تستعد الجهات المعنية في محافظة الحسكة لموسم الشتاء بإجراءات استباقية للحد من مخاطر الفيضانات والسيول، بعد أن تسببت فيضانات نهر الخابور خلال الشتاء الماضي بأضرار طالت مئات المنازل وأجبرت مئات العائلات على مغادرة مناطق سكنها، خصوصًا في المناطق القريبة من مجرى النهر.
وأطلقت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث خطة استجابة استباقية تستهدف المناطق الأكثر عرضة للفيضانات والسيول في المحافظة، بالاستناد إلى تقييم المخاطر والدروس المستفادة من حوادث العام الماضي، مع التركيز على المناطق الواقعة على ضفاف نهر الخابور ومجاري الأودية.
وتشمل الخطة أعمالًا ميدانية لتعزيل مجاري الأنهار وإزالة الترسبات والعوائق التي تحد من انسياب المياه، إلى جانب تنظيف العبارات المائية وإنشاء ورفع السواتر الترابية في النقاط التي تصنف على أنها أكثر عرضة للغمر.
وضمن هذه الخطة، بدأت مديرية الموارد المائية في الحسكة، بالتعاون مع لواء الحسكة في وزارة الدفاع السورية، أعمال تعزيل وتنظيف مجرى نهر الخابور داخل مدينة الحسكة، في مسافة تمتد من جسر البيروتي وصولًا إلى سكة القطار في حي النشوة، بطول يقدّر بنحو كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات.
الخطة تبدأ من المناطق الأكثر عرضة للخطر
قالت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث إن خطتها تهدف إلى تعزيز الجاهزية المبكرة ورفع مستوى الوقاية، بما يحد من الأضرار المحتملة التي قد تصيب السكان والممتلكات والبنى التحتية خلال موسم الأمطار.
وبدأت المرحلة الأولى من الخطة في منطقة تل حميس، وشملت وادي المخبن الممتد عبر الناحية وعددًا من القرى الواقعة جنوبها، كما بدأت الأعمال في منطقة اليعربية مرورًا بقريتي السيحة والبوثة.
وتستند هذه الأعمال، بحسب الوزارة، إلى تحديد نقاط الخطر الأكثر تأثيرًا، بهدف معالجة العوامل التي يمكن أن تزيد من احتمالات تجمع المياه أو خروجها عن مساراتها الطبيعية خلال فترات الهطولات الغزيرة.
ولا تقتصر الإجراءات على تنظيف مجاري المياه، إذ تتضمن أيضًا تنفيذ سواتر ترابية في نقاط الضعف، وتنظيف العبارات المائية، ورفع قدرة المجاري على تصريف كميات أكبر من المياه.
تعزيل الخابور داخل مدينة الحسكة
في مدينة الحسكة، تتواصل أعمال تعزيل مجرى نهر الخابور، وهي أعمال بدأت قبل أيام استعدادًا لفصل الشتاء والحد من احتمالات انسداد المجرى وارتفاع منسوب المياه.
وقال مدير الموارد المائية في الحسكة، المهندس يحيى عثمان، لعنب بلدي، إن المديرية بدأت، بالتعاون مع لواء الحسكة في وزارة الدفاع السورية، تعزيل مجرى الخابور داخل المدينة، ابتداء من جسر البيروتي الذي يصل وسط المدينة بحي غويران، وصولًا إلى سكة القطار في حي النشوة.
وأوضح عثمان أن المسافة التي تشملها الأعمال داخل المدينة تبلغ نحو كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات، مشيرًا إلى أن لواء الحسكة زود المديرية بعدد من الآليات الهندسية لتنفيذ عمليات التعزيل.
وبحسب عثمان، تتمثل الغاية الأساسية من العمل في الحد من احتمالات حدوث فيضانات داخل المناطق المأهولة بالسكان خلال الشتاء المقبل، مع التركيز على النقاط التي تحتاج إلى تدخل فعلي وفق طبيعة المجرى والمناطق المحيطة به.
وأشار إلى أن منطقة جسر البيروتي تحظى باهتمام خاص، إذ يجري العمل على توسيع المجرى وإزالة العوائق التي تعترض حركة المياه، إلى جانب تعميق أجزاء منه بهدف الحد من طوفان المنطقة خلال موسم الأمطار.
وتستمر الأعمال داخل المدينة، وفق مدير الموارد المائية، بين 15 و20 يومًا، على أن يجري تنفيذ التعزيل بحسب المناطق المأهولة بالسكان والأكثر حاجة إلى هذه الأعمال.
فيضانات الشتاء الماضي تفرض الاستعداد المبكر
وتكتسب الإجراءات الجديدة أهميتها من حجم الأضرار التي شهدتها الحسكة خلال الشتاء الماضي، عندما ارتفع منسوب نهر الخابور وتجاوزت المياه مجراه في أكثر من منطقة، لتصل إلى منازل وأحياء سكنية محاذية للنهر.
وخلال آذار 2026، شهدت مدينة الحسكة موجتي فيضانات متتاليتين، تسببتا بغمر منازل في أحياء قريبة من الخابور، وأجبرتا عائلات على مغادرة منازلها أكثر من مرة خلال فترة قصيرة.
وطالت الأضرار حينها أحياء المريديان، والنشوة الشرقية، والليلية، وغويران، والعزيزية، مع وصول المياه إلى مناطق سكنية مجاورة لمجرى النهر.
وأدت الموجة الثانية إلى تجدد عمليات النزوح بعد أن كان بعض الأهالي قد عادوا إلى منازلهم إثر تراجع المياه خلال الموجة الأولى.
وقال سكان في ذلك الوقت إن المياه دخلت إلى المنازل بصورة مفاجئة، ما أدى إلى إتلاف الأثاث والأجهزة الكهربائية وممتلكات أخرى، بينما اضطرت عائلات إلى اللجوء إلى مراكز إيواء مؤقتة أو منازل أقاربها.
وأشارت تقديرات أولية خلال تلك الفترة إلى تضرر نحو 400 منزل في مدينة الحسكة وريفها، فيما نزحت قرابة 500 عائلة إلى مناطق أكثر أمانًا، بينما شهدت بلدة تل حميس أضرارًا واسعة نتيجة الأمطار الغزيرة والسيول.
غويران والنشوة.. ذاكرة الفيضان حاضرة
بالنسبة إلى سكان الأحياء المحاذية للخابور، لا ترتبط أعمال التعزيل الحالية بالاستعداد لموسم شتوي جديد فقط، بل بما تركته فيضانات الشتاء الماضي من مخاوف بشأن تكرار المشهد.
وقال عبد الرحمن الحسن، أحد سكان حي غويران، في حديث لعنب بلدي، إن تنظيف مجرى الخابور قبل موسم الأمطار “خطوة مهمة لأنها تعني محاولة معالجة المشكلة قبل وصول المياه إلى المنازل”.
وأضاف أن سكان الحي “عاشوا خلال الشتاء الماضي حالة من الخوف مع ارتفاع منسوب النهر واقتراب المياه من المنازل”، مشيرًا إلى أن الأهالي لا يريدون انتظار ارتفاع المنسوب حتى تبدأ عمليات التدخل.
ويرى الحسن أن إزالة الترسبات والعوائق وتوسيع المجرى في النقاط التي تحتاج إلى ذلك يمكن أن تساعد في استيعاب كميات أكبر من المياه، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أهمية استمرار مراقبة النهر خلال فترة الأمطار وعدم الاكتفاء بعملية التعزيل وحدها.
وقال إن “الناس هنا يريدون أن يشعروا بأن هناك استعدادًا حقيقيًا قبل الشتاء، لأن تجربة العام الماضي كانت صعبة، وبعض العائلات اضطرت إلى مغادرة منازلها بسبب المياه”.
وفي حي النشوة، الذي يصل إليه نطاق الأعمال الحالية على مجرى الخابور، قال حميد الصالح، في حديث لعنب بلدي، إن الاستعداد المبكر “أفضل من انتظار الفيضان ثم البحث عن حلول سريعة”.
وأوضح أن سكان الحي “يعرفون حجم الخطر عندما يرتفع منسوب الخابور”، مشيرًا إلى أن المياه خلال الشتاء الماضي غمرت أجزاء من المناطق القريبة من النهر ووصلت إلى مساكن محيطة بالمجرى.
وأضاف الصالح أن أعمال التعزيل “تعطي الأهالي قدرًا من الاطمئنان قبل موسم المطر”، لكنه يرى أن الأهم هو أن تستمر عمليات تنظيف المجرى والعبارات ومراقبة النقاط المنخفضة طوال الشتاء.
وتابع أن تجربة الشتاء الماضي أظهرت أن ارتفاع منسوب المياه يمكن أن يتحول خلال وقت قصير إلى خطر مباشر على المنازل، ولذلك فإن إزالة العوائق من المجرى قبل بدء الأمطار الغزيرة “يمكن أن تقلل من حجم المشكلة وتمنح السكان وقتًا أطول للتعامل معها إذا ارتفع المنسوب”.
الوقاية قبل الشتاء
تضع الإجراءات الجديدة الجهات المعنية أمام اختبار يرتبط بقدرتها على تنفيذ الأعمال في الوقت المناسب، وضمان استمرار جاهزية مجاري المياه خلال موسم الأمطار.
ويشكل تعزيل الجزء الممتد داخل مدينة الحسكة من جسر البيروتي إلى سكة القطار في النشوة أحد الإجراءات المباشرة المرتبطة بالمناطق التي شهدت فيضانات خلال الشتاء الماضي، بينما تمتد خطة الطوارئ إلى مواقع أخرى في ريف المحافظة.
ومع اقتراب موسم الشتاء، يترقب سكان الأحياء المحاذية للخابور في المدينة، وأبناء القرى المتضررون العام الماضي، نتائج هذه الأعمال، في ظل تجربة قاسية عاشوها خلال الأشهر الماضية.
