العسكرة وأمولة الحرب

  • 2026/09/27
  • 2:32 م
لمى قنوت

لمى قنوت

enab_get_authors_shortcode

لمى قنوت

يستحضر اقتصاد الحرب الأمريكية ضد إيران، وريعه المتصاعد في الولايات المتحدة، تحليلات سكوت نيرينغ المبكرة عن العسكرة كمصدر ربح تجاري، والتي مهدت لاحقًا لما عُرف بمفهوم الدولة الحربية (Warfare State)، وهي الدولة التي يصبح فيها التخطيط للحرب، والاستعداد لها، وشنها، جزءًا مركزيًا من نشاطها الاقتصادي، فالحرب تستهلك الموارد، وتولد الحاجة للتطوير العسكري والتكنولوجي والمزيد من الإنفاق على توسيع القاعدة الصناعية، مما يخلق مصالح اقتصادية وسياسية جديدة تجعل من العودة إلى العتبة السابقة للإنفاق العسكري مسألة صعبة.

بعد 30 عامًا أمضاها تشاك سبيني كمحلل في قسم تحليل وتقيم البرامج في البنتاغون، فكك ما أسماه “المجمع العسكري- الصناعي- الكونغرس”، كنظام خارج عن السيطرة، “يمد نفسه بالحياة، وينتج أسلحة غير ضرورية، ويحدث عجزًا ماليًّا هائلًا“. وشبه تخفيض تكلفة التسلح بالأسطورة، وفي ورقته المعنونة بـ”الجذور الداخلية للحرب الدائمة“، صاغ سؤالًا بحثيًا: “كيف تمكن النظام السياسي الأمريكي أن يحشر نفسه في هذا القيد الخانق والمدمر؟”، خلص فيها إلى أن هناك تحالفًا من المصالح السياسية والبيروقراطية والصناعية، يستفيد من استمرار تدفق الموارد إلى القطاع العسكري، وارتفاع معدلها، وأضاف أن هذا التحالف تطور كنظام أو منظومة مؤسسية، تعيد إنتاج مبررات هذا الإنفاق من خلال خلق تهديد دائم وحروب مستمرة، وتشوه هذه المنظومة الاقتصاد والسياسة والمجتمع، جراء امتداد نفوذها إلى الجامعات والإعلام ومراكز الأبحاث والتفكير وغيرها، ما يجعل فصل الإنفاق العسكري عن البنى المدنية معقدًا.

كيف توزع الحرب الريع والتكلفة

هناك مستويان في الداخل الأمريكي للحرب ضد إيران، مستوى يُمول مباشرة من الموارد العامة الآتية من أموال دافعي الضرائب، والتي قدّرها تقرير أمريكي صادر عن مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO) بأن تكلفة العمليات العسكرية حتى 1 من آب 2026 بلغت 38 مليار دولار، وتستمر التكلفة شهريًا، بحسب شدة العمليات، بنحو 2-3 مليارات دولار، مع العلم أن التكلفة الواردة في التقرير لا تشمل تقدير إصلاح أو إعادة بناء القواعد والمنشآت الأمريكية المتضررة في الدول العربية، لعدم نشر وزارة الدفاع معلومات عن حجم الأضرار، كما أشار التقرير أيضًا إلى أن استنزاف مخزونات صواريخ الاعتراض قد يستغرق إعادة إنتاجها خمس سنوات، بينما ورد في تقرير المفتش العام أيضًا، أن استخدام الذخائر أدى إلى نقص المخزون الاستراتيجي وكشف اختناقات في إعادة الإمداد. وتعد الحرب الأمريكية ضد إيران أكبر من معظم الحملات الجوية الأمريكية منذ حرب كوسوفو عام 1999.

أما المستوى الثاني من التكلفة، فهي ضريبة الحرب على المواطن الأمريكي، والتي انتقلت إلى الاقتصاد عبر ارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بها، وتكاليف النقل، وارتفاع الفائدة والتضخم، فمثلًا، منذ آذار الماضي، ارتفعت أسعار الطاقة إلى أعلى مستوى من أربع سنوات بفعل إغلاق مضيق هرمز أو التحكم بالملاحة فيه، لكن أثره تفاوت على الأسر ونمط استهلاكها، فمثلًا، الأسر التي يقل دخلها السنوي عن 40 ألف دولار، قلّ استهلاكها للبنزين بواقع 7%، لكنها، مع ذلك، دفعت 12% أكثر على البنزين، بينما الأسر التي يزيد دخلها على 125 ألف دولار سنويًا، ارتفع إنفاقها على البنزين 19%، وخفضت استهلاكها له بواقع 1% فقط، بمعنى أن الأسر ذات الدخل المرتفع امتصت ارتفاع السعر، بينما الأسر ذات الدخل المحدود خفضت استهلاكه، وازدادت أعباؤها، فالزيادة التي أنفقتها على سعر البنزين غالبًا ما تكون على حساب غذاء أو علاج أو تنقل أقل أو استهلاك من  مدخراتها.

وبنفس الإطار، قدرت مؤسسة “بروكنغز” (Brookings)، في نيسان الماضي، بأن أسعار الغاز ارتفعت في الولايات المتحدة بمقدار دولار واحد للغالون، ما يعني أن الأسر ذات الدخل المتوسط والسائقين في البلاد سينفقون على البنزين شهريًا 70 دولارًا إضافيًا، أي ما يعادل حوالي 1% من دخلهم بعد الضريبة، وأن الزيادة بالنسبة لأكثر من 18 مليون أسرة، في الخُمس الأدنى من توزيع الدخل، تعادل 5% من دخلها بعد الضريبة. وثمة تفاوت بين ما تنفقه الأسر الحضرية والريفية، والتي تنفق أكثر على الطاقة وتعتمد في الأنشطة الزراعية على الديزل والأسمدة، إذ يمكن أن يدفع المزارعون في المواسم ما لا يقل عن 350 دولارًا إضافيًا يوميًا لتشغيل جرار واحد، كما ارتفع تضخم الغذاء في المنزل إلى 2.9% في نيسان الماضي، وكل ما سبق ذكره سينعكس على نتائج انتخابات التجديد النصفي.

شبكات مصالح متداخلة

دشنت شركة “كوڤننت” (Covenant) مؤخرًا معملًا لإنتاج صواريخ بعيدة المدى بتكلفة أقل لمصلحة الجيش الأمريكي، وهي شركة ناشئة ممولة من شركات كبرى متخصصة في التكنولوجيا العسكرية كشركة “أندريسن هورويتز” (a16z) للاستثمار الجريء وصندوق المال الجريء “فاوندرز فاند” (Founders Fund) التابع لبيتر ثيل، المؤسس المشارك لكل من شركة “باي بال” لخدمات الدفع الإلكتروني، وشركة “ثيل كابيتال”، وشركة “بالانتير” المتخصصة بتطوير الذكاء الصناعي العسكري وتكنولوجيا المراقبة، والذي دعم دونالد ترامب في حملته الانتخابية في 2016، وشهد تصاعدًا ملحوظًا في نفوذه في واشنطن مع انتخاب ترامب لولايته الثانية، كما ساند بيتر ثيل أيضًا حملة جيه دي فانس لمجلس الشيوخ في 2022، أما المستثمر ومهندس البرمجيات مارك أندريسن المؤسس المشارك لـ”أندريسن هورويتز”، فقد عيّن هذا الصيف في مجلس سياسات الدفاع التابع لوزارة الحرب الأمريكية إلى جانب بليك ماسترز من شركة “ثيل كابيتال” المذكورة سابقًا.

ترتبط اليوم العسكرة بالولايات المتحدة، ويتأثر قرار الحرب بتدفق رأس المال الخاص، الذي يوصف بالجريء، وشركات إدارة الأصول، وشركات الاستثمار في الأسهم الخاصة، أي أن رأس المال الخاص لم يعد يتربح بعد اندلاع الحرب، بل أصبح له دور صاعد في رسم استراتيجيات الشراكات والإنتاجية العسكرية وتطوير التكنولوجيا المرتبطة بها، وتحديد شكل التسلح وخطه الزمني، وعليه فإن هذا التداخل يحول الحرب وعدم الاستقرار إلى سلعة قابلة للتداول، يدفع ثمنها وعبئها الجنوب العالمي، والأسر متوسطة ومنخفضة الدخل، بينما تتربح منها محافظ صناديق الاستثمار وشركات السلاح والنفط وشركات عسكرة التكنولوجيا ودائرة ضيقة يتكثف فيها رأس المال الخاص.

مقالات متعلقة

  1. المثلث الحديدي لدولة الحرب
  2. من "غرفة الصدى" إلى قبة الكونغرس.. الفشل الأمريكي في الحرب على إيران
  3. "اتفاقية مكة للدفاع المشترك".. محاولة بناء ردع إقليمي متعدد الطبقات
  4. دروس حرب الـ12 يومًا والحسابات الجديدة

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي