عنب بلدي ـ أمير حقوق
تواجه المبادرات الثقافية في سوريا اختبارًا يتجاوز قدرتها على تنظيم الفعاليات إلى السؤال: كيف تستمر في ظل صعوبة تأمين المساحات والموارد، وتحديات وصول الجمهور، وعلاقة لا تزال آلياتها غير واضحة مع المؤسسات الرسمية؟
خلال السنوات الأخيرة، ظهرت تجارب تحاول العمل خارج الشكل التقليدي للفعالية الثقافية، لكنها تصطدم بأسئلة عملية تبدأ من الجمهور والتمويل ولا تنتهي عند الإجراءات المطلوبة لاستخدام المساحات التابعة للمؤسسات الرسمية.
وفي ظل مشهد ثقافي يعاد تشكيله خلال المرحلة الانتقالية، لا يتعلق التحدي فقط بظهور مبادرات جديدة، وإنما بقدرتها على تحويل أفكارها وتجاربها إلى مشاريع مستمرة، وعلى بناء علاقات تعاون مع المبادرات الأخرى والمؤسسات والمجتمع.
ما المبادرة الثقافية؟
مشروع ينطلق من فكرة أو حاجة محددة، ويعمل على تقديم نشاط أو بناء مساحة أو تطوير قطاع ثقافي، بصورة مستقلة أو بالتعاون مع جهات أخرى.
وتختلف المبادرات في أهدافها وأشكال عملها ومدى استمراريتها، لكنها تلتقي في محاولة إيجاد طرق جديدة لإنتاج الثقافة والوصول إلى المجتمع.
مبادرات تتجاوز الفعالية.. لكن إلى أين؟
قد تنجح المبادرة في تنظيم فعالية، لكن نجاح الفعالية لا يعني بالضرورة قدرتها على بناء مشروع يستمر، لذلك تولّد بعض التجارب الثقافية عدة أسئلة متعلقة بضمان استمراريتها وحضورها.
الموسيقي والشريك المؤسس لمبادرة “حجرة ورقة مقص”، يامن مقداد، قال لعنب بلدي، إن نجاح المبادرات واستمراريتها يرتبط بالمكان والمجتمع الذي تعمل فيه، ومعرفتها بمن تخاطب وأين تعمل وما الحاجات التي تحاول الاستجابة لها، سواء كانت فردية أو جماعية.
نجاح المبادرات واستمراريتها يرتبطان بالمكان والمجتمع الذي تعمل فيه، ومعرفتها بمن تخاطب وأين تعمل وما الحاجات التي تحاول الاستجابة لها.
يامن مقداد
موسيقي وشريك مؤسس لمبادرة “حجرة ورقة مقص”
أما الشريك المؤسس لمؤسسة “خزان، معمل، ثقافة”، أنس يونس، فقال لعنب بلدي، إن الثقافة والفن يمكن أن يكونا جزءًا من المجال العام، وبذلك يمكن للمبادرات الثقافية أن تعمل بوصفها “حوامل ثقافية” مرتبطة بالمناطق والمجتمعات، ضمن شبكات أوسع، وهو ما يمنحها حضورها واستمراريتها.
ويرى أن الاختلاف بين المبادرات الثقافية وخاصة الناشئة يكمن في طريقة التفكير بالإدارة والاقتصاد الثقافي.
كيف تستمر؟
لا تتعلق استدامة المبادرة بقدرتها على إنتاج الأفكار أو تأمين مكان للعمل فقط، بل أيضًا بقدرة الجمهور والعاملين في القطاع على تحمل تكلفة المشاركة والاستمرار، ومع الظروف الاقتصادية، تصبح تكلفة الوصول إلى النشاط الثقافي جزءًا من المشكلة، لذلك تحاول بعض المبادرات الانتقال من إنتاج النشاط نفسه إلى بناء البيئة التي تسمح باستمراره.
يرى مقداد أن ارتفاع تكاليف الحياة يؤثر مباشرة في المشاركة الثقافية، فإذا كان الشخص يواجه صعوبة في تأمين أجور النقل أو حتى في مغادرة منزله، فقد تتحول المشاركة في الثقافة إلى امتياز، رغم أن الثقافة حاجة اجتماعية.
لذلك تحتاج المبادرات إلى بيئة تسمح للجمهور والعاملين بالوصول والمشاركة، وليس فقط إلى إنتاج فعاليات جديدة، بحسب رأيه، ويرتبط ذلك بمحاولة بناء دورة اقتصادية داخل القطاع نفسه، توفر فرصًا للعاملين، وتمنح النشاط قدرة أكبر على الاستمرار.
في تجربة “حجرة ورقة مقص”، أوضح مقداد لعنب بلدي أن العمل ينطلق من قطاع الموسيقا، عبر خلق فرص للفنانين والعاملين خلف الكواليس، من منتجين ومهندسي صوت وإضاءة وغيرهم، وربطهم بمساحات التدريب و”البروفات” والدعم التقني والعروض والإيرادات.
والهدف هو بناء قطاع موسيقي حي لا يقوم على الفنان وحده، وإنما على شبكة من الأشخاص والخدمات والمساحات.
أما يونس فربط الاستمرار أيضًا بوضوح المساحات التي يمكن للمبادرات التحرك فيها، وبوجود قنوات مؤسساتية تساعدها على معرفة كيفية التعاون وتقاسم الموارد بدل العمل ضمن مسارات منفصلة.
ولهذا تتجه أغلبية المبادرات الثقافية إلى العمل عبر دوائر وشبكات في مناطق مختلفة، بما يسمح بتبادل الخبرات والموارد والعمل الثقافي خارج المركز الواحد.
وحول أهمية استمرار المبادرات الثقافية، يعتقد أن المبادرات يمكن أن تؤدي لاحقًا أدوارًا تتجاوز النشاط الثقافي المباشر الذي يعتبر مهمًا ضمن المرحلة الحالية، بحسب رأيه، كمتمم وشريك للجهات الرسمية، وتقديم خدمات لها مثل تدريب كوادر في الإدارة الثقافية والحوكمة، وبناء نقاشات محلية، والمساهمة في صياغة رؤى تنطلق من المجتمع نفسه.
بناء البيئات المرافقة للمبادرات الثقافية لا يحتاج إلى مركز واحد، بل إلى أكثر من فكرة ومبادرات ومساحات متعددة يمكن أن تتصل فيما بينها.
أنس يونس
شريك مؤسس لمؤسسة “خزّان، معمل، ثقافة”
بين المبادرات والمؤسسات.. من يفتح الباب؟
حتى المبادرة التي تملك مشروعًا واضحًا تحتاج أحيانًا إلى مساحات وتسهيلات وشراكات مع المؤسسات الرسمية، لكن العلاقة لا تزال بالنسبة إلى هذه التجارب محكومة بأسئلة عملية تتعلق بجهة التواصل والإجراءات والمدة اللازمة للحصول على الموافقات.
وهنا أشار يونس إلى ضعف التواصل والتعاون بين تلك المشاريع الثقافية وبين المؤسسات الرسمية، خاصة وزارة الثقافة، شارحًا أن مؤسسة “خزّان” حاولت التواصل مع وزارة الثقافة عبر البريد الإلكتروني وقنوات مختلفة، لكن لم تتشكل حتى الآن آلية واضحة وثابتة للتعاون، مع استمرار العمل على فتح قنوات مع القطاع الحكومي والخاص والمستقل للوصول إلى بيئة ثقافية أكثر تكاملًا.
بينما طرح مقداد أسئلة عملية مشابهة تتعلق باستخدام المساحات التابعة للوزارة: من الجهة التي ينبغي التواصل معها؟ وما الإجراءات المطلوبة؟ وكم تستغرق الاستجابة؟ وما المعايير التي تحكم إتاحة هذه المساحات؟
وأشار إلى وجود أشخاص داخل الوزارة لديهم فهم لطبيعة المبادرات ويساعدون في بعض الحالات، لكن وضوح الإجراءات يبقى ضروريًا لتسهيل التعاون.
