خطيب بدلة
نقل الدكتور علاء الأسواني، عن الدكتور مصطفى حجازي، ما معناه أن المثقفين، في بلادنا، يحاربون الأنظمة المستبدة، ولا يحاربون الاستبداد بكل أشكاله! هذا الكلام ينطبق، بحذافيره، على الوضع السوري، فالمثقفون السوريون لم يكتفوا، في أثناء محاربتهم نظام الأسد، بالكتابة، وإصدار بيانات الاحتجاج، بل إن قسمًا كبيرًا منهم، انتسبوا إلى أحزاب سرية، معادية لنظام الأسد، فاعتقلوا، وسجنوا، وعذبوا، ولم يلينوا، ولم يتراجعوا، وبعد سقوط نظام الأسد، بدا وكأنهم كانوا يحاربونه لذاته، وليس لأنه مستبد، ديكتاتوري، مجرم… حتى إن بعض الناشطين، استنتجوا أن هؤلاء ثاروا على بشار الأسد، لأسباب طائفية، أي لأنه علوي، بدليل أنهم يتغافلون عن استبداد النظام الحالي، لكونه ابن طائفتهم.
هذا الكلام، في الحقيقة، خطير، كما أنه ليس دقيقًا بما يكفي لتقييم الواقع، فأعضاء تلك الأحزاب، التي تصدت لنظام الأسد، ينتمون، في الواقع، إلى طوائف متعددة، بدليل حكاية سمعتها من صديق، كان عضوًا في حزب العمل الشيوعي، اعتقلوه، ذات يوم، وساقوه، مع عدد من أفراد حزبه، إلى سجن تدمر، وفي أثناء تسجيل أسماء الموقوفين، في أول يوم، لاحظ العسكري الجالس وراء الطاولة، أن أحد المعتقلين من الرقة، والثاني من السلمية، والثالث من القامشلي، والرابع من القرداحة، والخامس من وادي النصارى، والسادس من شطحة، فقال لهم، باستهزاء: شو هالحزب هاد؟ من كل قُطر أغنية؟
فكرت، وأنا أخوكم، في الأمر طويلًا، وتوصلت إلى قناعة، قد تكون صحيحة، وهي أن العداء للديكتاتورية، أو للنظام الديكتاتوري، ليس متأصلًا في المجتمع السوري، فإذا أنت نظرت إلى التيارات الرئيسية، التي يتألف منها هذا الشعب، تجد النزعات الديكتاتورية مستقرة في تفكيرها. بمعنى آخر: هذا مجتمع، تتضافر فيه النزعات القبلية، مع التعاليم الدينية التي تجيز ضرب المرأة، والطفل، وتعتبر أتباع الأديان الأخرى أعداء، مع الأيديولوجيا القومية، التي لم تعرف الديمقراطية قط، مع الأيديولوجيا الماركسية، الشيوعية، التي ترتكز إلى قانون صريح، يتضمن كلمة “الديكتاتورية” صراحة، أقصد “ديكتاتورية البروليتاريا”.
أدى تشكل الدول الشيوعية، أعني الاتحاد السوفييتي، ودول أوروبا الشرقية، إلى إزهاق أرواح الملايين من البشر، تحت ذريعة تثبيت دعائم الأنظمة الاشتراكية، حتى إن طرفة تروى، عن رئيس حزب شيوعي سوري، كان يقرأ في صحيفة “أنباء موسكو”، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، فصادفه خبر يقول إن الرفيق ستالين، قتل، في أثناء فترة حكمه، 20 مليونًا من المواطنين، فغضب الرفيق السوري، وضرب الجريدة بالأرض، وقال: هاي جريدة كذابة، ومضللة، الرفيق ستالين ما قتل غير ستة ملايين!
معظم التيارات السياسية الرئيسية، الموجودة في سوريا، لا تتبنى التوجهات الحداثوية، الليبرالية، الغربية، فهي تتحدث عن التضحية، والفداء، والمقاومة، والممانعة، ولا تهتم بالفرد، بل إنها تعتبر الفرد نقطة في بحر الجماهير، لا قيمة له بحد ذاته، لأن الأولوية للأمة، وللقضية. وهنا، عند هذه النقطة، يظهر لك بؤس التفكير العام، في هذه البلاد، وهو أن لديهم قضية واحدة، قضية فلسطين، ثم العداء الأزلي لإسرائيل. قضايا التخلف، والاستبداد، والفساد، والذكورية، والقبلية، وانهيار مؤسسات الدولة، لا يعتبرونها قضايا تستحق التأمل. فتأمل!
