بعد رفع الأسعار .. “الطاقة” تختبر صمود السوريين

  • 2026/09/27
  • 2:59 م
متظاهرون يغلقون طريقًا بإطارات مشتعلة في مدينة الباب شمال شرقي حلب خلال احتجاجهم على رفع أسعار المحروقات - 14 أيلول 2026 (AFP)

متظاهرون يغلقون طريقًا بإطارات مشتعلة في مدينة الباب شمال شرقي حلب خلال احتجاجهم على رفع أسعار المحروقات - 14 أيلول 2026 (AFP)

enab_get_authors_shortcode

وسيم العدوي | غنى جبر | عدي الحاج حسين

تبدو ملامح الإنهاك واضحة في الشارع السوري، جراء تعديلات الأسعار الحكومية للمحروقات، وخلف الإرباك اليومي لفاتورة الطاقة، يقف ملف النفط كعقدة مستعصية تُدار بلغة الأرقام الصارمة، بينما تحاول وزارة الطاقة السورية ضبط فجوة اتسعت بين إنتاج محلي ضعيف وسوق يلتهم عشرات الملايين من براميل النفط.

الزيادة الأخيرة في أسعار المشتقات النفطية بنسب تجاوزت 40%، لم تكن مجرد تعديل في نشرة أسعار دورية، ولا سيما أنها أشعلت موجة من التساؤلات الشعبية والانتقادات والمظاهرات الغاضبة في الشارع احتجاجًا على رفع أسعار المحروقات في ظل الظروف المعيشية الخانقة التي تعصف بالسوريين.

التضارب المتكرر والتناقضات الحادة في تصريحات المسؤولين الحكوميين، وفي مقدمتهم وزير الطاقة محمد البشير، حول أرقام إنتاج النفط والغاز وحجم الاحتياجات الفعلية، خلّفت حالة من الإحباط وفقدان الثقة لدى الشارع السوري.

وبينما تُقدَّم بيانات وتصريحات ترسم صورة عن “عجز هائل وفواتير استيراد بالملايين”، تُطرح في مناسبات أخرى أرقام مناقضة تشير إلى توفر حقول وإنتاج قادر على تغطية الاحتياجات الأساسية، ما أوجد انطباعًا عامًا لدى المواطن بأن التناقض الرقمي يُستخدم كذرائع ومبررات جاهزة لتمرير القرارات القاسية، وعلى رأسها رفع أسعار المحروقات والسلع الأساسية.

فجوة كبيرة وتصريحات متناقضة

الحكومة تحاول امتصاص الغضب

عقب احتجاجات عمّت على مدى أكثر من أسبوعين أغلبية المحافظات السورية على أسعار الوقود الجديدة، عقد وزير الطاقة السوري، محمد البشير، مؤتمرًا صحفيًا كشف فيه أوراق الملف النفطي أمام الرأي العام.

لم يلجأ الوزير للبلاغة والتبرير العائم، بل حدد المشكلة في أرقام جافة ومباشرة وصادمة:

  • حجم الاستهلاك المطلوب: تحتاج سوريا اليوم ما بين 300,000 و350,000 برميل يوميًا لضمان تشغيل المنظومة الاقتصادية ومحطات الكهرباء والقطاعات الخدمية بكامل طاقتها.
  • الإنتاج المحلي الفعلي: لا يتجاوز الإنتاج المحلي حدود 108,000 برميل يوميًا.
  • الفجوة والاعتماد على المستورد الخارجي: يُغطي الاستيراد نحو 60% من حاجة السوق المحلية من المازوت، بتكلفة مالية إجمالية تصل إلى 831 مليون دولار شهريًا لشراء النفط ومشتقاته من الخارج.

وهنا وصف البشير قرار رفع الأسعار بأنه “خيار مفروض وتكتيكي لتأمين المادة وليس رفاهية”، معيدًا جزءًا من شح المواد وتأخر الشحنات المستوردة في الأسابيع الماضية إلى صعوبات وتأخر في تأمين القطع الأجنبي اللازم لتسديد الفواتير، إلى جانب “العمرة” (الصيانة الدورية) المعلن عنها لمصفاة بانياس.

محتجون يمنعون عبور صهاريج نقل النفط إلى مصافي التكرير على طريق “M4” في تل تمر بالحسكة احتجاجًا على رفع أسعار المحروقات – 16 أيلول 2026 (AFP)

أسعار المحروقات بعد الزيادة الأخيرة

  • المازوت (الديزل): 175 ليرة سورية لليتر (ارتفع من 125 ليرة، بزيادة 40%).
  • البنزين أوكتان “90”: 185 ليرة سورية لليتر (ارتفع من 147 ليرة).
  • البنزين أوكتان “95”: 195 ليرة سورية لليتر (ارتفع من 152 ليرة، بزيادة نحو 28%).
  • أسطوانة الغاز المنزلي: 1600 ليرة سورية (ارتفعت من 1470 ليرة).

أولى وآخر الخطوات.. شرائح المازوت الثلاث

لتفادي الانفجار السعري الكامل على الشرائح الأكثر هشاشة، أعلن الوزير البشير بالتوازي عن حزمة إجراءات شملت هيكلة جديدة لأسعار المازوت، تمثلت في إطلاق ثلاثة أسعار رسمية:

  • المازوت المدعوم (115 ليرة): يخصص للشرائح الاجتماعية الهشة والأغراض التموينية.
  • المازوت الخدمي والإنتاجي (150 ليرة): يخصص للقطاعات الصناعية والزراعية والخدمية.
  • المازوت القياسي (175 ليرة): يمثل السعر التجاري المستهدف للاستهلاك العام.

وأشار الوزير لاحقًا في جلسة استماع أمام مجلس الشعب بدمشق (جاءت بناء على طلب من لجنة الطاقة بالمجلس)، إلى أن ليتر المازوت المباع بـ175 ليرة يكلف الدولة عمليًا نحو 206 ليرات، ما يعني استمرار وجود دعم حكومي يقدّر بـ31 ليرة لليتر الواحد، على حد قوله.

وتتجه أنظار الشارع السوري اليوم نحو الآلية التنفيذية التي ستتبعها وزارة الطاقة والشركة السورية للبترول لمعالجة الفجوة النفطية، فبينما تؤكد تصريحات وزارة الطاقة استهداف الوصول إلى “الاكتفاء الذاتي” بحلول عام 2028، والدخول في مفاوضات مع شركات عالمية للاستكشاف والتنقيب، يواجه السوريون، وفقًا لما رصدته عنب بلدي في المحافظات السورية، واقعًا معيشيًا مضطربًا، تتأرجح فيه قدرتهم الشرائية مع كل تعديل طارئ في نشرات الوقود.

من 150 إلى 350 ألف برميل

سُجلت على لسان وزير الطاقة السوري، محمد البشير، عدة تصريحات رسمية جاءت متناقضة، تناولت تقديرات حاجة سوريا اليومية والسنوية من النفط الخام:

  • في شباط 2026، صرح الوزير بأن الحاجة للاستهلاك المحلي هي 150,000 برميل يوميًا، بينما كان الإنتاج المحلي حينها يغطي أقل من ربع هذه الكمية، مما اضطر الحكومة للاستيراد، مشيرًا إلى أن سوريا تحتاج إلى نحو ثلاث سنوات لتحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط.
  •  في 12 من أيلول 2026، قال البشير إن تقديرات الحاجة المحلية تصل إلى 350,000 برميل يوميًا لتشغيل كل القطاعات التنموية والصناعية ومحطات الطاقة بكامل طاقتها، مع الإشارة إلى أن الإنتاج المحلي حينها بلغ نحو 100,000 برميل يوميًا، ما يعني وجود فجوة كبيرة يتم تغطيتها عن طريق الاستيراد.
  •  في جلسة الاستماع أمام مجلس الشعب صرح بأن الحاجة اليومية تتراوح بين 300,000 و325,000 برميل يوميًا، وهو ما يتطلب فاتورة شراء مالية قدرها 831 مليون دولار شهريًا.
    وجاءت تبريرات وزير الطاقة البشير (لاحقًا)، حول أسباب تفاوت أرقام الاحتياج المصرح عنها:
  • الرقم القديم (150,000 برميل) اقتصر على مناطق السيطرة الحكومية، بينما يشمل الرقم الجديد جميع المحافظات.
  • تذبذب الاستهلاك بين الربيع 270,000-280,000 برميل، وذروة الشتاء 325,000-350,000 جراء التدفئة.
  • الانتقال من حساب “الطاقة التكريرية للمصافي” فقط إلى حساب “الاستهلاك الكلي شاملًا المستوردات الجاهزة”.

أما “قفزة الاستهلاك المحلي” فهي تعزى إلى:

  • قفزة عدد المركبات من 2.5 إلى 3.6 مليون سيارة.
  • الاعتماد على المولدات الخاصة لتغطية العجز الكهربائي.
  • ارتفاع استهلاك محطات التوليد إلى 8500 طن من الفيول و24 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا.
  • عودة الأنشطة الصناعية والزراعية وضغطها على الطلب.

رفع الأسعار لا يعالج أصل الأزمة

الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري الدكتور محمود عبد الكريم، في تشريحه المعمّق للواقع المعقد للمشتقات النفطية قال إنه ينبغي النظر إلى الخريطة المالية “بلا مساحيق تجميل”، فالقضية ليست أبدًا في سعر ليتر المازوت الذي يدفعه المواطن من “جيبه المنهك”، بحسب تعبيره، بل “تبدأ من الرقم الصادم” الذي أعلنه وزير الطاقة، محمد البشير: 831 مليون دولار شهريًا فاتورة استيراد النفط ومشتقاته.

وأضاف الخبير السوري لعنب بلدي: “نحن أمام فجوة إنتاجية خانقة تقدّر بنحو 200,000 برميل يوميًا بين ما ننتجه وما نستهلكه، وبلغة الأرقام الباردة، هذا يعني نزيفًا سنويًا يقارب عشرة مليارات دولار لمجرد إبقاء الشرايين الأساسية للدولة على قيد الحياة”.

القرار الأخير برفع أسعار المحروقات ليس إلا “حيلة محاسبية لنقل العبء المالي من كتف الخزينة إلى كاهل المستهلك”، بحسب عبد الكريم، وهذا قد يقلص بعض الخسائر الدفترية لقطاع الطاقة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الدولار المطلوب شهريًا للتمويل.

الخطر الحقيقي “سيناريو الضغط على الموازنة”

قال الخبير الاقتصادي السوري، إن الإيرادات الفعلية في النصف الأول من 2026 بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق يقارب 3.7 مليار دولار، أي أن هناك عجزًا فعليًا بلغ 1.005 مليار دولار.

وفي “سيناريو الضغط”، يفترض عبد الكريم استمرار الضغوط على الإيرادات نتيجة ضعف القدرة الشرائية، واحتمال تراجع الرسوم المرتبطة بالاستيراد، وعدم قدرة قطاع النفط والطاقة على تحويل الإيرادات إلى الخزينة بالمستويات المستهدفة.

لذلك يصل تقدير الإيرادات السنوية في هذا السيناريو إلى نحو 5.65 مليار دولار، مقابل نفقات تقدّر بنحو 8.7 مليار دولار، أي 8.7 مليار نفقات، ناقص 5.65 مليار إيرادات، يساوي نحو 3.05 مليار دولار عجزًا في الموازنة.

وإذا ما استمر انكماش القدرة الشرائية وتراجعت عائدات الجمارك والرسوم، مع عجز قطاع الطاقة عن الضخ في الخزينة وفق المخطط، فإن السوق يتجه نحو سيناريو كابوسي في نهاية العام.

وأكد عبد الكريم أن رفع الأسعار هو مجرد مسكن مؤقت يقلل حجم النزيف، لكنه لا يبرئ الجرح، والأصل الذي نتهرب من مواجهته هو فجوة الإنتاج المحلي، والاعتماد الكلي على الدولار للاستيراد، وتكاليف التوليد الباهظة، وضعف الجباية، والديون المتبادلة التي تخنق مؤسسات الدولة.

القرار الأخير برفع أسعار المحروقات ليس إلا حيلة محاسبية لنقل العبء المالي من كتف الخزينة إلى كاهل المستهلك، نعم، وهذا قد يقلص بعض الخسائر الدفترية لقطاع الطاقة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى الدولار المطلوب شهريًا للتمويل.

الدكتور محمود عبد الكريم

خبير اقتصادي سوري

 

احتجاجات في حي طريق الباب بمدينة حلب على خلفية ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا – 13 أيلول 2026 (عنب بلدي/موفق الخوجة)

السوريون في مواجهة الغلاء

صدمة ومخاوف من المستقبل

لم يكن ممكنًا قراءة أثر قرار رفع أسعار المحروقات في سوريا بمعزل عن الصوت الشعبي الذي التقطه المراسلون الميدانيون وجمعيات حماية المستهلك، إذ كشف هذا الصوت عن فجوة متسعة بين التقديرات الرسمية وتجربة المواطن اليومية، ووضع اليد على النبض الحقيقي لشارع عاش تداعيات قرارات اقتصادية مفاجئة لامست تفاصيل حياته الصغيرة قبل الكبيرة.

يبدو طلاب المدارس والموظفون الأكثر تضررًا، بحسب ما رصدته عنب بلدي، إذ قفزت أجرة “السرفيس” عشوائيًا من 30 إلى 50 ليرة سورية، لتصل تكلفة النقل اليومية للعائلة التي لديها طالبان إلى ما بين 200 و250 ليرة لـ”سرفيس” واحد، وهو ما تُرجم شهريًا إلى نحو 7500 ليرة للطالب الواحد، و10,000 ليرة للأسر التي لديها طالبان أو ثلاثة، فضلًا عن رفع أصحاب الحافلات الخاصة المتعاقدين مع الطلاب لأجورهم.

هذا الواقع لم يختلف كثيرًا في المحافظات الأخرى، إذ قال عبد الله الأحمد وهو سائق “تاكسي”، لمراسل عنب بلدي في دير الزور، إن تسعيرة الأجرة داخل أحياء المدينة ارتفعت من 200 إلى 250 ليرة سورية، مع تراجع كبير في حركة الركاب، وناشد الحكومة بأن تنظر إلى المواطن الذي لم يعد دخله اليومي كافيًا لسد احتياجاته.

وفي السويداء، رصدت مراسلة عنب بلدي ارتفاع أجرة “الباص” على خط قنوات من 50 ليرة إلى 75 ليرة، فيما ارتفعت أجرة “التاكسي” بين شهبا والسويداء من نحو 200 إلى 250 ليرة، وبقيت “سرافيس” النقل الداخلي عند 50 ليرة دون زيادة معلنة حتى إعداد الرصد.

ووصف أحد سائقي “التاكسي” في المحافظة عمله بأنه بات يقتصر في بعض الأيام على طلبين تقريبًا، معتبرًا أن المواطنين باتوا ينظرون إلى ركوب “التاكسي” بوصفه رفاهية ويفضلون المشي لتوفير المال لحاجات أساسية.

وفي اللاذقية، رصدت مراسلة عنب بلدي تسبب التكلفة التشغيلية المرتفعة في قفزة بأجور المواصلات، حيث ارتفعت أجرة “التاكسي” لأقرب مكان من 250 إلى 400 ليرة سورية، وهو ما دفع الكثير من المواطنين للاستغناء عن هذه الخدمة.

تفاوت الأسعار وتراجع القدرة الشرائية

كشفت جولات المراسلين في المحافظات عن تفاوت واضح في أسعار المحروقات بالسوق الحرة، إذ بيع ليتر البنزين في السويداء بنحو 340 إلى 350 ليرة سورية، وقد وصل في بعض الحالات إلى 400 ليرة، بينما تراوح سعر ليتر المازوت بين 210 و220 ليرة مع إمكانية وصوله إلى 250 ليرة، وسط تفاوت بين “البسطات” تبعًا لطريقة تأمين المحروقات.

وقال صاحب “بسطة” لبيع المحروقات، بحسب مراسلة عنب بلدي في السويداء، إن ارتفاع الأسعار “ضيّق الوضع”، إذ أصبح تأمين البنزين بأسعار منخفضة أكثر صعوبة، فيما تراجعت المبيعات بسبب انخفاض قدرة المواطنين على الشراء، حتى إن سائق الدراجة النارية الذي كان يشتري خمسة ليترات في المرة الواحدة بات يكتفي بليتر أو ليترين، وانخفضت كمية البنزين التي تشتريها السيارات من نحو 20 ليترًا إلى سبعة أو عشرة ليترات وأحيانًا أقل.

وفي دير الزور، وصف صالح المحمد، صاحب عربة لبيع البنزين المكرر، شعوره بالصدمة، عندما استيقظ على خبر ارتفاع المحروقات الذي جاء “كالصاعقة”، بحسب وصفه، موضحًا أنه باع البنزين المكرر بسعر 130 ليرة سورية ولاحظ إقبالًا كبيرًا عليه من أصحاب الدراجات النارية، لكنه أكد أن السيارات لم تستطع استعمال هذا النوع كونه لم يصفَّ بمصفاة رسمية.

واختتم بالتأكيد أن الارتفاع انعكس على كل الشعب السوري وطالب بتخفيض السعر وتثبيته.

احتجاجات في محافظة الرقة رفضًا لرفع أسعار المحروقات – 14 أيلول 2026 (عنب بلدي/أحمد الحمدي)

ارتفاع السلع الاستهلاكية ما بين 5 و10%

في القنيطرة، يرى موسى الذيبان من مزارعي المحافظة أن القرار غير مدروس، معتبرًا أنه كان من المفترض التريث ودراسته بناء على واقع السكان الذين عانوا من وضع صعب بعد حرب استمرت 14 عامًا ومن الغلاء أصلًا.

وقال موسى لعنب بلدي، إن المحروقات عصب الحياة، وإن ارتفاع أسعارها سيفاقم الأعباء في النقل والزراعة ونقل السلع والمحاصيل، لافتًا إلى أن ربطة الخبز بقيت على حالها دون ارتفاع مع تمنياته بألا ترتفع.

وأضاف أن الناس في حالة فقر شديد، وأن حركتهم شُلّت بعد رفع الأسعار، إذ لم يستطع معظم المواطنين تعبئة الكميات التي كانوا قادرين عليها.

وقال أحمد الإبراهيم، تاجر جملة للمواد الغذائية، إن قرار رفع أسعار المحروقات سيشمل جميع المواد، موضحًا أن تجار المواد الغذائية عزوا سبب الغلاء إلى أمور كثيرة منها ارتفاع أسعار المحروقات وإغلاق مضيق هرمز وارتفاع سعر صرف الدولار، وكلها مجتمعة أسهمت في ارتفاع السلع، مع وجود سلع تراوحت نسبة ارتفاعها ما بين 5 و10%.

وشهدت أسعار اللحوم الحمراء والفروج ارتفاعًا كبيرًا بسبب ارتفاع تكاليف التدفئة والإنتاج في المداجن وتكاليف التبريد والنقل، وتضاعفت أجور نقل الخضار من أسواق “الهال” إلى المحال التجارية، إذ قفزت بعض أجور النقل من 500 إلى 1000 ليرة.

مقدار الزيادة على أسعار السلع

تباينت أسعار عدد من السلع الأساسية والخضراوات بين المحافظات، بحسب رصد أسعار أجرته عنب بلدي، وبمجرد صدور قرار رفع أسعار الوقود، انعكس ذلك فورًا عليها، دون وجود مبرر فوري لحدوث ذلك.

وسجل سعر كيلو البندورة في دمشق نحو 40 ليرة سورية (كان بين 20 و30)، والخيار 60 (كان بين 40 و50)، والبطاطا 80 (كان بين 40 و50)، بينما بقيت أسعار كيلو المعكرونة نحو 120 ليرة، والسمن 380، والسكر 90 ليرة، والزيت النباتي نحو 240 ليرة، والأرز 210 ليرات (بزيادة نحو 50 ليرة).

وفي الرقة، لم تسجل أسعار بعض المواد الأساسية تغيرًا ملحوظًا، وفق تجار، مع احتمال ارتفاعها خلال الفترة المقبلة، بينما زادت أسعار الخضراوات بنحو خمسة ليرات للكيلوغرام.

أما في درعا فبلغ سعر كيلو الأرز الطويل بين 180 و400 ليرة (بزيادة تبلغ أكثر من 30% على الأسعار السابقة)، وكذلك الأرز القصير 130 ليرة، والسكر 100، والمعكرونة 150، والطحين 80، والسمن 600 ليرة، فيما سجلت البندورة 30 ليرة، والخيار 70، والبطاطا 80 ليرة.

وفي اللاذقية، كما هو الحال في دمشق، بلغ سعر كيلو الأرز نحو 120 ليرة، والسكر 90، والمعكرونة 110، والطحين 70، والسمن 325 ليرة، بينما سجلت البندورة 35 ليرة، والخيار 70، والبطاطا 70 ليرة.

في حلب، تراوحت الزيادة في أسعار بعض السلع بين 20 و50 ليرة، أما في دير الزور، فبلغ سعر كيلو الأرز المخصص لـ”الكبسة” بين 230 و250 ليرة، والأرز العادي نحو 120 ليرة، بينما سجل سعر كيلو المعكرونة نحو 110 ليرات.

مخاوف الشتاء وأزمة التدفئة المقبلة

ضاعف ارتفاع أسعار المشتقات النفطية مخاوف المواطنين من تكاليف التدفئة خلال الشتاء المقبل، إذ تحدث عدد من أهالي السويداء، لعنب بلدي، عن أن تأمين التدفئة كان صعبًا حتى قبل الارتفاع الأخير، بينما باتوا يخشون عدم قدرتهم على شراء الكميات اللازمة هذا العام.

ويحتاج المنزل، وفق تقديرات تقريبية للأهالي، إلى نحو خمسة ليترات من المازوت يوميًا على الأقل للتدفئة، ما يعني تكلفة يومية تقارب 1000 ليرة.

وقال أكثر من شخص، إن بعض العائلات بدأت تجمع الكرتون والقماش لاستخدامهما في التدفئة في ظل عجزها عن تحمل تكلفة المحروقات، وازدياد صعوبة تأمين مازوت التدفئة بالنسبة للعائلات التي فقدت مصادر دخلها أو منازلها خلال أحداث تموز 2025.

رواية مختلفة لـ”التجارة الداخلية”: لا ارتفاع في الأسعار

قال مدير مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء، حسن الشوا، لعنب بلدي، إنه لم يتم رصد أي ارتفاع يُذكر في أسعار السلع والمواد الأساسية في الأسواق، مشيرًا إلى أن ذلك يعود إلى أن قرار تعديل أسعار المحروقات ما زال في بدايته ولم ينعكس بشكل مباشر على المنتجات المحلية والأسواق.

وأضاف الشوا أنه بناء على نتائج السبر السعري الدائري، تظهر المؤشرات أن الأسعار ولا سيما للمواد الأساسية ما زالت ضمن حدودها الطبيعية ولم تسجل أي ضبوط أو مخالفات بهذا الشأن.

وفيما يتعلق بإجراءات حماية المستهلك لمنع الاستغلال ورفع الأسعار، قال الشوا إن مديرية حماية المستهلك تعتمد عبر دائرة الأسعار آلية السبر السعري وتحديد المتوسط التأشيري للأسعار على مستوى جميع المحافظات، وبناء على هذه المؤشرات السعرية يتولى جهاز الرقابة المتابعة الميدانية حيث يحرر ضبط “البيع بسعر زائد” بشكل مباشر بحق كل من يثبت تورطه في رفع غير مبرر للأسعار أو استغلال القرار.

ولفت الشوا إلى أن الجولات الميدانية الأخيرة أظهرت استقرارًا عامًا في حركة الأسواق والأسعار، دون تسجيل أي ارتفاعات ملحوظة أو غير مبررة في المواد الأساسية، وقد تم توجيه مديريات حماية المستهلك في جميع المحافظات بتكثيف الحملات الرقابية عبر أجهزتها الميدانية، للوقوف على أي تجاوزات وضبط حركة الأسواق ومنع استغلال الظرف الراهن.

سوق الهال القديم في دمشق – 17 أيلول 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)

 قرارات مكتبية ترقيعية

أين يبدأ الخلل وأين ينتهي الأثر؟

أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، وصف لعنب بلدي ما جرى منذ ساعات الصباح الأولى لصدور القرار بأنه صدمة فورية وإرباك واسع النطاق، خلافًا للتوقعات الحكومية التي افترضت تراخي ظهور الآثار السلبية.

القرار الذي رفع أسعار المازوت بنسب تراوحت بين 20 و40%، والبنزين بنحو 20%، والغاز المنزلي بنسبة 7%، جاء دون دراسة مسبقة لآثاره المجتمعية والنفسية والمادية على مواطنين بلغت قدرتهم على التأقلم حدودها القصوى، بحسب حبزة.

وتجلت الارتدادات المباشرة في شلل ملموس طال القطاعات الحيوية، وفق حبزة، إذ امتنعت وسائط النقل العام والنقل المدرسي عن العمل أو رفعت التعرفة بشكل عشوائي، فيما رصدت الجولات الميدانية للجمعية، التي شملت ما بين 20 و30 عينة، حالة امتعاض ومشاحنات واسعة بين السائقين والركاب في ظل استنفار دوريات المرور لتحرير المخالفات.

وربط حبزة هذا الارتباك بالتأخير في تعميم التسعيرة الرسمية عبر اللصاقات على واجهات المركبات، وهو إجراء كان يجب أن يسبق القرار لطمأنة الجميع، ما أدى إلى توقف معظم سيارات “التاكسي” وعزوف الركاب.

وكشف أمين سر جمعية حماية المستهلك عن عجز أجهزة الرقابة التموينية عن ضبط الأسعار أو تخفيضها، لأن القوانين الناظمة للاقتصاد الحر اقتصرت صلاحياتها على الإعلان عن السعر ومكافحة الغش والتدليس دون امتلاك صلاحية المخالفة على ارتفاع الأسعار الناتج عن حركة السوق، خاصة أن القرارات الحكومية كانت المسبب الرئيس لهذا الارتفاع.

ويرى حبزة أن المشكلة الجوهرية تكمن في نمط إدارة الأزمة، وتوقيت صدور هذه القرارات المكتبية والترقيعية التي فاجأت المواطن دون تمهيد أو إتاحة مساحة لترتيب أموره المعيشية.

وأشار حبزة إلى أن هذه التطورات أثارت تساؤلات حادة حول غياب الإجراءات الاستباقية والرؤى التخطيطية لدى الفريق الحكومي، إذ كان من المفترض (مع الإدراك المبكر لاتجاهات أسعار النفط عالميًا) بناء مخزون استراتيجي خلال الفترات المستقرة لامتصاص الصدمة السعرية أو تأخير نتائجها، بدلًا من ترحيل العبء كاملًا إلى كاهل المستهلك.

تطورات تهدد النسيج المعيشي بالمحافظات

لا يتوقف الأثر عند حدود قطاع النقل، بل يمتد إلى كل مفاصل الحياة اليومية.

ويرى الباحث الاقتصادي عمار يوسف أن الحكومة أخطأت في اللجوء إلى حوامل الطاقة، مثل البنزين والمازوت والفيول والكهرباء، كأداة لمعالجة احتياجات الإنفاق.

وقال يوسف، في حديث إلى عنب بلدي، إن المشكلة لا تكمن في ارتفاع سعر البنزين أو المازوت بحد ذاته، وإنما في انعكاساته الاقتصادية، بدءًا من أجور النقل وصولًا إلى أسعار المواد الغذائية وتكاليف المعيشة والإنتاج، مشيرًا إلى أن رفع سعر البنزين بنسبة 40% انعكس على مختلف القطاعات، وقد تصل الزيادة في أسعار بعض السلع إلى 60 أو 70%، بحسب تقديره.

وأضاف أن مستوى المعيشة في سوريا منخفض أصلًا، في ظل ارتفاع معدلات الفقر، ما يجعل أي زيادة جديدة في تكاليف النقل والطاقة عبئًا إضافيًا على المواطنين، معتبرًا أن الإنفاق الحكومي لا ينبغي أن يكون على حساب الشعب.

وسيضطر المواطن إلى الاستغناء عن بعض السلع التي لا يستطيع تحمل أسعارها، وبينها مواد أساسية في سلة الغذاء، ما سيؤدي إلى مزيد من تراجع القدرة الشرائية، وفقًا للباحث الاقتصادي.

 

سيضطر المواطن إلى الاستغناء عن بعض السلع التي لا يستطيع تحمل أسعارها، وبينها مواد أساسية في سلة الغذاء، ما سيؤدي إلى مزيد من تراجع القدرة الشرائية.

عمار يوسف

باحث اقتصادي سوري

 

قلق من كساد في السوق السورية

حذر الباحث الاقتصادي عمار يوسف من أن انخفاض الطلب على السلع قد ينعكس على حركة السوق، ويؤدي إلى تباطؤ الإنتاج والتداول وسلاسل التوريد، وصولًا إلى حالة من الكساد في السوق السورية، ولا سيما مع تراجع قدرة المواطنين على الشراء.

 

انخفاض الطلب على السلع قد ينعكس على حركة السوق، ويؤدي إلى تباطؤ الإنتاج والتداول وسلاسل التوريد، وصولًا إلى حالة من الكساد في السوق السورية.

عمار يوسف

باحث اقتصادي سوري

 

وتوقع الباحث استمرار انعكاسات رفع أسعار المحروقات على أسعار السلع حتى بعد استقرار أسعار الوقود، موضحًا أن انتقال أثر الزيادة إلى مختلف القطاعات قد يحتاج إلى نحو شهر، قبل أن تظهر الصورة الكاملة لمستويات الأسعار الجديدة، ولا سيما أن التجارب السابقة تشير إلى إمكانية حدوث موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.

ولكن يوسف رجح أن تشهد الفترة المقبلة ارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية والخضراوات والفواكه، داعيًا إلى متابعة هذه المؤشرات، إلى جانب أجور النقل، التي قد يؤدي ارتفاعها، في بعض الحالات، إلى الحد من حركة المواطنين والمركبات، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكاليف النقل قد يدفع المواطنين إلى تقليص استخدام وسائل النقل الخاصة، نتيجة زيادة تكلفتها.

إعادة تشغيل حقل كونيكو للغاز – 1 أيلول 2026 (عنب بلدي/جاسم العبد الله)

غياب الشراكة بين الاقتصاد والمجتمع الأهلي

انتقد حبزة غياب مشاركة المجتمع الأهلي وجمعية حماية المستهلك في اتخاذ القرارات الاقتصادية شديدة الحساسية، لافتًا إلى أن الجمعية قدمت موقفها الرسمي وطالبت بالتخطيط والتحوط المسبق.

وأمام كثرة الشكاوى والمناشدات التي تلقتها الجمعية دون امتلاكها سلطة تنفيذية لخفض الأسعار، طرحت مقترحات عاجلة لامتصاص حالة الاحتقان، وفق حبزة، أبرزها تقديم منح إسعافية عاجلة للمواطنين تحت مسميات مثل بدل تدفئة أو بدل تنقل أو أي بند حكومي مناسب لتخفيف الضائقة المعيشية، مع التأكيد على عقلانية وسلمية الاحتجاج ورفض أي تصرفات غير عقلانية أو أحداث شغب.

ويرى حبزة أن التطمينات الحكومية بأن الرفع مؤقت “موضع شك”، متسائلًا عن مدى قدرة السلطات على ضمان خفض الأسعار مجددًا في حال تشغيل المصفاة أو انخفاض الأسعار عالميًا، في ظل اقتصاد هش تأثر سريعًا وبشدة بالمتغيرات الإقليمية والدولية.

وزارتا الطاقة والنقل السوريتان “غائبتان”

وجهت عنب بلدي أسئلة إلى وزارة الطاقة حول المخالفات التي رصدتها الوزارة بعد رفع أسعار المحروقات، وعددها، والإجراءات المتخذة لضبطها ومنع التلاعب بالأسعار، إلى جانب آلية استقبال شكاوى المواطنين، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا حتى وقت إعداد المادة.

وفيما يتعلق بتكاليف نقل البضائع، وجهت عنب بلدي أسئلة إلى وزارة النقل حول أثر ارتفاع أسعار المحروقات على أجور النقل، ونسبة الزيادة في تكاليف نقل البضائع، ومدى انعكاسها على السعر النهائي للسلع، وآلية حساب هذه الزيادة، وما إذا كانت تختلف بحسب مسافة النقل ونوع المركبة، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا حتى وقت إعداد المادة.

ولكن الوكالة السورية للأنباء (سانا) نقلت عن مدير مديرية تنظيم نقل البضائع في وزارة النقل، خالد كسحة، قوله في 13 من أيلول الحالي، إن التعديل الجديد لأسعار المشتقات النفطية، ولا سيما مادة المازوت، أثر بشكل كبير في حركة نقل البضائع.

وأضاف كسحة أن الحركة (بعد القرار) شهدت توقفًا شبه كامل في عدد من المحافظات، بالتزامن مع “إضرابات من قبل عدد من أصحاب الشاحنات”، ما انعكس سلبًا على حركة النقل في المنافذ والمرافئ.

ولفت إلى أن ارتفاع أسعار المازوت سيؤدي إلى:

  • ارتفاع كبير في التكاليف التشغيلية لآليات نقل البضائع.
  • ارتفاع أسعار مختلف مستلزمات النقل، بما فيها أجور السائقين والإطارات والصيانة وقطع التبديل وغيرها من التكاليف المرتبطة بتشغيل الآليات.
  • زيادة الأعباء على الناقلين ما يؤثر على حركة نقل البضائع بين المحافظات وعبر المعابر والمرافئ.

وكشف أن الوزارة تعمل على إعداد دراسة كاملة تتناول واقع أجور نقل البضائع وضعف حركة النقل، وانعكاس ارتفاع أسعار المحروقات على أجور النقل، بهدف عرض الواقع الحالي والتكاليف التي يتحملها الناقلون، ورفع الموضوع إلى الجهات المعنية للوصول إلى معالجة مناسبة، بحسب تعبيره.

مقالات متعلقة

  1. ملف المحروقات يحرّك الحكومة.. "الطاقة" تشكل لجنة لتحديد الأسعار
  2. وزير الطاقة يعلن طرح ثلاثة أنواع من المازوت في السوق
  3. أسعار المحروقات ترتفع في سوريا.. الخبز ثابت
  4. "الطاقة" تعزو نقص الوقود إلى "سلوك السوق": المخزون متوفر

تحقيقات

المزيد من تحقيقات