شركات التأمين إلى البورصة.. قفزة في سوق بلا عمق

  • 2026/09/20
  • 3:15 م
وزير المالية السوري يجتمع بمديري شركات التأمين الخاصة لمناقشة خطة التحول لشركات مساهمة عامة والإدراج في سوق دمشق للأوراق المالية - 17 أيلول 2026 (وزارة المالية السورية/تلجرام)

وزير المالية السوري يجتمع بمديري شركات التأمين الخاصة لمناقشة خطة التحول لشركات مساهمة عامة والإدراج في سوق دمشق للأوراق المالية - 17 أيلول 2026 (وزارة المالية السورية/تلجرام)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

في 9 من أيلول الحالي، أصدرت وزارة المالية السورية قرارًا يُلزم شركات التأمين الخاصة القائمة في سوريا بالتحول إلى شركات مساهمة عامة وإدراج أسهمها في سوق دمشق للأوراق المالية، مانحة إياها مهلة زمنية مدتها 18 شهرًا تنتهي في آذار 2028.

القرار الذي جاء مقتضبًا في نصه المعلن، فتح الباب واسعًا أمام التساؤلات الفنية والاقتصادية حول مدى جاهزية السوق، وقدرة القطاع التأميني على استيعاب هذه الخطوة، وتأثيراتها المباشرة على حقوق المساهمين وصغار المستثمرين في مرحلة التعافي الاقتصادي.

سيولة البورصة وقدرتها على الاستيعاب

يستطيع السوق استيعاب هذه الشركات تقنيًا وإداريًا، لكنه لا يملك حاليًا السيولة الكافية لتسعيرها وتداولها بصورة صحية، والإدراج ممكن، أما التداول الحقيقي على هذه الأسهم فغير مضمون، وفق الباحث والخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم.

الفرضية المتداولة عن إدراج “أكثر من عشر شركات” غير دقيقة على الأرجح، ففي سوريا 12 شركة تأمين خاصة، ست منها مدرجة أصلًا (آروب، المتحدة، الوطنية، العقيلة، الاتحاد التعاوني، السورية الكويتية)، أي أن الإدراجات الجديدة الفعلية ستكون نحو ست شركات، ما لم تُمنح تراخيص جديدة.

وتكشف أرقام النصف الأول من 2026 ضحالة واضحة في السيولة وعمق السوق، إذ وصلت قيمة التداول مع الصفقات الضخمة إلى 2.4 مليار ليرة جديدة، بمتوسط في الجلسة الواحدة بلغ نحو 21.1 مليون ليرة (ما يعادل 172 ألف دولار فقط بسعر صرف 122.5 ليرة للدولار)، فيما بلغت القيمة السوقية الكلية نحو 254 مليار ليرة (2.07 مليار دولار).

وقال الباحث عبد الكريم، في حديث إلى عنب بلدي، إن أقل من 2% من قيمة السوق تم تداولها في سنة كاملة، وأغلبية الأسهم لا تتحرك عمليًا، وحتى هذا الرقم متضخم بفعل الصفقات الضخمة، إذ استحوذ سهم “أسمنت البادية” وحده على نحو 46% من تداولات السوق.

ويعد قطاع التأمين الحلقة الأضعف أصلًا، بحسب عبد الكريم، إذ بلغت حصته 0.09% فقط من قيمة التداولات، مقابل 51.48% للبنوك و47.88% للقطاع الصناعي.

وتداولت شركات التأمين الست المدرجة مجتمعة نحو 2.2 مليون ليرة جديدة في نصف عام (قرابة 18 ألف دولار)، وسهم “السورية الكويتية” وحده تداول نحو 1,300 دولار في ستة أشهر، وفي جلسة 16 من أيلول الحالي كان مجموع أوامر الشراء على سهم “المتحدة للتأمين” صفرًا، مقابل أكثر من 15,000 سهم معروضة للبيع، وبحسب تعبير عبد الكريم فإن “هذه صورة حية لغياب العمق”.

قدرة قطاع التأمين على جذب الاستثمار

يرى الخبير الاقتصادي أن التأمين جاذب من زاوية الإمكانات النظرية، لأن انتشار التأمين في سوريا منخفض إلى حد استثنائي، لكنه غير جاذب بعد كاستثمار في الأسهم لمعظم المدخرين، فحجمه صغير جدًا، ونموه اسمي في معظمه، وجزء مهم من الأرباح تاريخيًا جاء من فروقات الصرف لا من النشاط التأميني.

وفي الأشهر التسعة الأولى من 2024، بلغ إجمالي الأقساط نحو 419 مليار ليرة قديمة (بنمو 107% عن الفترة نفسها من 2023)، لكنه نمو اسمي تقوده أسعار الصرف والتضخم، وليس توسعًا حقيقيًا في عدد المؤمَّن عليهم، وتستحوذ “المؤسسة العامة السورية للتأمين” (حكومية) على نحو 49% من السوق، فيما تتقاسم الشركات الخاصة الـ12 النصف الآخر.

ويتضح أن انتشار التأمين (نسبة الأقساط إلى الناتج المحلي) بتقدير أقساط 2024 (نحو 43 مليون دولار) ومع ناتج محلي يُقدّر بنحو 21.4 مليار دولار، يقارب 0.2% فقط، في حين يدور المتوسط العالمي تاريخيًا حول 7%، بينما لم تتجاوز نسبة المؤمَّن عليهم صحيًا 5% عام 2023.

وحول القيمة الاستثمارية للقطاع، ثمة ثلاث ملاحظات حاسمة، بحسب عبد الكريم، هي:

  • الأقساط الكبيرة قد تعني تعويضات كبيرة، فالتأمين الصحي مثلًا يولد أقساطًا ضخمة، لكنه يستهلك معظمها في التعويضات.
  • السعر السوقي لا يعكس النشاط التأميني، لأن القيمة السوقية لشركة “المتحدة للتأمين” تعادل نحو 35 ضعف ربحها التشغيلي لعام 2024، ما يشير إلى أن السوق يسعّر الأصول والودائع بالعملة الأجنبية والاستثمارات لا نشاط التأمين.
  • الاحتكار الحكومي السابق والتاريخي، عبر استحواذ المؤسسة العامة على 93% من أقساط التأمين الإلزامي للسيارات عام 2020، ما حرم الشركات الخاصة من أكبر خدمات تأمينية من حيث الحجم.

أثر التحول إلى مساهمة عامة على حقوق الملاك والمؤسسين

أكد الخبير الاقتصادي السوري أن تحول شركات التأمين إلى مساهمة عامة قد يخفض نسبة ملكية المؤسسين وسيطرتهم، لكنه لا يخفض قيمة ملكيتهم بالضرورة، فالنتيجة تتوقف على سعر الطرح، وعلى نوع الأسهم المطروحة (هل هي أسهم جديدة بزيادة رأس المال تدخل أموالها للشركة، أم أسهم قديمة يبيعها المؤسسون لحسابهم الخاص).

وفيما يتعلق بالسيطرة وقيمة الملكية، إذا كان لدى شركة عشرة ملايين سهم بقيمة عادلة 20 مليار ليرة (2,000 ليرة/سهم) فإن الطرح بالسعر العادل: إصدار خمسة ملايين سهم جديد بـ2,000 ليرة يجمع عشرة مليارات، وعندها تنخفض نسبة المؤسسين إلى 66.7%، لكن قيمة حصتهم تبقى 20 مليارًا.

أما الطرح بخصم (مثلًا 20%): الطرح بسعر 1,600 ليرة يجمع ثمانية مليارات فقط، وتنخفض قيمة حصة المؤسسين إلى 18.7 مليار ليرة، أي أن 1.3 مليار انتقلت فعليًا منهم إلى المكتتبين الجدد.

وبحسب عبد الكريم، فإن زيادة رأس المال عبر أسهم مجانية التي اقترحتها شركتا تأمين مدرجتان في أيلول الحالي لا تغير نسبة ملكية أي مساهم ولا تُدخل ليرة نقدية واحدة إلى الشركة، بل هي مجرد نقل محاسبي من الأرباح المحتجزة أو الاحتياطيات إلى رأس المال، ولا تعزز الملاءة بأموال جديدة.

خطورة إعادة تقييم أصول الشركات في الميزانيات

“تعد عمليات إعادة التقييم ضرورية لإظهار قيمة واقعية للأصول، لكنها أخطر مصدر محتمل لتضليل المستثمر الصغير، فهي تنتج أرقامًا ضخمة بالليرة دون أي تدفق نقدي، وقد تُخفي تراجعًا فعليًا في القيمة الحقيقية”، وفق عبد الكريم.

وأوضح أنه لو اشترت شركة مبنى عام 2010 بـ50 مليون ليرة قديمة (مليون دولار)، قيمته الدفترية بالليرة الجديدة اليوم 500 ألف ليرة، فعند إعادة تقييمه بسعره الحالي (مليون دولار = 122.5 مليون ليرة جديدة)، يظهر فائض بـ122 مليون ليرة، فتبدو قيمة الأصل وكأنها تضاعفت 245 مرة، لكن المساهم لم يربح شيئًا بالدولار، والشركة لم تتسلم ليرة واحدة نقدًا.

والتجربة السورية القريبة تقدم الدليل، ففي عام 2020 قفزت الأرباح الصافية لشركات التأمين بأكثر من 830% إلى 20 مليار ليرة، لكن عند استبعاد فروقات الصرف غير المحققة، انخفضت هذه الأرباح إلى نحو مليار ليرة فقط (أي أن 95% منها كانت أرباحًا ورقية)، وكذلك في عام 2021 ارتفعت حقوق المساهمين إلى 85.7 مليار ليرة، منها 48.4 مليار مجرد فروقات صرف غير محققة.

مهلة 18 شهرًا لإصلاح الشركات المتعثرة

يمكن الاكتفاء بمهلة 18 شهرًا (تنتهي في 9 من آذار 2028) لإنجاز التحول القانوني والإدراج لبقية شركات التأمين الخاصة، وفق الخبير، لكنها قصيرة جدًا لإصلاح شركة متعثرة فعليًا، فالخطر الحقيقي أن تُنجز الشكليات في الموعد بينما تبقى المشكلات المالية كما هي.

والشركة المتعثرة تحتاج إلى إجراءات هيكلية تتمثل بـ:

  • زيادة رأس المال نقدًا.
  • معالجة الخسائر المتراكمة بتخفيض رأس المال ثم زيادته.
  • مراجعة الاحتياطيات الفنية عبر خبير “اكتواري” مستقل.
  • تحسين تحصيل الأقساط.
  • إعادة تسعير المنتجات الخاسرة، أو التوجه نحو الاندماج.

أما تغيير الشكل القانوني، بحسب الدكتور محمود عبد الكريم، فإنه لا يضيف قسطًا ولا يخفض تعويضًا ولا يرفع الملاءة المالية، فالشركة الخاسرة التي تتحول إلى مساهمة عامة تبقى شركة خاسرة، لكن بعدد أكبر من المتضررين، وإدراج شركات ضعيفة يهدد بتحميل صغار المكتتبين خسائر المؤسسين، والإضرار بسمعة السوق والقطاع ككل.

الحوكمة والشفافية بين النص والتطبيق

قال الدكتور عبد الكريم، إن الإدراج يرفع سقف الالتزامات المكتوبة، لكن سجل الشركات المدرجة أصلًا يظهر أن التطبيق والإنفاذ هما الحلقة الضعيفة.

وتكشف بيانات الإفصاح لبعض الشركات المدرجة خللًا عميقًا:

  • إحدى شركات التأمين المدرجة نشرت بياناتها المالية للربع الأول من 2025 في تشرين الأول 2025، ونتائجها الأولية عن عام 2025 كاملًا لم تصدر إلا في أيلول 2026.
  • عند إعادة افتتاح السوق في حزيران 2025 لم تستأنف التداول سوى 18 شركة من أصل 27 مدرجة، لعدم استيفاء البقية لمعايير التداول.
  • الشفافية لا تقاس بوجود خانة الإفصاح، بل بتوقيته وجودته، فالإفصاح المتأخر ثمانية أشهر يفقد معظم قيمته استثماريًا.

أما حول كيفية قياس نجاح قرار وزارة المالية بإدراج شركات التأمين الخاصة بالسوق، فيعتبر الدكتور محمود عبد الكريم أنه لا يقاس النجاح بعدد الشركات التي تحولت وأدرجت بحلول آذار 2028، بل بما إذا أصبحت هذه الشركات أقوى ماليًا، وأسهمها قابلة للتداول فعلًا.

ويمكن أن ينجح القرار تنظيميًا بنسبة 100% ويفشل اقتصاديًا في الوقت نفسه إذا حصلنا على شركات مدرجة لا يتم تداول أسهمها وتستمد أرباحها من تقلبات الصرف.

مقالات متعلقة

  1. سوريا تستعد لإصدار الصكوك السيادية
  2. "الحكومة" تشجع تحويل الشركات العائلية إلى مساهمة
  3. "المالية" تحدد موعد افتتاح بورصة دمشق
  4. تعليمات جديدة للشركات الراغبة بشراء أسهمها من البورصة في سوريا

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية