عنب بلدي – ركان الخضر
بعد مرور عام كامل على مشاركته الأولى، عاد الرئيس السوري، أحمد الشرع، في 23 من أيلول الحالي، لإلقاء كلمة للمرة الثانية في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، مركزًا على جوانب التعافي السوري خلال عام مضى، بالإضافة إلى الانفتاح العالمي على العلاقات مع دمشق.
وقال الشرع إن نحو 100 دولة فتحت مسارات التواصل معنا عبر ما يقارب 4000 تفاعل ولقاء واتصال، وأصبحت دمشق مقرًا لنحو 60 بعثة دبلوماسية وبدأت الوفود تأتي إلى سوريا لتستعيد مكانتها بين الأمم والدول.
وأضاف الشرع أن سوريا بدأت رحلة التعافي، مركزًا على ما أُنجز في ملف السلاح الكيماوي والبرنامج النووي، ومشيدًا بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأما على صعيد الحرب ضد شبكات المخدرات، فلفت الرئيس السوري إلى ضبط نحو 700 مليون حبة “كبتاجون”، وتفكيك 90 شبكة دولية، ومكافحة الاتجار بالبشر والجريمة.
وتطرق إلى ملف رفع العقوبات الأوروبية والأمريكية، منوهًا إلى أن جميع الخطوات السابقة أثمرت تعافيًا سوريًا، أسهم في عودة ثلاثة ملايين ونصف المليون نازح ولاجئ.
خطاب الشرع.. ما الجديد؟
يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان، أن مشاركة سوريا في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا العام لا تقل أهمية عن المشاركة في اجتماع العام الماضي، مشيرًا إلى أن المشاركة السابقة ركزت على بداية عملية الانتقال السياسي وإعادة التموضع بشكل كامل إلى مكان مختلف كليًا على المستوى الإقليمي والدولي عما كانت عليه لعقود سابقة، الأمر الذي أنتج حالة ترحيب وتفاعل كبيرين جدًا مع عودة سوريا إلى واقعها الإقليمي والدولي المنفتح والمتعاون والمرن مع القوى الإقليمية والعالمية.
وأضاف علوان أن المشاركة الحالية جاءت لتأكيد التموضع الجديد ضمن الواقع الحساس جدًا الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، والمتزامنة مع أزمة الطاقة العالمية عبر استمرار إغلاق مضيق “هرمز” والمعارك الجانبية التي تهدد أمن واستقرار المنطقة في لبنان واليمن.
من جانبه، يرى الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن خطاب الرئيس السوري جمع كل المخاوف التي تهتم بها الدول العالمية في سوريا، من خلال تطرقه لمواضيع الكيماوي والبرنامج النووي والمخدرات، بالإضافة إلى الحديث عن التعافي الذي يؤدي إلى عودة اللاجئين.
وأوضح جلو أن الشرع أعطى تطمينات لكل الدول تجاه سوريا الجديدة، مشيرًا إلى أن أهمية الخطاب تكمن في استناده إلى خطوات عملية، من خلال إشادة وكالة الطاقة الذرية بتعاون سوريا والسماح لها بالدخول إلى المنشآت النووية التي كانت موجودة في زمن حكم نظام الأسد، بالإضافة إلى خروج إيران وميليشياتها من سوريا، ووضع حد للأنشطة غير الحكومية سواء من بعض الفصائل الفلسطينية أو غيرها الموجودة في سوريا.
موقف استراتيجي يستند إلى الشرعية الدولية
لم يقف الرئيس السوري، أحمد الشرع، عند حديثه عن التعافي والانفتاح العالمي، بل تطرق أيضًا إلى الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الجنوب السوري، مؤكدًا تمسك دمشق بأحقيتها في الجولان.
وحذر من أن التصرفات الإسرائيلية تهدد استقرار سوريا وتخالف توجه العالم بأسره، مجددًا تمسك الحكومة السورية باتفاق فصل القوات الموقع في 1974.
الباحث عمار جلو يرى أن تجديد الشرع التأكيد على الموقف السوري المتمسك بخيار الحلول الدبلوماسية أعطى إيحاء واضحًا بأن التوجه السوري الجديد يمثل خطًا استراتيجيًا وليس تصريحات عابرة أو خطوات تكتيكية، بالتزامن مع عدم التنازل عن الحق السوري وعدم تجاهل توثيق الانتهاكات الإسرائيلية.
واستبعد جلو أن تكون للخطابات ترجمة عملية في خطوات على الأرض لإيقاف الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري، في ظل حكومة إسرائيلية تمثل تيارًا متشددًا، مرجعًا السبب في ذلك إلى طموحات للهيمنة على الإقليم، بما يشمل اقتطاع أراضٍ أو حتى امتداد نفوذ في جنوبي سوريا ولبنان والضفة الغربية أو غزة.
ورجح جلو أن تكون أي حكومة إسرائيلية قادمة أكثر تفهمًا لتطوير العلاقة مع دمشق، لأن استقرار سوريا يمثل مصلحة أمنية إسرائيلية، وهو ما يتفهمه كثير من السياسيين والنخب الفكرية في إسرائيل، انطلاقًا من أن سوريا قوية ومستقرة ستمنع وجود أي كيانات خارج إطار الدولة على الحدود بين سوريا والجولان المحتل.
من جهته، أشار الباحث وائل علوان إلى أن رسائل الشرع ارتبطت بحساسية التوقيت الذي تُعقد فيه هذه الاجتماعات، لذلك ركّز على ما تسببه إسرائيل بصلفها وفرط القوة الذي تستخدمه على مستوى المنطقة والتعطيل لمبادرات الاستقرار، مقابل ثبات الموقف السوري على مبادئ الانفتاح على الأمن والسلام دون التنازل عن الثوابت الوطنية أو الانقياد إلى ابتزازات الآخرين.
واستند الشرع في كلمته عن الانتهاكات الإسرائيلية إلى شرعية دولية تتمتع بها سوريا، بحسب علوان، منوهًا إلى أن هذه الشرعية أتاحت له أن يعلن هذه المبادئ المدعومة أمميًا بشكلها الصريح والواضح والقوي، مع نجاح دمشق في بناء مرونة دبلوماسية عالية جدًا على المستوى العالمي، باتت تركز على حالة من البعد الاستراتيجي، عبر رسم خطوط وطنية حمراء لا يمكن تجاوزها.
وأضاف علوان أن فرط القوة الذي تتمتع به إسرائيل يمنحها تفوقًا بشكل أو بآخر سواء على طاولة المفاوضات أو في الميدان، لكن في المقابل يمثل استفزازًا كبيرًا على المستوى الإقليمي والدولي، وهو ما تُرجم من خلال التفاعل الإيجابي مع ما تطرحه سوريا، مقابل خروج الكثير من الزعماء والقادة عندما ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، كلمته في الأمم المتحدة.
وأوضح علوان أن أهمية الموقف السوري من الانتهاكات الإسرائيلية تنبع من عدم انفراد دمشق في اتهام إسرائيل بعرقلة كل جهود الأمن والاستقرار على المستوى الإقليمي والدولي، معتقدًا أن ملف “كف العبث الإسرائيلي” يتصدر الأولويات السورية.
