طبيعة وتاريخ يؤهلانها للمنافسة عالميًا.. “مشتى الحلو” تنتظر الفرصة

  • 2026/09/20
  • 2:16 م
يعتبر معمل الحرير في مشتى الحلو بريف طرطوس المشيد عام 1860 شاهدًا على الازدهار الصناعي للمنطقة لإنتاجه أفضل خيوط الحرير في زمانه - 16 حزيران 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

يعتبر معمل الحرير في مشتى الحلو بريف طرطوس المشيد عام 1860 شاهدًا على الازدهار الصناعي للمنطقة لإنتاجه أفضل خيوط الحرير في زمانه - 16 حزيران 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – شعبان شاميه

تتجاوز بلدة مشتى الحلو اليوم تصنيفها التقليدي كمصيف جبلي، لتقدم نموذجًا لوجهة سياحية وثقافية متكاملة ترتكز على طبيعتها التضاريسية وإرثها التاريخي والديني.

وتمنح هذه المقومات البلدة فرصًا واعدة لتطوير نمط السياحة المستدامة، بما يتيح لها، وفقًا لمتخصصين، تقديم تجربة ريفية شاملة تحاكي المعايير المتبعة في وجهات عالمية شهيرة، مثل الريف السويسري أو إقليم توسكانا الإيطالي.

تشغل مشتى الحلو موقعًا استراتيجيًا فوق قمم محافظة طرطوس على ارتفاع 600 متر فوق سطح البحر، وهو ما يمنحها مناخًا معتدلًا صيفًا ويجعل منها بوابة جاذبة للزوار بطبيعتها العابرة للمواسم، فضلًا عن اعتبارها نقطة ربط حيوية بين الساحل والداخل السوري، إذ تبعد نحو 55 كيلومترًا عن مدينة طرطوس وقرابة 60 كيلومترًا عن حمص.

كما تتعدد المقومات الجمالية فيها لتشكل لوحة طبيعية متكاملة، فمن بيئتها الخضراء الممتدة وينابيعها العذبة المتدفقة كنبع “الشيخ حسن”، إلى “شجرة الدلبة” المعمرة التي تقف شاهدًا حيًا على أكثر من 500 عام من تاريخ البلدة العريق.

وفي قلب هذا التنوع، يبرز الجانب الروحي والأثري كعنصر أساسي في هويتها، إذ يرتفع “جبل السيدة” كمعلم ديني وتراثي يطل على المنطقة ويروي ذاكرتها الثقافية.

ويتوّج هذا الحضور الروحي بـ”عيد السيدة التراثي” في منتصف آب من كل عام، إذ تتحول البلدة إلى ملتقى إنساني يدمج المناسبة الدينية بالتقاليد الاجتماعية، ليرسخ مكانة “المشتى” كواحدة من أغنى نقاط الجذب السياحي البيئي والثقافي في سوريا.

الذاكرة الجماعية وهوية المكان

يرتبط تاريخ مشتى الحلو بجغرافيتها الجبلية التي احتضنت مجتمعات محلية صاغت هويتها الثقافية، قبل أن تتحول اقتصاديًا من بلدة زراعية تقليدية إلى مركز حيوي للخدمات والسياحة.

وفي هذا السياق، أكد الباحث في التاريخ الاجتماعي الثقافي والعمراني الحديث الدكتور رفعت عثمان، في حديث إلى عنب بلدي، أن هوية البلدة الحقيقية تنبع من عادات سكانها وذكرياتهم المتوارثة لا من طبيعتها وأبنيتها فقط.

ويفكك عثمان أصل التسمية مرجحًا أن “المشتى” تعود لجذور سريانية تعني “الأرض كثيرة الينابيع” لفرط مياهها، أو للفظ العربي “شَتا” نسبة للإقامة والرعي فيها شتاء، أما اقترانها بـ”الحلو” فيرجعه تاريخيًا إلى استقرار “آل الحلو” فيها.

يعتبر معمل الحرير في مشتى الحلو بريف طرطوس المشيد عام 1860 شاهدًا على الازدهار الصناعي للمنطقة لإنتاجه أرقى خيوط الحرير في زمانه – 16 حزيران 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

من “عيد الحريرة” إلى “الضوايات”

يرى عثمان أن سياحة الفعاليات والمهرجانات في البلدة تعكس حالة راسخة من الاستدامة عبر استمرار المواسم المحلية، مثل مهرجان “دلبة مشتى الحلو” ومهرجان “عيد الحريرة”.

وتكمن القيمة الحقيقية لهذه الأنشطة في إشراك المجتمع المحلي وتحويل التراث والطعام إلى منتجات سياحية تنموية مستدامة تتجاوز المظاهر الاحتفالية التقليدية.

وتعد “الحريرة” أبرز الأكلات الشعبية التقليدية في المنطقة، وتعتمد في تحضيرها بشكل أساسي على العنب والطحين والسكر.

ولا تقتصر الجاذبية السياحية للمنطقة على هذه الفعاليات الثقافية فحسب، بل تمتد لتشمل سياحة المغامرات والاستكشاف، إذ يجد عشاق المغامرة ملاذهم في “مغارة الضوايات” الشهيرة التي تتربع في أحضان الجبل.

وتُصنّف المغارة كأحد أبرز المعالم الجيولوجية والسياحية المرتبطة بمشتى الحلو، إذ تُعزز سياحة المغاور والكهوف بما تضمّه من تشكيلات ساحرة من الصواعد والنوازل والفتحات الطبيعية الفريدة، مما جعلها تتصدر قائمة الوجهات المفضلة والمسجلة في أبرز منصات السياحة المعروفة.

كما تجمع البلدة بين سحر الطبيعة وعراقة التراث الثقافي، إذ تنفرد بهوية معمارية عريقة وحرف يدوية تقليدية كصناعة الحرير والقصب.

وتكتمل خصوصية “المشتى” بمأكولاتها الشعبية، ومواقعها الدينية الأثرية التي تجسد العيش المشترك، فضلًا عن موروثها الفني والموسيقي الذي يزيّن فعالياتها وأنشطتها السنوية.

يعتبر معمل الحرير في مشتى الحلو بريف طرطوس المشيد عام 1860 شاهدًا على الازدهار الصناعي للمنطقة لإنتاجه أرقى خيوط الحرير في زمانه – 16 حزيران 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

عقبات هيكلية واستنزاف اجتماعي

رغم المقومات السياحية والطبيعية الهائلة لبلدة مشتى الحلو، فإنها تواجه تحديات هيكلية تعوق تطورها.

وحدد الدكتور عثمان أبرز العقبات في موسمية النشاط السياحي، إذ يتركز الإقبال في فترات محددة مقابل ركود شتوي تام، مما يعرض الاقتصاد المحلي لتراجع حاد.

كما تعاني المنطقة استنزافًا اجتماعيًا متمثلًا في هجرة الشباب وتراجع الطاقات الحيوية، وتبرز عقبات حرجة في البنية التحتية والخدمات الأساسية كالطرق والمياه والطاقة، تشتد في ذروة الازدحام.

وحذر الباحث من خطر التوسع العمراني العشوائي وتلوث البيئة نتيجة غياب الإدارة السياحية والبيئية الفعالة.

تتميز بلدة مشتى الحلو في ريف طرطوس بمناخ معتدل وطبيعة غنية بالينابيع والأشجار ما يجعلها وجهة مثالية للسياحة الجبلية والاستجمام – 14 تشرين الثاني 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

رؤية للعبور بـ”المشتى” نحو الفصول الأربعة

في سياق البحث عن حلول ومقترحات جذرية للارتقاء بالواقع السياحي المحلي، قدم الدكتور عثمان رؤية استراتيجية تهدف إلى تحويل “مشتى الحلو” لنموذج مثالي للقرية السياحية المستدامة والمتكاملة.

ولكي يتحقق هذا التحول النوعي، أكد ضرورة الانتقال من مفهوم “السياحة الموسمية التقليدية” إلى “السياحة المستدامة الذكية” ضمن منظومة موحدة ومخططة تعمل على مدار العام، وتعتمد على خطة عمل تنموية شاملة تبدأ بتطوير بنية تحتية ذكية وخضراء.

وفي هذا الصدد، تشمل مقترحات الباحث حلولًا بيئية لحماية النظام الحيوي في البلدة، إذ يطالب كمرحلة أولى بإدخال قطاع النقل المستدام عبر تشغيل حافلات كهربائية صغيرة تتلاءم مع الشوارع الضيقة للمشتى، بما يحد من الازدحام والتلوث.

وتتكامل هذه الخطوة بتصميم مسارات بيئية للمشي وركوب الدراجات تربط “مغارة الضوايات” بالينابيع وجبل “السيدة”، مدعومة بلوحات إرشادية وتطبيقات ذكية.

كما تشمل الرؤية الاعتماد الكامل على الطاقة الشمسية لإضاءة الشوارع والمعالم والشجرة المعمرة، بما يضمن استدامة الطاقة ويمنح البلدة طابعًا ريفيًا دافئًا.

وفي إطار الإدارة البيئية الشاملة، يوصي بأهمية تطبيق نظام لفرز النفايات من المصدر (خاصة في الفنادق والمطاعم) بالتوازي مع إنشاء محطة محلية لإعادة التدوير وتحويل المواد العضوية إلى أسمدة تدعم المزارعين، فضلًا عن فرض رقابة صارمة لحماية المنظومة المائية من أي تلوث ناتج عن الصرف الصحي أو الأنشطة البشرية.

وفي مسعى لكسر نمطية الموسمية وتحويل “مشتى الحلو” إلى وجهة جاذبة على مدار الفصول، يطرح عثمان أجندة سياحية تتوزع على مدار العام، إذ يقترح تنشيط سياحة عطلات الشتاء عبر تشييد الأكواخ الخشبية والمطاعم الريفية وتنظيم مسارات المشي الشتوي.

ومع حلول الخريف، يدعو إلى إطلاق فعاليات نوعية كمهرجانات قطاف التفاح وعصر العنب، ليتبعها في الربيع استثمار الطبيعة من خلال إقامة مهرجانات الزهور البرية وتنشيط رياضة المشي الجبلي، مما يضمن تدفقًا مستدامًا للزوار وخلق فرص عمل دائمة.

تعد مغارة الضوايات في مشتى الحلو بريف طرطوس من أبرز مغارات سوريا الطبيعية وتشتهر بفتحات سقفها التي تعبرها أشعة الشمس لتمنحها سحرًا فريدًا – 10 أيار 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

مقالات متعلقة

  1. خارج السيطرة.. "إطفاء اللاذقية" يدعو الأهالي للمشاركة بإخماد الحرائق
  2. الإيرادات السياحية
  3. موالون: خطة وضعها "النمر" لعملية عسكرية جديدة في حلب (صور)
  4. هطولات غزيرة شهدتها سوريا.. أعلاها في حماة

مجتمع

المزيد من مجتمع