أصدرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” تقريرًا قيّمت من خلاله مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة خلال الجلستين الأولى والثانية من محاكمة أحمد بدر الدين حسون، أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، المنعقدتين في 25 من حزيران و16 من تموز الماضيين.
وخلص التقرير الصادر اليوم، الثلاثاء 22 من أيلول، إلى أن المحكمة أتاحت عددًا من الضمانات الأساسية، من بينها حضور المتهم برفقة محاميه، وإبلاغه علنًا بمضمون التهم الرئيسة، وتمكين الدفاع من تقديم شهوده، إلى جانب مسائل إجرائية لم تتح المعلومات المتوفرة للشبكة من حسمها.
بالمقابل، حدد التقرير عددًا من المسائل التي تستدعي مزيدًا من التدقيق، أبرزها مدى إتاحة الوقت والتسهيلات الكافية للدفاع للاطلاع على المواد الصوتية والمرئية بصيغتها الكاملة، في ضوء اعتراض المتهم على تقديم المقاطع على هيئة مقتطفات.
وأضاف مسألة أخرى تعلقت بنطاق حجب هوية أحد شهود الادعاء، والضمانات المصاحبة لهذا الإجراء، والقدرة الفعلية للدفاع على اختبار أقوال ذلك الشاهد ومصداقيته.
وأشار التقرير إلى أن مجرد اللجوء إلى تدبير لحماية شاهد لا يمكن اعتباره انتهاكًا في حد ذاته، كما لا يمكن اعتباره متوافقًا بصورة كاملة مع حقوق الدفاع من دون معرفة الضمانات المصاحبة له.
وأكدت “الشبكة” أن هذا التقييم لا يمتد إلى المسؤولية الجنائية للمتهم، ولا إلى صحة الوقائع المنسوبة إليه، ولا إلى القيمة الإثباتية النهائية للأدلة المقدمة.
كما سجل التقرير أن رئيس المحكمة، فخر الدين العريان، وصف عصام زهر الدين (ضابط متهم بارتكاب انتهاكات في عهد الأسد) بأنه “مجرم” في أثناء مناقشة شهادة أحد شهود الدفاع في محاكمة حسون.
وأوضحت “الشبكة السورية” أن استخدام هذا النوع من الأوصاف القطعية يستحق الانتباه من زاوية مظهر الحياد، نظرًا إلى أن علاقة المتهم بالشخص المعني تشكل جزءًا من الوقائع التي يستند إليها الادعاء، منوهة إلى أنها لم تخلص من هذا التعبير إلى وجود تحيز من جانب المحكمة.
ولفت التقرير إلى أن التغطية الإعلامية التي تمكن فريق “الشبكة السورية” من رصدها داخل الجلسة الأولى، اقتصرت على وسائل الإعلام الرسمية والجهات الإعلامية التابعة لوزارة العدل، من دون أن يخلص إلى أن وسائل الإعلام المستقلة مُنعت من الحضور.
المعايير التي استند إليها التقرير
قالت “الشبكة السورية”، إن التقييم المعياري الوارد في التقرير استند بصورة رئيسة إلى المادة “14” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه سوريا في 21 من نيسان 1969.
كما اعتمد على تفسير اللجنة المعنية بحقوق الإنسان للضمانات التي تتضمنها هذه المادة، بما في ذلك قرينة البراءة بموجب المادة “14” (2)، والإبلاغ بطبيعة التهمة وسببها، وتوفير الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع، والاستعانة بمحامٍ، ومناقشة شهود الاتهام، واستدعاء شهود الدفاع في إطار تكافؤ الوسائل بين الدفاع والادعاء.
وأوضح التقرير أن سوريا لا تظهر ضمن الدول الأطراف في اتفاقية عام 1968 بشأن عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، مبينًا أن المادة “49” (2) من الإعلان الدستوري لعام 2025 تتناول عدم رجعية القوانين، وهي مسألة تختلف عن التقادم وعن العفو.
وفيما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني، يذكر التقرير أن الإشارة العامة إلى اتفاقيات جنيف لا تكفي لتحديد القاعدة واجبة التطبيق، وأن المادة الثالثة المشتركة والقانون الدولي الإنساني العرفي يشكلان جزءًا أساسيًا من الإطار القانوني المنطبق في النزاعات المسلحة غير الدولية، وأن انتهاك القانون الدولي الإنساني لا يتحول تلقائيًا إلى جريمة حرب ما لم تتوافر الأركان الجنائية اللازمة.
مطالب وتوصيات
دعت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” محكمة الجنايات الرابعة في دمشق والجهات القضائية المختصة إلى ضمان استمرار احترام قرينة البراءة، والحفاظ على لغة قضائية محايدة عند الإشارة إلى المتهم وإلى الأشخاص الآخرين المرتبطين بوقائع القضية، وتمكين الدفاع من فحص المواد التي تستند إليها التهمة، بما في ذلك النسخ الكاملة من التسجيلات الصوتية والمرئية ذات الصلة.
وأوصت بإصدار قرار معلل يبين ضرورة التدبير ونطاقه ومدته والضمانات الموازنة الممنوحة للدفاع، عند اتخاذ تدابير لحماية شاهد، مشيرة إلى أهمية بيان الأساس القانوني بدقة عند الاستناد إلى تكييفات مستمدة من القانون الجنائي الدولي، والتمييز بين عدم الرجعية والتقادم والعفو.
وطالبت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” النيابة العامة بتركيز مرافعاتها على الوقائع وأركان الجرائم والأدلة، وإثبات الصلة بين كل مادة صوتية أو مرئية والعنصر القانوني المراد إثباته، وتحمل عبء إثبات كل ركن من أركان الجرائم، من دون نقل عبء إثبات البراءة إلى الدفاع.
كما دعت “الشبكة” وزارة العدل والجهات المختصة بتنظيم العمل القضائي، إلى وضع إطار قانوني واضح لحماية الشهود والتعامل مع الأدلة الرقمية والصوتية والمرئية، واعتماد آلية موضوعية وغير تمييزية لتنظيم حضور وسائل الإعلام والمراقبين المستقلين للجلسات العلنية ذات الاهتمام العام.
وأكدت “الشبكة السورية” ضرورة تمييز وسائل الإعلام بين الاتهام والإدانة، واحترام قرينة البراءة إلى حين صدور حكم قضائي، وتجنب نشر معلومات قد تكشف هوية شاهد خاضع للحماية.
الحكم على حسون بالمؤبد
حكمت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق على المفتي العام للجمهورية السابق، أحمد بدر الدين حسون، بالسجن المؤبد، بتهم تتعلق بالتحريض على القتل واستغلال منصبه.
كما تلقى حسون أحكامًا بالسجن المؤقت خلال جلسة النطق بالحكم، في 24 من آب الماضي، ما بين 20 عامًا وستة أشهر، إلا أن القاضي قرر دمج العقوبات وتنفيذ الحكم الأشد، وهو السجن المؤبد مدى الحياة.
واعتبرت المحكمة أن حسون أسهم، عبر أفعال قولية وعلنية، بتشجيع جرائم ضد الحرب وجرائم ضد الإنسانية مرتكبة في سياق نزاع مسلح واسع النطاق ومنهجي.
وقررت المحكمة عدم منح المتهم الأسباب المخففة التقديرية، نظرًا إلى “جسامة” الأفعال الثابتة بحقه، وفق المحكمة.
وأكدت حرمان حسون من أي عفو عام أو خاص، أو إطلاق السراح المشروط، أو وقف تنفيذ العقوبة، أو وقف الحكم النافذ، بحسب القاضي.
وألزمت المحكمة حسون بتعويض المدعين الشخصيين الذين قبلت دعواهم، والاحتفاظ بحقوق المتضررين الذين لم يدعوا، مشيرًا إلى مراجعة ذوي الضحايا أمام المرجع القضائي المختص.
وقررت تثبيت الحجز الاحتياطي على أموال حسون المنقولة وغير المنقولة، وقلبه إلى حجز تنفيذي، ومصادرتها لمصلحة الخزينة العامة.
