عنب بلدي – محمد ديب بظت
تتحرك الأقدام بخطوات موزونة، وتتبعها الأيدي بحركات هادئة، فيما يرافقها صوت الموشح، لتشكل فيما يُعرف بالثقافة الحلبية رقصة “السماح”، ولا تبدو الحركات بذلك شبيهة بالرقص الشعبي السريع الذي اعتادته المناسبات كالدبكة، على اعتبار أنها أكثر هدوءًا وانضباطًا، وتقوم على تناغم حركات الجسد مع الإيقاع والغناء.
وراء هذه الرقصة التي تبدو اليوم جزءًا من الفلكلور الحلبي حكاية أقدم من المسارح والفرق الفنية، إذ ارتبطت في بداياتها بحلقات الذكر والزوايا الصوفية، قبل أن يعمل الموسيقي الحلبي عمر البطش على تطويرها وإخراجها من هذا الإطار إلى العروض الفنية.
ارتبط رقص “السماح” بحلب حتى صار أحد الألوان التي تُذكر عند الحديث عن فنون المدينة، وتناقلت أجيال حركاته وموشحاته، قبل أن ينتقل من حلقات الذكر إلى العروض الفنية والمسارح، ويتخذ شكلًا أكثر تنظيمًا في القرن الـ20.
لباس خاص
يرتبط رقص “السماح” مع لباس معيّن، إذ اقترنت صورته التقليدية بالزي الحلبي الذي كان يرتديه الرجال في المناسبات.
ويظهر في وصف الرقصة “القمباز” و”الصدرية” و”السروال” (الشروال) مع “الشال” الذي يُلف حول الخصر، والحذاء الحلبي الأحمر.
أما بعد دخول النساء إلى أداء “السماح” في صورته الفنية، فارتبط أداؤهن بثياب طويلة وفضفاضة ومحتشمة، مع غطاء للرأس، وزينت بعض الأزياء بتطريزات “الأغباني”، وأصبح اللباس جزءًا من الصورة التي تظهر بها الرقصة في العروض، إلى جانب الحركات والإيقاع والموشحات.
ماذا عن الأصول؟
لا تتفق المصادر على أصل الرقصة، إذ تتعدد الروايات حول نشأتها، لكن الموسوعة العربية تذكر أنها ظهرت في مدينة منبج التابعة لمحافظة حلب، وترتبط في إحدى الروايات بالشيخ عقيل المنبجي.
كما تذهب روايات أخرى إلى أصول مختلفة، بينها الفارسية والأندلسية والدينية الصوفية.
وترتبط إحدى أهم حكايات “السماح” بحلقات الذكر الصوفية، حيث كان الإنشاد الجماعي يترافق مع حركات إيقاعية يؤديها الرجال بالأقدام والأيدي والجسد، بحسب أوزان الموشحات، ومع تتابع الإنشاد والحركات، تتشكل الرقصة ضمن حلقة أو صفوف، فتتقدم الأقدام وتتراجع، وتتحرك الأيدي والجسم مع الإيقاع.
وتذكر مقالة للكاتب حسني كنعان، نشرتها مجلة “الرسالة” في عددها 782، أن هذا اللون من الرقص كان معروفًا في حلب، وأن المدينة عرفت عددًا من شيوخه المتخصصين فيه.
أصل التسمية
تتعدد الروايات أيضًا حول اسم “السماح”، فإحدى الروايات ترده إلى الاستئذان قبل بدء الرقص، إذ كان الراقصون يطلبون الإذن من شيخ الحلقة، فيما تربطه رواية أخرى بما كان يعد مسموحًا به من أدوات الإيقاع ضمن التقاليد الدينية، وتذكر الموسوعة العربية أن الراقصين كانوا يستأذنون للبدء بالرقص والإنشاد بعبارة “السماح، السماح”.
أما المؤرخ الحلبي خير الدين الأسدي فيورد في “موسوعة حلب المقارنة” أن “السماح” أُطلق على رقصة جماعية قديمة ذات ألحان خاصة، ويرجح ارتباط التسمية بطبيعتها كرقص إيقاعي ديني وبما كان مسموحًا به عرفًا وشرعًا من أدوات الإيقاع، كما يذكر أن حلب اختصت بهذا اللون من الرقص.
حلب تحفظ الرقصة
أصبحت حلب مع مرور الوقت مركزًا لهذا الفن، وتذكر مقالة “رقص السماح” المنشورة في مجلة “الرسالة” أن المدينة عرفت عددًا من شيوخ هذا الفن، بينهم صالح الجذبة وعلي الدرويش ومحمد طيفور، إضافة إلى عمر البطش، وتصف حلب بأنها المدينة التي انتهى إليها هذا الفن في سوريا، مع محافظة أهلها عليه وتوارثه بين أجيال الفنانين.
ويظهر ارتباط “السماح” بالموشحات بوضوح في المصادر التي تناولت تاريخه، فالرقصة ارتبطت بالغناء، بل كانت حركاتها تتبع أوزان الموشحات وإيقاعاتها.
ومن بين ما ارتبط بهذا الفن وصلة “اسق العطاش”، وهي مجموعة من الموشحات والأدوار التي تتعدد فيها النغمات والتقاسيم.
عمر البطش.. تغيير شكل “السماح”
في النصف الأول من القرن الـ20، دخل رقص “السماح” مرحلة جديدة ارتبطت باسم الموسيقي الحلبي عمر البطش.
وتذكر الموسوعة العربية أن البطش تعلّم أصول رقص “السماح”، وهو سير إيقاعي ترافقه حركات تعبيرية بالأيدي والأرجل مع غناء موشح أو أكثر، حتى أصبح أحد أبرز المتخصصين فيه.
كما ارتبط بالمجالس الدينية والزوايا الصوفية، ولازم حلقات الذكر، قبل أن يدرّس الموشحات ورقص “السماح” في حلب.
لكن دور البطش لم يتوقف عند الحفاظ على ما ورثه، حيث عمل على تنظيم حركات الرقصة وربط حركات الأيدي والأرجل بإيقاعات الموشحات، بحيث يصبح لكل إيقاع حركات تتناسب معه، وجعل أداءها أكثر انسيابًا ورقة.
وفي عام 1943 عُيّن البطش مدرسًا لفن الموشحات ورقص “السماح” في معهد الموسيقا الشرقية بدمشق، ثم تابع التدريس في المعهد الموسيقي الشرقي عام 1947.
وفي العام نفسه، أدت طالبات معهد “دوحة الأدب” للبنات في دمشق رقص “السماح” للمرة الأولى، وفق الموسوعة العربية، خلال الحفل المدرسي السنوي، على موشح “املأ لي الأقداح صرفًا”، وكان ذلك تحولًا آخر في مسار الرقصة، التي ارتبط أداؤها في صورتها التقليدية بالرجال.
أما مجلة “الرسالة”، التي نشرت مادة عن “السماح”، فتتحدث عن عمر البطش بوصفه أحد شيوخ هذا الفن في حلب، وتذكر أنه تولى فرع الموشحات ورقص “السماح” في المعهد الموسيقي الفني بدمشق، حيث قُدمت عروض للموشحات و”السماح” أمام الجمهور وفي الإذاعة الدمشقية.
رقصة تتحول مع المدينة
لم يبقَ “السماح” على صورته الأولى، فمع انتقاله إلى المجال الفني والشعبي، دخلت إليه آلات موسيقية مثل العود والقانون والكمان والطبل، واتسعت علاقته بالموشحات والقصائد، كما خرج من حلقات الذكر إلى الأعراس والمناسبات والعروض الفنية.
وهكذا تحولت الرقصة تدريجيًا من ممارسة مرتبطة بسياق ديني وصوفي إلى لون من ألوان الفنون الشعبية، من دون أن تنقطع صلتها بالموشحات التي رافقتها منذ مراحلها الأولى، ولم تكن هذه التحولات منفصلة عن الموسيقا الحلبية نفسها.
ولم يختفِ رقص “السماح” مع انتقاله من حلقات الذكر إلى المسرح، لكنه تغير مع السياق الذي يؤدى فيه، وبقي اسمه مرتبطًا بحلب ومنبج، فيما دخل لاحقًا ضمن الحديث عن التراث الثقافي غير المادي السوري.
وأُدرج رقص “السماح” ضمن القائمة الوطنية السورية لعناصر التراث الثقافي غير المادي الصادرة عام 2017.
