مع دخول العام الدراسي.. كيف يواجه الطلاب “الفطام الرقمي”؟

  • 2026/09/26
  • 3:14 م
enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – شعبان شاميه

تواجه آلاف الأسر خلال الأسابيع الأولى من العام الدراسي أزمة سلوكية مقلقة داخل المنازل، تفجرها العودة إلى مقاعد الدراسة عقب انقضاء عطلة صيفية طويلة.

فبعد أشهر من الاستهلاك الرقمي المفتوح للألعاب الإلكترونية وتدفق المقاطع القصيرة (الريلز)، يصطدم أولياء الأمور بواقع جديد يسيطر عليه التشتت الذهني الحاد، والنفور من الكتاب، واضطرابات النوم، إلى جانب نوبات عصبية مفرطة عند سحب الهواتف، وتسويف لا ينتهي للمهام المدرسية.

هذا التحول مع بداية الفصل الدراسي يضع الأوساط التربوية والنفسية أمام تساؤل ملحّ: هل يمر الطلاب بما يُسمى أعراض الانسحاب الإلكتروني نتيجة “الفطام الرقمي” أم أن المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد صدمة انتقالية عابرة؟

فجوة سلوكية أم حالة مرضية؟

استشارية علم النفس الأسري، الدكتورة هبة كمال العرنوس، أوضحت في حديث إلى عنب بلدي، أن ما يواجهه معظم الطلاب مع بداية العام الدراسي هو “صعوبة في إعادة التكيّف السلوكي والانتباهي” وليس حالة مرضية.

استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس

إذ يمر الطالب بمرحلة انتقال حادة من بيئة صيفية مرنة وعالية الإثارة، إلى بيئة مدرسية تتطلب استيقاظًا منتظمًا، وانتباهًا مستمرًا، وقدرة على تأجيل الإشباع وإنجاز مهام معرفية لا تقدم مكافآت فورية كالشاشات.

وشددت العرنوس على أهمية هذا التفريق تجنبًا لتحويل كل أشكال التعلّق بالهاتف إلى تشخيص مرضي، في حين أن الأمر لا يتعدى كونه فجوة تكيّف تستدعي الاحتواء والتدرج.

أبعد من عدد الساعات

وفي سياق متصل، أظهرت الاستشارية أن تأثير الاستخدام الرقمي لا يُقاس بعدد الساعات وحده، بل بمدى إحداثه “اختلالًا وظيفيًا” يُزيح النوم، والتحصيل الدراسي، والعلاقات الأسرية والصداقات الواقعية من حياة الطالب.

وتتمثل المؤشرات السلوكية المباشرة لهذا الاختلال في تشتت الانتباه أثناء تأدية الواجب، والتفقد القهري للإشعارات، وتأجيل المهام، والعصبية عند التوقف، وفقدان الاهتمام بالأنشطة السابقة، أو السهر المؤثر على الأداء الصباحي.

علاج جذور التعلّق لا مظاهره

وحول تباين مستويات تأثر الطلاب، أشارت العرنوس إلى أن الشاشة قد تشكل أحيانًا “وسيلة للتنظيم النفسي” وليست مجرد أداة للترفيه، مبينةً أن الطالب القلق قد يلجأ إليها هروبًا من أفكاره، في حين يجد من يعاني صعوبة في الاندماج الاجتماعي ملاذًا أسهل للانتماء عبر الألعاب الجماعية، بينما ينجذب الذين يواجهون صعوبات في الانتباه إلى البيئة الرقمية كونها سريعة التحفيز.

وبناءً على ذلك، أردفت بأن تشخيص هذه الأبعاد النفسية يُمثّل حجر الأساس في العلاج، مؤكّدةً أن مصادرة الأجهزة الذكية عند وجود أسباب عميقة، كالوحدة أو التنمر أو القلق أو الاكتئاب أو حتى صعوبات التعلّم، تُعد خطوة تتعارض مع جوهر الحل، لأنها تكتفي بمعالجة السلوك الظاهر وتترك المشكلة الأصلية قائمة دون علاج.

كما حذّرت الاستشارية من أن سحب الهاتف أو الألعاب فجأة غالبًا لا يكون التدخل الأفضل، إلّا في الحالات التي تنطوي على أخطار تستوجب تقييدًا فوريًا، معتبرةً أن المنع المفاجئ قد يحوّل القضية من محاولة للتنظيم الذاتي إلى “صراع قوة” محتدم بين الأهل والأبناء.

بديلًا من ذلك، لفتت العرنوس إلى أن التدخل التربوي الأكثر فاعلية يكمن في إعادة هندسة الروتين اليومي للطالب، والذي يتمثل في ضبط مواعيد النوم والاستيقاظ، وتخصيص أوقات محددة تكون خالية تمامًا من الأجهزة، فضلًا عن إبعاد الهاتف عن مساحة الدراسة، وإعادة تفعيل الأنشطة الجسدية والاجتماعية، وصولًا إلى تخفيض الاستخدام الترفيهي للشاشات تدريجيًا.

عندما يقع الطالب ضحية الإرهاق العصبي

أما على صعيد الدعم التعليمي، ذكرت الاستشارية أن استعادة الطلاب لقدراتهم الدراسية تستلزم إعادة بناء تحملهم المعرفي بشكل تدريجي، مشددةً على أن تقييم جودة النوم يمثل خطوة أساسية تسبق توجيه أي اتهامات لهم بالكسل أو ضعف التركيز.

وفي إطار التأهيل الذهني للطلاب، كشفت أن الأمر يتطلب اعتماد جلسات تركيز قصيرة ومحددة المهام، بالتوازي مع ضرورة إبعاد الهواتف الذكية تمامًا وإغلاق إشعاراتها أثناء الدراسة.

علاوة على ذلك، دعت إلى تدريب الطلاب على مهارة المبادرة دون انتظار تدفق “الدافعية”، استنادًا إلى القواعد السلوكية التي تؤكد أن الفعل هو المحرك الأساسي الذي يولّد الشعور بالتقدم والكفاءة.

وارتباطًا بما سبق، نبّهت العرنوس من خطورة اضطرابات النوم الناتجة عن السهر الصيفي والاستخدام الليلي للشاشات، نظرًا لما تتضمنه من إضاءة ومحتوى تفاعلي يؤخران الساعة البيولوجية للجسم.

وتابعت أن الحرمان من النوم يؤدي مباشرة إلى تشتت الانتباه، وإضعاف الذاكرة العاملة، واضطراب ضبط الانفعالات، مما يظهر الطالب كارهًا للتعلّم، بينما هو في الواقع يعاني إرهاقًا عصبيًا حادًا.

فلسفة التنظيم الذاتي

وعن آليات التحفيز، حذّرت الاستشارية من تحويل الهاتف إلى مكافأة مشروطة للدراسة، لما يرسخه ذلك من معادلة نفسية سلبية تجعل الطالب يرى الكتاب كثمن والشاشة كجائزة.

وأوصت بدلًا من ذلك بتضمين الشاشات في روتين يومي منظم وتنويع مصادر المكافآت كالرياضة والهوايات واللقاء بالأصدقاء، بهدف نقل الطالب من مرحلة التنظيم الخارجي المفروض من الوالدين إلى مرحلة التنظيم الداخلي الذاتي.

وفي ذات السياق، تطرقت العرنوس إلى كيفية تعامل الأسرة مع غضب المراهق عند وضع حدود لاستخدام الهاتف، داعيةً إلى ضرورة فهم البعد الاجتماعي لهذا الغضب قبل تفسيره كنوع من التحدي للسلطة الوالدية، إذ يمثل الهاتف للمراهق بوابة لهويته وعلاقاته وانتمائه لجماعة الأقران.

كما نصحت باعتماد مبدأ “الحزم المتعاطف” من خلال الاعتراف بأهمية عالم المراهق الاجتماعي دون التخلّي عن الضوابط، كأن يُقال له: “نفهم أن تواصلك مع أصدقائك مهم، لكن النوم والدراسة يحتاجان لوقت محمي”.

وأكّدت الاستشارية أن القواعد تصبح أكثر فاعلية عندما تكون واضحة، ومتوقعة، وقابلة للتطبيق، شريطة أن يشارك الكبار أنفسهم في احترامها لتقديم قدوة إيجابية.

واختتمت بالتركيز على أن المشكلة لا تُحل بإعلان الحرب على التكنولوجيا، بل ببناء مناعة تنظيمية لدى الطالب. لافتةً إلى أن الهدف ليس إعادة الجيل الحالي إلى عالم بلا شاشات، فهذا أمر غير واقعي، بل مساعدتهم على امتلاك مهارة الانتقال الإرادي بين الترفيه والتعلّم، وبين المكافأة الفورية والهدف البعيد.

واعتبرت أن السؤال الأهم للأسرة لا يجب أن يكون “كيف نأخذ الهاتف منه؟”، بل “كيف نبني طالبًا يضع الهاتف جانبًا من تلقاء نفسه عندما تكون أمامه مسؤولية أهم؟”، مشيرةً إلى أن النجاح في ذلك يتجاوز مجرد إدارة الشاشة إلى بناء مهارة حياتية أعمق وأشمل وهي “تنظيم الذات” التي يحتاجها في دراسته وعلاقاته ومستقبله المهني.

مقالات متعلقة

  1. كيف يؤثر النظام اليومي المتوازن في سلوك الطفل وصحته النفسية
  2. جيل كسول فاقد للدوافع.. استشارية تشخص الأسباب والحلول
  3. "أطفال الميديا".. صغار في مصيدة صناعة المحتوى
  4. "فوبيا الشهادات".. كيف نحوّل ضغط الامتحانات إلى نجاح؟

أسرة وتربية

المزيد من أسرة وتربية