وفاة التشكيلي مصطفى نجيبة.. عقود من التجريب بحثًا عن لغة خاصة

  • 2026/09/30
  • 9:48 ص
الفنان التشكيلي السوري مصطفى الراشد نجيبة - 18 حزيران 2024 (الفن التشكيلي السوري)

الفنان التشكيلي السوري مصطفى الراشد نجيبة - 18 حزيران 2024 (الفن التشكيلي السوري)

enab_get_authors_shortcode

توفي الفنان التشكيلي السوري مصطفى الراشد نجيبة، عن عمر ناهز 85 عامًا، الثلاثاء 29 من أيلول، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود، تنقّل خلالها بين الواقعية والتعبيرية والتجريد، وارتبطت أعماله بصورة وثيقة بمدينة حماة وبيئتها الشعبية والإنسانية.

ونعى اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا الفنان الراحل، معتبرًا رحيله “خسارة للحركة التشكيلية السورية”، ولا سيما في حماة.

وقال الاتحاد في بيان، إن الراحل كان “قامة سامقة”، مشيدًا بتجربته الفنية  التي تركت بصمة واضحة في الفن التشكيلي السوري ‏والعربي.

من هو نجيبة؟

ولد نجيبة في حماة عام 1941، ويعود أول عمل فني معروف له إلى عام 1962، حين رسم وجهه أمام المرآة.

وبعدها بثلاث سنوات، درس الفن في مركز “سهيل الأحدب للفنون التشكيلية” في حماة عام 1965، لتبدأ مرحلة طويلة من التعلم والتجريب والعمل على تطوير أدواته الخاصة.

لم يبدأ نجيبة من قاعات العرض أو المراسم، بل من حياة عملية بسيطة في مدينته، إذ عمل في شبابه بائعًا للخضار في سوق الهال بحماة، قبل أن تتبلور علاقته بالفن وتتخذ مسارًا أكثر انتظامًا.

حماة.. المكان الذي رافق تجربته

لم تكن حماة بالنسبة إلى نجيبة مجرد مكان للعيش، بل تحولت إلى مادة بصرية رافقته طوال مسيرته.

ظهرت المدينة في لوحاته من خلال النواعير والحارات القديمة والظواهر الشعبية والشخصيات التي تنتمي إلى بيئتها، كما حضرت شخصيات العامل والفلاح والحرفي ضمن أعماله، أحيانًا بصورة مباشرة وأحيانًا من خلال معالجة رمزية.

وكانت إقامته وعمله في حماة القديمة عاملًا أساسيًا في هذا الحضور، فالمكان لم يدخل إلى اللوحة بوصفه منظرًا منقولًا فحسب، وإنما تسرب إلى تجربته عبر الذاكرة والانطباع والأشكال والألوان.

وفي أحد معارضه، الذي ضم نحو أربعين لوحة، ظهرت هذه العلاقة بوضوح، إذ جمع أعمالًا تنتمي إلى مراحل ومدارس مختلفة، بينها الواقعية والتجريد، مع حضور واضح لبيئة حماة في الموضوعات والمفردات البصرية.

من الواقع إلى التجريد

لا يمكن اختزال تجربة مصطفى الراشد نجيبة في مدرسة فنية واحدة. فمسيرته قامت على التنقل بين الواقعية والتعبيرية والتجريد، ولم يكن هذا الانتقال قطيعةً حادة بين مرحلة وأخرى، بقدر ما كان نتيجةً لتجربة طويلة في البحث عن الطريقة التي يستطيع من خلالها التعبير عن أفكاره ومشاعره.

التجريد كان من أبرز المحطات التي طوّر فيها نجيبة لغته الخاصة.

في أعماله التجريدية، ابتعد عن نقل الشكل كما تراه العين، واتجه إلى تفكيك العناصر وإعادة تركيبها من خلال اللون والخط والكتلة والفراغ والرمز.

ومع الوقت، أصبح التجريب جزءًا أساسيًا من طريقته في بناء اللوحة، وصولًا إلى استخدام تقنيات وخامات غير تقليدية.

وما يميز تجربته، استخدام القهوة في الرسم، إلى جانب الفرشاة، ومزج الألوان بطرق مختلفة.

فلم يكن التجريد عنده مجرد حذف للتفاصيل الواقعية، بل بحثًا في إمكانات اللون والخامة والعلامة البصرية.

وكان نجيبة يتعامل مع العمل الفني بوصفه مساحةً مفتوحة للتجربة، فاللوحة قد تبدأ من فكرة أو مشهد واقعي، لكنها لا تبقى بالضرورة أسيرة ذلك المشهد، بل يمكن أن تتحول أثناء العمل إلى تكوين مختلف، يحمل أثر الواقع دون أن يكرره حرفيًا، حسبما قال في إحدى لقاءاته الإعلامية.

وهذا ما يفسر حضور البيئة الحموية حتى في أعماله التجريدية، فالنواعير والحارات والشخصيات الشعبية لم تكن دائمًا بحاجة إلى أن تظهر بصورة واضحة حتى تكون حاضرة، إذ يمكن أن تتحول إلى خطوط أو كتل أو رموز وألوان تستعيد المكان بصورة أكثر اختزالًا.

التجريب بدل التكرار

امتدت تجربة نجيبة الفنية لعقود، وخلالها لم يتوقف عند أسلوب واحد.

تنوعت أدواته ومواده وأحجام لوحاته، واشتغل على تطوير تجربته من خلال التدريب والممارسة الذاتية، إلى جانب الدراسة الأولى التي تلقاها في مركز سهيل الأحدب.

وكان هذا التنوع واضحًا في معارضه التي جمعت أعمالًا من مراحل مختلفة، إذ ظهرت إلى جانب الأعمال الواقعية والتعبيرية أعمال تجريدية تقوم على التكوين واللون والرمز.

هذه الرحلة الطويلة جعلت التجريب عنصرًا أساسيًا في تجربته، وهو ما انعكس على طريقة تعامله مع اللوحة، فالفنان بالنسبة إليه لا يفرض دائمًا شكلًا محددًا على العمل منذ بدايته، وإنما يمكن للعمل نفسه أن يقوده إلى النتيجة النهائية.

الإنسان والذاكرة في اللوحة

إلى جانب المكان، بقي الإنسان حاضرًا في أعمال نجيبة.

تناولت لوحاته شخصيات ذات حضور في الحياة الشعبية، من العمال والفلاحين والحرفيين، كما اشتغل على البورتريه، لكنه لم يتعامل معه دائمًا بوصفه نقلًا فوتوغرافيًا لملامح الشخص.

الشخصية عنده كانت يمكن أن تتحول إلى رمز للبيئة أو لحالة اجتماعية أو إنسانية، وهو ما فتح المجال أمام انتقالها من الواقعية إلى المعالجة التعبيرية أو التجريدية.

وبذلك حافظت تجربته على صلة بين الشكل والمضمون، فاللوحة قد تتغير لغتها البصرية، لكن الإنسان والمكان والذاكرة ظلوا من بين العناصر التي تعود إليها.

معرضه الأخير.. سوريا في اللوحة

في عام 2025 أقام نجيبة معرضًا فرديًا في صالة اتحاد الفنانين التشكيليين بحماة بعنوان “تحية لبلدي المحرر”، ضم أكثر من 35 لوحة بمقاسات مختلفة.

تناولت الأعمال آثار السنوات السورية السابقة، وما طال الإنسان والمكان من دمار، مستخدمًا الألوان والرصاص، إلى جانب أنماط جديدة في الرسم وألوان أكثر انفتاحًا على التفاؤل والانسياب.

كان المعرض امتدادًا لاهتمامه بالبيئة والإنسان، لكنه حمل أيضًا تجربة السنوات الأخيرة إلى داخل اللوحة، لتصبح الأحداث والتحولات الاجتماعية والسياسية مادةً فنية، سواء بصورة مباشرة أو من خلال الرمز.

وبذلك بقيت اللوحة عند نجيبة مرتبطة بالحياة المحيطة به، حتى عندما اتجه إلى التجريد، فالابتعاد عن الشكل الواقعي لم يعنِ الابتعاد عن الواقع نفسه.

ستة عقود في المشهد التشكيلي

شارك مصطفى الراشد نجيبة خلال مسيرته في العديد من المعارض الفردية والجماعية داخل سوريا وخارجها، كما شارك في نشاطات فنية أقيمت في المراكز الثقافية والصالات الفنية.

واقتُنيت أعمال له في المتحف الوطني بدمشق ولدى جهات عامة وخاصة، لتبقى أعماله جزءًا من مقتنيات فنية تتجاوز نطاق تجربته المحلية في حماة.

وبين أول بورتريه رسمه لنفسه أمام المرآة عام 1962، ومعرضه الأخير عام 2025، امتدت رحلة طويلة تجاوزت ستة عقود، لم يبحث فيها نجيبة عن أسلوب ثابت بقدر ما بحث عن لغة بصرية تتغير معه وتتسع لتجربته.

مقالات متعلقة

  1. من فرقة أمية إلى الإخراج.. محمد شيخ نجيب
  2. قيس الشيخ نجيب سفيرًا لـ"يونسيف" في سوريا
  3. نقابة الفنانين السوريين تنعى أنطوانيت نجيب
  4. علي سرميني.. نهاية رحلة فنان تشكيلي سوري

فن وثقافة

المزيد من فن وثقافة