على بعد ستة كيلومترات شمالي مدينة السويداء، تتربع بلدة عتيل الأثرية فوق مرتفع بازلتي تطوقه أشجار السنديان ويجاوره وادي قنوات.
وتختزل البلدة في أبنيتها شواهد تاريخية تعود لعصور متعاقبة، أبرزها العصر الروماني الذي شهدت خلاله ازدهارًا عمرانيًا ودينيًا تجلى في معابدها ومنشآتها القائمة.
عُرفت عتيل قديمًا باسم “آتيلا”، وبينما تُرجع تفسيرات الاسم إلى “الموقع المعفى من الضرائب” أو المتميز إداريًا، تذهب روايات أخرى إلى جذور سامية وكنعانية تعني المكان المرتفع أو الحصين.
مراحل تاريخية متعاقبة
تكتسب بلدة عتيل الأثرية أهمية تاريخية استثنائية كحاضنة لحضارات متعاقبة، إذ شكلت جزءًا من المجال الحضاري للأنباط قبل انضمامها إلى الإمبراطورية الرومانية عام 106م عقب ضم المملكة النبطية.
وقد بلغ الموقع ذروة ازدهاره العمراني والديني خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ويظهر ذلك في تشييد المعابد والمباني العامة والخزانات المائية والمساكن الحجرية الضخمة.
واستمر هذا الاستيطان البشري الفاعل خلال العهد البيزنطي، الذي شهد إعادة استخدام المنشآت الرومانية ودمجها مع منشآت دينية مسيحية ومساكن جديدة شكلت نسيجًا معماريًا متكاملًا.
كما جذبت آثار البلدة اهتمام الرحالة والباحثين منذ القرن الـ19، وكان من أبرز ما وثّقوه معبدان رومانيان يتميزان بضخامتهما وجودة بنائهما وزخارف واجهاتهما.
يقع أحد المعبدين في الجهة الشمالية للبلدة، بينما يقع الآخر في جهتها الجنوبية، وما زالت أجزاء كبيرة من بنيتهما قائمة مقارنة ببقية أبنية الموقع.
تصميم متشابه للمعبدين
يتشابه المعبدان في تخطيطهما وعناصرهما المعمارية والزخرفية إلى حد كبير، مع اختلاف اتجاه المدخل بينهما، إذ يتجه مدخل المعبد الجنوبي نحو الشرق، بينما يقع مدخل المعبد الشمالي في الجهة الجنوبية.
ويضم كل معبد مصطبة مرتفعة، تتوسطها غرفة أرضية كانت تُستخدم لحفظ الأدوات المرتبطة بالطقوس، إضافة إلى إيداع الهدايا والقرابين التي يقدمها المتعبدون.
ويُصعد إلى مستوى المعبد عبر درج حجري يقود إلى رواق يتكون من دعامتين جانبيتين يتوسطهما عمودان، وتنتهي الأعمدة والتيجان بزخارف ذات طابع كورنثي (أحدث الأنظمة المعمارية الكلاسيكية اليونانية والرومانية القديمة وأكثرها زخرفة وتعقيدًا)، وخلف الرواق تقع غرفة المعبد، التي كانت مخصصة للإله المعبود.
المعبد الجنوبي.. الأقدم بين المعبدين
يُرجع المؤرخون تأسيس المعبد الجنوبي إلى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني الميلادي.
ووفقًا لنقش يوناني يعود لعام 151م، جرى ترميم واجهة المعبد وأعمدته وزخارفه على نفقة “أوديلوس بن ماتيوس” خلال عهد الإمبراطور الروماني أنطونيوس بيوس.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن المعبد كان مخصصًا لعبادة آلهة محلية، مما يبرز تداخل المعتقدات المحلية مع التأثيرات الرومانية في المنطقة آنذاك.
المعبد الشمالي.. عبادة الإمبراطور
يعود بناء المعبد الشمالي إلى منتصف القرن الثاني الميلادي، إذ خُصص لعبادة الإمبراطور الروماني وأسرته، وهي طقوس شاعت في أقاليم الإمبراطورية آنذاك.
وتؤكد الدراسات ارتباط هذه الممارسات الدينية في عتيل بمرابطة جنود رومانيين ينتمون للفيلق المتمركز في بصرى، وأُرسلوا إلى الموقع لتأمين وحراسة الطريق الرئيسة المؤدية إلى دمشق.
يعكس المعبدان بتخطيطهما المتشابه ووظائفهما المتباينة ملامح الحياة الدينية والعمرانية في عتيل خلال الفترة الرومانية، كما يوضحان مكانة البلدة ضمن شبكة الطرق الحيوية التي ربطتها بالمراكز الكبرى في بلاد الشام.
وتكفل الآثار القائمة للمعبدين، إلى جانب المنشآت المحيطة بهما، توثيق المراحل التاريخية المتعاقبة على الموقع، لتقدم عتيل شاهدًا أثريًا حيًا يختزل جانبًا من التاريخ الروماني والبيزنطي في محافظة السويداء.
