ماذا وراء انفجارات مستودعات الأسلحة في سوريا؟

  • 2026/09/27
  • 10:18 ص
دخان يتصاعد من مستودع أسلحة عقب انفجار وقع في قرية العيس بريف حلب الجنوبي - 21 أيلول 2026 (رويترز)

دخان يتصاعد من مستودع أسلحة عقب انفجار وقع في قرية العيس بريف حلب الجنوبي - 21 أيلول 2026 (رويترز)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – يزن قر

تكررت خلال شهر أيلول الحالي حوادث انفجار مستودعات ومواقع تخزين الأسلحة والذخائر في مناطق سورية مختلفة، مخلّفة قتلى وجرحى، ومثيرة تساؤلات حول أسبابها وطبيعة التعامل مع كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي بقيت من سنوات الحرب أو جرى الاستحواذ عليها خلال العمليات العسكرية.

بدأت الحوادث، في 1 من أيلول، عندما انفجرت سيارة محمّلة بالذخائر في أثناء نقلها عند المدخل الغربي لمدينة بنش في ريف إدلب، قبل أن يُسجّل في 9 من الشهر نفسه حادث آخر داخل مستودع مؤقت للأسلحة والذخائر قرب سرمدا شمالي إدلب.

وفي 12 من أيلول، وقع انفجار داخل مستودع للذخائر في الضمير بريف دمشق، قالت السلطات إن الذخائر الموجودة فيه متضررة ومعدّة للتفكيك.

وفي 18 من أيلول، وقع حادث مماثل داخل مستودع للذخائر في ثكنة عسكرية تابعة لإدارة التسليح في وزارة الدفاع قرب عياش غربي دير الزور، أعقبته انفجارات متتالية، بينما شهد محيط العيس بريف حلب الجنوبي، في 21 من أيلول، سلسلة انفجارات داخل مستودع للذخائر.

وتوزعت هذه الحوادث بين إدلب وريف دمشق ودير الزور وحلب، واختلفت ظروفها، إذ ارتبط بعضها بذخائر متضررة أو مستودعات مؤقتة لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب، بينما بقيت أسباب أخرى قيد التحقيق.

ومع تقارب توقيتها، أعادت هذه الوقائع إلى الواجهة أسئلة إدارة الأسلحة والذخائر، وتصنيف حالتها الفنية، وآليات نقلها وتخزينها والتخلص من التالف منها.

ذخائر موروثة وحالة فنية غير معروفة

يربط الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو، بين تكرار هذه الحوادث والمشكلة الفنية واللوجستية المرتبطة بكميات كبيرة من الذخائر التي جرى الاستحواذ عليها خلال عمليات السيطرة والتحرير.

وقال قباقيبو، في حديث إلى عنب بلدي، إن التقارب الزمني بين حوادث انفجار مستودعات الأسلحة يشكّل مؤشرًا على احتمال وجود أعمال تخريب، لكنه لا يكفي وحده لإثبات هذه الفرضية.

وأضاف أن فرضية التخريب تبقى قائمة، لكن هناك معطيات تتعلق بالحالة الفنية لكميات كبيرة من الذخائر التي كانت مخزنة سابقًا في ظروف فنية ولوجستية غير معروفة للجهات التي استحوذت عليها.

وتخضع الذخائر، بحسب قباقيبو، لتصنيف فني يحدد حالتها، في حين يمكن أن يؤدي التخزين أو النقل بطريقة غير مناسبة إلى تراجع حالتها نتيجة تعرضها للغبار والرطوبة ودرجات الحرارة المرتفعة.

وأشار إلى أن بعض الذخائر قد تصل إلى مرحلة تستوجب إتلافها بدلًا من إعادة تخزينها، معتبرًا أن نقل الذخائر المتضررة أو تخزينها إلى جانب الذخائر الصالحة للاستخدام من دون تقييم وتصنيف وفرز يزيد من المخاطر.

ويحتاج التعامل مع مخلفات الحرب وإتلافها، وفق الباحث، إلى خبرات متخصصة، خصوصًا عندما تكون الكميات كبيرة ومتنوعة وتضم أسلحة وذخائر ذات حالات فنية مختلفة.

من الغنائم إلى مستودعات غير منظمة

لا يرى قباقيبو أن المشكلة تقتصر على حجم الذخائر، وإنما تشمل طريقة التعامل معها بعد الاستحواذ عليها.

وقال إن بعض الجيوش أو الفصائل قد تلجأ في أثناء الانسحاب إلى تلغيم المستودعات أو قصفها لمنع الخصم من الاستفادة منها، لكن الخطر في الحالة السورية يرتبط أيضًا بعمليات تجميع السلاح والعتاد والغنائم وتكديسها بصورة عشوائية وغير منظمة.

وأكد أن الحصول على الأسلحة والذخائر لا يعني تكديسها من دون ضوابط، مشيرًا إلى ضرورة تصنيفها والتعامل معها وفق حالتها الفنية.

واستشهد بالمعايير الخاصة بتخزين الألغام، موضحًا ضرورة تفكيك صواعقها وفصلها، وتصنيف الألغام بحسب أنواعها، وعدم وضع الصمامات مع الألغام في المكان نفسه، ونقلها إلى مستودعات بعيدة ومخصصة.

ويرى الباحث في الشؤون الأمنية أن التعامل مع هذه الكميات يتطلب تدريب الكوادر المكلفة بالأسلحة والذخائر، بدءًا من معرفة كيفية التعامل معها وتصنيفها، وصولًا إلى فرزها وتحديد آليات تخزينها أو إتلافها.

وأشار إلى أن كوادر وزارة الدفاع جاءت في جانب كبير منها من خلفيات قتالية، ولم تكن تتعامل سابقًا مع عمليات تخزين كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، ما يجعل تأهيل الموارد البشرية جزءًا أساسيًا من معالجة المشكلة.

احتمالات تتجاوز الخلل الفني

لا يقتصر النقاش على الجانب الفني بالنسبة إلى مدير الأبحاث في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، معن طلّاع، الذي قال لعنب بلدي، إن تكرار تفجيرات مستودعات الأسلحة التابعة للجيش السوري يثير تساؤلات حول الجهة التي تقف وراءها والأهداف المرتبطة بها.

ويضع طلاع عدة احتمالات لأسباب الحوادث، تبدأ بخلل فني ناجم عن سوء التجهيز أو عدم توفير بيئة مناسبة لتخزين الأسلحة والذخائر، مرورًا بأعمال تخريب أو استهداف استخباراتي من داخل الجغرافيا السورية، وصولًا إلى احتمال ارتباط بعضها بحسابات الصراع التركي-الإسرائيلي في سوريا.

ووفقًا لطلّاع، تبدو فرضية الخلل الفني أقل ترجيحًا، باعتبار أن تكرار الحوادث يفترض أن يؤدي إلى اكتشاف أسبابها واتخاذ إجراءات تمنع تكرارها، معتبرًا أن استمرارها قد يشير إلى تجاوز المسألة حدود الخلل الفني العابر.

لكن هذا التقدير لا يعني، بحسب طلّاع، أن سببًا واحدًا يمكن إسقاطه على جميع الحوادث، إذ إن طبيعة الأسلحة الموجودة في كل مستودع والجهة التي كانت تستخدمها وظروف تخزينها يمكن أن تساعد في فهم كل حادثة.

وقال طلّاع، إن وجود أسلحة مرتبطة بجهود أو منشآت تركية قد يفتح احتمال أن تكون الحوادث جزءًا من مساعي تقويض النفوذ التركي في سوريا، بينما قد يكون السبب مختلفًا إذا كانت الأسلحة قديمة وتعاني من مشكلات مرتبطة بالتخزين.

كما أشار إلى أن وجود أسلحة ذات تصنيع محلي قد يفتح احتمالًا آخر يتعلق باستهدافها بصورة غير مباشرة عبر شبكات أو مصادر استخباراتية داخلية.

وتبقى هذه الاحتمالات، وفق حديث طلّاع، في إطار التقدير والتحليل، ولا تشكل إثباتًا لوقوع أعمال تخريب أو تحديد الجهة المسؤولة عن أي من الحوادث.

ما بعد المستودعات.. إعادة تصميم البنية الدفاعية

يربط طلاع مشكلة المستودعات بملف أوسع يتعلق بالبنية الدفاعية للجيش السوري، معتبرًا أن معالجة الحوادث لا يمكن فصلها عن طريقة انتشار القوات والمنشآت العسكرية وطبيعة البنية التي ورثتها المؤسسات العسكرية الحالية.

وبحسب مدير الأبحاث، فإن سوريا بحاجة إلى إعادة تصميم بنيتها الدفاعية، لأن جزءًا من البنية التحتية السابقة ارتبط بوجود المنشآت العسكرية داخل المدن والقرى لأسباب تتعلق بضبط الأمن والتدخل المباشر عند حدوث اضطرابات، وهو ما حمل أخطارًا على المجتمع، خصوصًا مع وجود مخازن الأسلحة والمنشآت العسكرية داخل المناطق السكنية.

لكن إعادة بناء هذه البنية من الصفر ليست عملية سريعة، بحسب طلّاع، إذ تمر سوريا بمرحلة انتقالية تفرض الاستفادة من جزء من البنية القائمة بالتزامن مع إعداد بنية جديدة.

وأشار إلى أن إعادة هيكلة الجيش تتطلب خطة جديدة للانتشار، لأن التوزع السابق للقوات لا يتناسب بالضرورة مع الجغرافيا السورية الحالية، كما أن جزءًا من البنية العسكرية السابقة صُمم وفق احتياجات مختلفة.

أين يجب أن تخزن الأسلحة؟

اختيار مواقع تخزين الأسلحة والذخائر يجب أن يستند إلى معايير عسكرية وأخرى مرتبطة بالبيئة والمجتمع المحيط، وفقًا لطلّاع.

وقال إن المعيار العسكري الأول يتمثل في السرية، بحيث تكون المخازن في مواقع لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال منظومة معلومات وصلاحيات محددة، وتخضع لنظام إداري دقيق يتضمن ترقيم الأسلحة والذخائر وتحديد أعدادها وكمياتها.

أما المعيار الثاني فيتعلق بسرعة الوصول إلى الأسلحة وحسن تخزينها، ما يتطلب اختيار مواقع بعيدة عن القصف والعوامل الجغرافية التي قد تؤثر في سلامتها، وفي الوقت نفسه تكون مناسبة للنقل والاستخدام.

وعلى المستوى المجتمعي، شدد طلاع على ضرورة ألا تشكل مواقع التخزين تهديدًا للبيئة المحيطة، وأن تكون بعيدة عن المدن والقرى والمناطق المأهولة، مع مراعاة الأثر الاجتماعي لوجود المنشآت العسكرية ومخازن الأسلحة.

وأشار الباحث إلى أن إعادة بناء البنية العسكرية لا تتعلق بالمواقع وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة معلومات تحدد نوع الأسلحة وكمياتها ومواقع وجودها وآليات نقلها، إلى جانب سياسات أمنية متغيرة لمنع اختراق هذه المنظومة.

ويرى أهمية تأهيل موارد بشرية متخصصة ومدربة على التعامل مع المستودعات وشروط التخزين، وإدخال هذا الجانب ضمن التعليم والتدريب العسكري، إلى جانب تأهيل العناصر المكلفة بحماية المخازن.

مخلفات الحرب.. ملف موازٍ

لا يتوقف الملف عند وزارة الدفاع، بحسب طلّاع، إذ يرى أهمية التنسيق بينها وبين وكالة الأمن الوطني ووزارة الداخلية في التعامل مع الأسلحة الموجودة داخل المؤسسات العسكرية أو خارج سيطرتها، إضافة إلى مخلفات الحرب والألغام.

ويربط طلاع ملف المستودعات بمخلفات الحرب والألغام، معتبرًا أن التعامل معها يحتاج إلى خارطة أولويات بالتوازي مع إعادة الهيكلة والدمج والاستيعاب وضبط السلاح والتسريح.

وقال إن هذه الملفات تحتاج إلى سياسات وموارد كبيرة في ظل محدودية الإمكانات، ما يجعل التعامل معها على مراحل ضروريًا، إلى جانب التعاون مع المنظمات الدولية المعنية بمخلفات الحرب والألغام لتحديد أماكنها وإزالتها.

مقالات متعلقة

  1. خطر مستودعات الأسلحة يهدد المدنيين بإدلب
  2. "الدفاع" تعلن عن تعويضات لضحايا انفجار مستودع أسلحة بإدلب
  3. إدلب.. "الداخلية" تحقق بانفجار مستودع الذخيرة
  4. الأمن الداخلي يوضح ملابسات انفجار سيارة بحلب

سوريا

المزيد من سوريا