرى حياتنا القديمة.

فالنهر لم يتوقف منتظرًا إيانا، ونحن أيضًا لم نتوقف على ضفته.

السوري العائد إلى وطنه، سيبدأ من جديد، مع إنسان جديد، ووطن جديد. كل ما يجمعه مع ذاك السوري الذي ترك وطنه سابقًا هو فقط الذكرى وتراكم التجربة.

مقالات متعلقة

  1. أصالة في دمشق.. عودة تجمع الفرح والذاكرة والتراث السوري
  2. أصالة نصري تغني في دمشق بعد 15 عامًا من الغياب
  3. ما حقيقة اقتراب عودة أصالة نصري إلى سوريا؟
  4. الأمن اللبناني يوقف أصالة بتهمة حيازة المخدرات

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي