عنب بلدي – آلاء شعبو
في إدلب، تلقت نبيلة بارود اتصالًا من أقاربها المقيمين في ألمانيا، بعدما عرفوا أنها موجودة في المدينة. أثار وجودها في إدلب قلقهم بسبب الصورة التي يحملونها عن المدينة، فطلبوا منها أن تتحدث مع المرأة التي كانت تجلس إلى جانبها.
إلى جانب نبيلة، جلست أستاذة جامعية من إدلب تهتم بقضايا المرأة والمشاركة السياسية، تحدثت مع نبيلة وأقاربها عن حياتها وعملها، ثم تعرّفوا إلى أشخاص آخرين من المدينة، بينهم الدكتور مهيب قدور.
ويروي الدكتور نادر الصنوفي، مؤسس مبادرة “حديث السوريين”، لعنب بلدي أن الحديث مع هؤلاء الأشخاص غيّر نظرة أقارب نبيلة إلى إدلب، ودفعهم إلى تغيير موقفهم من زيارة سوريا، التي لم يكونوا يرغبون فيها سابقًا.
ما مبادرة “حديث السوريين”؟
تجمع اللقاءات أشخاصًا من مدن ومحافظات مختلفة في مدينة مضيفة، للمشاركة في جلسة حوار إلى جانب الزيارات والأنشطة وقضاء وقت مشترك مع سكان المدينة والمشاركين القادمين من مناطق أخرى. وتتنقل اللقاءات بين المدن والمحافظات السورية.
الصورة التي تشكلت من بعيد
قال الصنوفي إن سنوات الحرب وما رافقها من تباعد بين المدن، جعلت التواصل بين الناس محدودًا، خصوصًا مع صعوبة التنقل بين المناطق، فصار التعرف إلى مجتمعات أخرى يجري غالبًا من خلال ما يسمعه الشخص عنها.
وترى زينة قنجراوي، خريجة علم اجتماع وناشطة اجتماعية في اللاذقية، أن القطيعة لم تؤثر في الأماكن وحدها، بل امتدت إلى نظرة الناس إلى بعضهم.
وقالت إن انقطاع التواصل المباشر جعل “الآخر” يُرى في كثير من الأحيان من خلال الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ما أسهم في تكوين صور نمطية، وتضخيم بعض الجوانب السلبية.
وأضافت قنجراوي، لعنب بلدي، أن اللقاء المباشر يتيح للناس الاستماع إلى تجارب بعضهم، والتعرف إلى مخاوفهم واهتماماتهم اليومية، ما يمكن أن يخفف من الأحكام المسبقة عندما يتحول “الآخر” من صورة عامة إلى شخص له تجربته الخاصة.
من أحاديث المدن إلى حديث السوريين
بدأت فكرة “حديث السوريين” من لقاءات حملت اسم “أحاديث المدن”، وتركزت في بدايتها على سكان كل مدينة لمناقشة قضاياهم اليومية والتعرف إلى بعضهم.
ومع توسع هذه اللقاءات إلى مدن ومحافظات أخرى، ظهرت فكرة جمع المشاركين من مناطق مختلفة في لقاء واحد.
قال الصنوفي، إن الانتقال إلى اللقاءات المشتركة جاء بعد تجربة “حديث مصياف” في أيار 2025، عندما اقترح الدكتور علي أسعد استضافة أشخاص من محافظات مختلفة في المدينة وتأمين مكان لإقامتهم.
شارك في اللقاء نحو 35 شخصًا قدموا من حلب وحماة وإدلب ودمشق وحمص، وأقاموا في فندق حجزه شباب من مصياف للضيوف.
لم ينتهِ اللقاء بانتهاء الجلسة، إذ استمر المشاركون في الحديث حتى الرابعة فجرًا، قبل أن يتابعوا في اليوم التالي برنامجهم بالإفطار وزيارة قلعة مصياف والأسواق القديمة ومواقع أخرى في المدينة.
يتحدث الصنوفي عن تجربة الاستضافة التي دفعت إلى التفكير بتوسيع الفكرة، لتصبح لقاءات تجمع السوريين من مدن ومحافظات مختلفة.
لاحقًا، بدأت اللقاءات تنتقل بين المدن، بحيث تستضيف كل مدينة مشاركين من مناطق أخرى، بهدف التعارف المباشر، واكتشاف ما يجمع السوريين وما يختلفون فيه من خلال النقاش والاحتكاك اليومي.
أكثر من جلسة حوار
لم تقتصر الاستضافة على ساعات الجلسة، إذ أصبحت جزءًا من تجربة اللقاء نفسها.
وتكرر ذلك في لقاء دير مار موسى في النبك، عندما عرض الأب جهاد يوسف تأمين الطعام لنحو 100 شخص، ومكان إقامة لنحو 30 إلى 35 شخصًا.
وبحسب الصنوفي، وصل عدد المشاركين في اللقاء إلى نحو 450 شخصًا، وتوزعوا بين أشخاص من محافظات ومكونات اجتماعية ودينية مختلفة.
ويرى أن الجزء غير الرسمي كان من أكثر ما أتاح للمشاركين التعرف إلى بعضهم، من خلال الأحاديث قبل الجلسات وخلال الطعام والزيارات.
ومع انتقال اللقاءات بين المدن، أصبح سكان المدينة المضيفة أنفسهم جزءًا من هذا الاحتكاك، من خلال استقبال الضيوف والتفاعل معهم خلال اليوم.
مدن لا تشبه صورتها
مع انتقال اللقاءات بين المدن، لم يعد المشاركون يكتفون بسماع روايات عن المناطق الأخرى، بل صاروا يرونها من الداخل ويلتقون بسكانها. وكانت إدلب ومصياف من المدن التي ظهرت حولها صور مسبقة لدى بعض المشاركين.
في إدلب، شملت الزيارة إلى جانب جلسة الحوار جولات على المدينة ومؤسساتها وجامعتها ومركزها الثقافي ومخيمات ومناطق صناعية وأسواق.
بعض المشاركين فوجئوا بما شاهدوه، مقارنة بالصورة التي كانوا يحملونها عن إدلب، والتي ارتبطت لديهم بالحرب وما خلفته من دمار وصعوبات معيشية، وفق الصنوفي.
وأشار الإعلامي قاسم شيخ علي، أحد المشاركين في تنظيم اللقاءات، إلى أن الانطباعات المسبقة عن إدلب لم تكن موحدة، لكنه لاحظ أن بعض الزوار وجدوا واقعًا مختلفًا عما توقعوه، خصوصًا فيما يتعلق بما تمكن السكان من إنجازه رغم ظروف الحرب والحصار.
وفي مصياف، ظهرت صورة مسبقة من نوع آخر، بحسب شيخ علي، إذ كان بعض المشاركين ينظرون إلى المدينة باعتبارها منطقة موالية للنظام السابق، ويختزلون سكانها في هذه الصورة.
لكن اللقاء جمعهم بأشخاص من المدينة، واطلعوا على تجارب مختلفة لسكانها، بينها نشاط اجتماعي وتجارب مرتبطة بالحرب والفقر والعمل المدني.
لقاءات تبني روابط وعلاقات
خلال هذه اللقاءات، لم يقتصر تغيير الانطباعات على المدن التي زارها المشاركون، بل ظهر أيضًا في العلاقات التي نشأت بينهم.
يروي الصنوفي أن عددًا من العاملين في الفندق الذي استضاف المشاركين في مصياف كانوا من أبناء الطائفة العلوية، وبعضهم سبق أن عاش في حمص قبل أن يغادرها بعد سقوط نظام الأسد، ومع وصول أشخاص من إدلب ومناطق أخرى إلى الفندق، بدأ العاملون بالجلوس معهم والمشاركة في الأحاديث، وقال بعضهم إنهم للمرة الأولى يجلسون ويتحدثون مع أشخاص من إدلب.
وذكر قاسم شيخ علي لعنب بلدي أن الدكتور علي سمعول، ابن مصياف، التقى خلال “حديث إدلب” بصديق له من بنش، بعد نحو 13 عامًا على آخر لقاء بينهما.
كان الاثنان يعرفان بعضهما من قبل، لكن المسافة وظروف السنوات الماضية حالت دون اجتماعهما طوال تلك الفترة.
وفي إحدى جلسات “حديث إدلب”، جلست شابة من الساحل إلى جانب شابة من إدلب، قبل أن تنتهي محادثتهما بالبكاء والعناق.
لا يعرف شيخ علي ما دار في الحديث بينهما، لكنه يتذكر المشهد بوصفه واحدًا من المواقف التي ظهرت خلال ساعات اللقاء خارج الجلسة الرسمية.
علاقات تستمر بعد اللقاء
قال شيخ علي، إن أشخاصًا كانوا يعرفون بعضهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي التقوا للمرة الأولى وجهًا لوجه خلال هذه اللقاءات، وإن بعض المشاركين حافظوا بعد ذلك على التواصل وتطورت بينهم صداقات وعلاقات عمل.
وأشار إلى أن تكرار اللقاءات بين المدن ساعد على استمرار هذه العلاقات، إذ صار بعض المشاركين ينتظرون اللقاء التالي للعودة إلى أشخاص تعرفوا إليهم في محطات سابقة.
وترى زينة قنجراوي أن انتقال التعارف من لقاء عابر إلى صداقة أو عمل مشترك، يتيح بناء علاقات جديدة على أساس المعرفة المباشرة بدل الصور المسبقة.
وتابعت أن استمرار هذه العلاقات يمكن أن يفتح مساحة أوسع للتواصل بين السوريين، إذا انتقل أثر اللقاءات من المشاركين إلى دوائرهم الاجتماعية في العائلة والعمل والمجتمع.
وبحسب القائمين على اللقاءات، لا تبقى التجربة محصورة بين المشاركين، إذ يتفاعل سكان المدن المضيفة مع القادمين من المحافظات الأخرى خلال الزيارات والأنشطة.
وأكد شيخ علي أن عدد المشاركين في “أحاديث المدن” المحلية بدأ بالازدياد في عدد من المناطق، مع اتساع دائرة الأشخاص الذين تعرفوا إلى بعضهم خلال اللقاءات المشتركة.
أما الصنوفي فقال إن اللقاءات تستمر بالتنقل بين المدن والمحافظات، وكانت المحطة التالية المقررة في حلب. وبين لقاء وآخر، يبقى بعض المشاركين على تواصل، فيما يلتقون مجددًا في مدن أخرى.
