أثارت مشاهد لتصاعد أبخرة وأعمدة دخان خفيفة من شقوق في الأرض قرب جبل كوكب، شرقي مدينة الحسكة، تساؤلات بين سكان المنطقة خلال الأيام الماضية، بعد ظهورها عقب الزلزال الذي ضرب جنوبي تركيا وشعرت به مناطق سورية عدة، بينها محافظة الحسكة.
وتداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي تسجيلًا مصورًا يظهر تصاعدًا خفيفًا لأبخرة بيضاء من إحدى النقاط القريبة من جبل كوكب، الواقع على بعد نحو عشرة كيلومترات شرقي مدينة الحسكة، وسط انتشار روايات متعددة على مواقع التواصل الاجتماعي حول طبيعة هذه الظاهرة وأسبابها.
وفي حين ربط بعض الأهالي ظهور الأبخرة بالهزة الأرضية الأخيرة، تحدث سكان من القرى المحيطة بالجبل عن مشاهدات متقطعة لانبعاثات مشابهة خلال الأسابيع الماضية، بينما بدأت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية متابعة الموقع ميدانيًا، مع ظهور مؤشرات أخرى تمثلت بانخسافات في التربة وتشققات في سطح الأرض.
ظاهرة ظهرت بعد الهزة
وقع الزلزال الذي شعر به سكان الحسكة، في 24 من أيلول الحالي، وبلغت قوته 5.4 درجات، بحسب إدارة الكوارث والطوارئ التركية (AFAD)، التي سجلت الهزة عند الساعة 10:40 صباحًا في قضاء قره كوبرو بولاية شانلي أورفا جنوبي تركيا، وعلى عمق نحو ثمانية كيلومترات.
وشعر بالهزة سكان عدد من المحافظات السورية، بينها اللاذقية وطرطوس وحلب وإدلب وريف حماة والحسكة.
وبعد الهزة، ظهرت مشاهد للأبخرة قرب جبل كوكب، ما دفع سكانًا إلى تداول مقاطع مصورة للمنطقة وربط الظاهرة بالزلزال، وسط مخاوف من احتمال وجود نشاط بركاني أو جيولوجي جديد في المنطقة.
إلا أن الأهالي الذين تحدثوا إلى عنب بلدي قالوا إن تفسير الظاهرة لا يزال غير واضح، وإن ما شاهدوه اقتصر على أبخرة ودخان خفيف لفترة قصيرة، مع وجود ملاحظات سابقة لانبعاثات متقطعة في المنطقة.
وقال حمد العلي، من قرية رحية النعمة القريبة من جبل كوكب، لعنب بلدي، إن الانبعاثات الأخيرة ظهرت بعد الهزة الأرضية التي وقعت في 24 أيلول، واستمرت لفترة وجيزة قبل أن تتوقف.
وأوضح العلي أن ما شاهده الأهالي كان دخانًا أبيض خفيفًا يخرج من إحدى النقاط القريبة من الجبل، وليس من فوهته أو سفحه، مشيرًا إلى أن التربة المحيطة بمكان الانبعاث، ضمن نطاق يراوح بين متر ومتر ونصف تقريبًا، كانت ساخنة أثناء تصاعد الدخان.
وأضاف أن بعض أقاربه الذين كانوا يرعون أغنامهم في المنطقة قالوا إن هذه الانبعاثات لم تكن جديدة بالكامل، إذ سبق لهم أن شاهدوا دخانًا يخرج من المنطقة على مراحل متقطعة خلال الأسابيع الماضية.
جبل ذو تكوينات بركانية
يرتبط جبل كوكب بذاكرة سكان المنطقة وتاريخها المحلي، إذ يعرف الأهالي الجبل منذ سنوات بوصفه موقعًا ذا طبيعة بركانية، واستخدمت أحجاره في بناء عدد من المنازل القديمة في القرى المحيطة ومدينة الحسكة.
وقال جاسم العكلة، من قرية الخراب، لعنب بلدي، إن سكان القرى المحيطة ومدينة الحسكة استخدموا الحجارة البركانية الموجودة في الجبل في أعمال البناء.
وأوضح العكلة أن عددًا من الأبنية القديمة المتبقية في المنطقة شيدت بالحجارة السوداء التي كانت تؤخذ من محيط الجبل، وهو ما جعل التكوينات البركانية جزءًا معروفًا من المشهد العمراني المحلي.
وتقع المنطقة، بحسب المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية، ضمن نطاق الحقل البركاني في شمال شرقي سوريا، الذي يتميز بتكوينات بركانية وتراكيب جيولوجية وتكتونية متداخلة.
ولا يعني وجود هذه التكوينات، وفق المعطيات التي أعلنتها المؤسسة، أن الانبعاثات الأخيرة تمثل عودة إلى نشاط بركاني، إذ ما تزال أسباب الظاهرة قيد الدراسة الميدانية، ولم تصدر المؤسسة نتيجة نهائية تحدد طبيعة الأبخرة أو مصدرها.
روايات متعددة حول مصدر الأبخرة
تداول سكان المنطقة خلال الأيام الماضية تفسيرات مختلفة للظاهرة، في ظل عدم صدور نتائج نهائية للدراسة الجيولوجية.
وقال العلي إن المنطقة المحيطة بجبل كوكب معروفة بوجود آبار للمياه، ويصفها سكان المنطقة بأنها من المناطق التي تحتوي على مياه جوفية نقية، مشيرًا إلى وجود كميات كبيرة من المياه الجوفية في محيط الجبل.
وربط العلي بين هذه المعطيات وبين الاحتمالات التي يمكن أن تفسر الأبخرة، لكنه شدد على أن الأهالي لا يملكون معلومات علمية تمكنهم من تحديد السبب.
وقال إن بعض الأهالي يشعرون بالخوف نتيجة الإشاعات الكثيرة التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكنه لا يرى، بناء على ما شاهده في المنطقة، ما يدعو إلى القلق في الوقت الحالي.
وأضاف أن الأبخرة ربما تكون مرتبطة باحتراق بقايا نفايات أو مخلفات موجودة في المنطقة، كما لم يستبعد وجود علاقة بالاستخدام العسكري السابق للموقع، أو بدور للمياه الجوفية الموجودة بكميات كبيرة في محيط الجبل.
من جهته، أشار العكلة إلى وجود عوامل أخرى في المنطقة قد تكون ذات صلة عند دراسة الموقع، موضحًا أن محيط جبل كوكب شهد خلال السنوات الماضية استخدامًا عسكريًا للأسلحة الثقيلة.
وقال إن قرب الجبل يوجد “فوج كوكب”، وهو موقع عسكري كان تابعًا للنظام السوري السابق، واستخدمت مدفعياته خلال سنوات الثورة في قصف مناطق من ريف الحسكة الجنوبي وحي غويران في مدينة الحسكة، قبل أن تسيطر “قوات سوريا الديمقراطية” على الموقع عقب سقوط النظام.
وأضاف أن المنطقة تضم كذلك مكب نفايات قديمًا يقع إلى الشمال الغربي من الجبل، وهو مكب معروف لدى سكان المنطقة وقريب من موقع الانبعاثات التي ظهرت مؤخرًا.
وأشار العكلة إلى أن هذه العوامل تجعل تحديد مصدر الأبخرة بحاجة إلى فحص ميداني، خصوصًا أن المشاهدات التي سجلها السكان لا تكفي وحدها لتحديد طبيعة الظاهرة أو أسبابها.
الجيولوجيا تدخل على خط الظاهرة
أعلنت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية، أمس السبت، أنها تتابع الظواهر التي شهدتها منطقة جبل كوكب من خلال فريق فني مختص بالمسح والتنقيب والدراسات الجيولوجية.
وقالت المؤسسة إن الظواهر التي رصدتها في المنطقة تتمثل بتصاعد أبخرة من بعض المواقع، إلى جانب ظهور عدد من الانخسافات في التربة والتشققات في سطح الأرض.
وأوضحت أن التعامل مع مثل هذه الظواهر الجيولوجية يعتمد على المعاينة الميدانية والقياسات العلمية المتخصصة، مشيرة إلى أن أي استنتاجات نهائية ستعتمد بعد استكمال الدراسة الفنية التي يجريها فريق المسح والتنقيب.
وبحسب المؤسسة، فإن المعطيات الأولية تشير إلى أن جبل كوكب يقع ضمن نطاق الحقل البركاني في شمال شرقي سوريا، وهي منطقة تتميز بتكوينات بركانية وتراكيب جيولوجية وتكتونية متداخلة.
وتشير الدراسة الأولية، وفق المؤسسة، إلى احتمال ارتباط تصاعد الأبخرة بحركة المياه الجوفية وتسربها عبر الشقوق والفوالق إلى أعماق الأرض، لكنها أكدت أن تحديد طبيعة الأبخرة والغازات المتصاعدة ومصدرها يحتاج إلى قياسات ميدانية متخصصة.
انخسافات وتشققات تحت الدراسة
لا تقتصر الظاهرة التي تتابعها المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية على الأبخرة، إذ قالت إن فرقها رصدت كذلك عددًا من الانخسافات في التربة وتشققات في سطح الأرض.
وتعمل الفرق المختصة، بحسب المؤسسة، على دراسة طبيعة التربة والصخور والتكوينات الواقعة تحت سطح الأرض، والتحقق من وجود فراغات أو مناطق ضعف يمكن أن تكون مرتبطة بالانخسافات والتشققات.
وتعتزم المؤسسة إعداد تقرير فني متكامل بعد استكمال أعمال المسح والتحليل، على أن يتضمن النتائج والاستنتاجات والتوصيات المتعلقة بالموقع.
تحذير من الاقتراب
في ظل استمرار الدراسة، أوصت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية بالابتعاد عن مواقع الانخسافات والتشققات وعدم الاقتراب من حوافها، إلى جانب وضع إشارات وشريط تحذيري حول المواقع المتأثرة لمنع الاقتراب منها.
كما أوصت بعدم السماح بمرور الأشخاص أو الآليات في المواقع التي تظهر فيها مؤشرات على عدم استقرار سطح الأرض، وإجراء قياسات متخصصة للغازات والأبخرة المتصاعدة للتأكد من طبيعتها وتراكيزها.
وتشمل الإجراءات المقترحة أيضًا تنفيذ مسح جيوفيزيائي متكامل للكشف عن الفراغات والتجاويف ومناطق الضعف الموجودة تحت سطح الأرض، إلى جانب استمرار المراقبة الميدانية وتوثيق أي تغيرات أو ظواهر جديدة.
وبينما ينتظر سكان المنطقة نتائج الدراسة الفنية، تبقى طبيعة الانبعاثات التي ظهرت قرب جبل كوكب غير محسومة، في وقت تشير المعطيات الرسمية الأولية إلى احتمال ارتباطها بحركة المياه الجوفية عبر الشقوق والفوالق، مع استمرار فحص التربة والتكوينات الجيولوجية في الموقع.
أما الأهالي، فيشيرون إلى مشاهدات سابقة للانبعاثات، وإلى وجود عوامل أخرى في محيط الجبل، بينها المياه الجوفية والمكب القديم والاستخدام العسكري السابق، بانتظار أن تحدد القياسات الميدانية مصدر الأبخرة وطبيعتها وما إذا كانت الانخسافات والتشققات مرتبطة بها.
