ميّة الرحبي
بدت الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة وكأنها نقطة تاريخية فاصلة، يتم فيها رسم ملامح جديدة للسياسة العالمية، حيث اتضح فيها صراع بيّن بين توجهين متنافرين يسيطران على السياسة العالمية، يصارع كل منهما للفوز بقيادة العالم ومستقبل البشرية.
افتتح غوتيرش الدورة بصرخة يائسة تدعو إلى إنقاذ النظام الدولي المتمثل بالأمم المتحدة، الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، مذكرًا بالميثاق الأساسي للأمم المتحدة الذي يدعو إلى إحلال الأمن والسلام، والحفاظ عليه، وحماية البشرية جمعاء من ويلات الحروب. مشيرًا بذلك إلى الدول التي لم تلتزم بتلك العهود، وعلى رأسها اليوم الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، اللتان ضربتا بعرض الحائط كل القوانين الدولية. كما حذر غوتيريش من المخاطر الأخرى التي تهدد البشرية جمعاء، كالتغير المناخي، والتطور غير المنضبط للذكاء الصناعي.
لقد أطلق غوتيرش وهو على أعتاب نهاية ولايته كأمين عام للأمم المتحدة صرخة استغاثة، دون أن يطرح حلولاً جدّرية يمكن أن تنقذ الأمم المتحدة، بصفتها المكان الوحيد الذي يجمع دول العالم، ومن المفترض أن يحافظ على الأمن والسلام، ويقي البشرية من الآثار المدمرة للحروب الحديثة. دعا غوتيريش إلى إجراءات تلطيفية بائسة، فبدل الدعوة إلى إلغاء العضوية الدائمة في مجلس الأمن وحق النقض (الفيتو)، وتوسيع صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجعلها الجهة الوحيدة التي يحق لها إصدار قرارات تتعلق بالأمن والسلام الدوليين، اكتفى بالدعوة إلى توسيع العضوية الدائمة لمجلس الأمن بضم القارة الأفريقية، وكأنها كتلة واحدة، وليست مجموعة من البلدان المستقلة المتمايزة. ورغم ذلك يحسب له أنه دعا إلى تعددية قطبية مترابطة، في مواجهة سياسات قطبية متفردة متناحرة.
في المقابل ألقى ترامب كلمته أمام الجمعية العامة بما يتناقض مع كلّ ما طرحه غوتيريش، مشيرًا بعنجهية وبفخر إلى إنجازاته العسكرية في كاراكاس واعتقال مادورو، ثم ما سماه بالاتفاق النفطي، الذي يعني الاستيلاء على نفط فنزويلا بالقوة، وكذلك الاستيلاء على غرينلاند، واضطهاد المهاجرين، بلغة مستهترة سفيهة هوجاء، تدعس القانون الدولي بقدميها، كما سخر مما ورد في خطاب غوتيرش عن التحذيرات المناخية، أو التطور غير المنضبط للذكاء الصناعي، ودعا الدول بكل وقاحة للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. والخلاصة أنه أعلن بوضوح، أنه وبقيادته الشخصية، أخرج الولايات المتحدة من الاجماع الدولي، وحللها من كل التزاماتها به، بما يضمر إعلانه نظام قطب واحد مسيطر غير عابئ بالتعددية القطبية المترابطة التي دعا إليها غوتيرش. ولاشك أن دعوته للرئيس الصيني شي جين بينج للقاء قمة في واشنطن في نفس توقيت انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة له دلالته بأن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية برئاسته تتصرف بشكل منفرد ومنفصل عن الإجماع الدولي، حتى ولو كانت الزيارة قد أبقت على الهدنة التجارية الهشة بين البلدين، ولم تحسم الكثير من الملفات الخلافية، وحتى ولو كانت الصين تؤكد رسميًا أن الأمم المتحدة “المنصة الأساسية للحوكمة العالمية” وتدافع عن التعددية القطبية، ولازالت تعتبر نفسها جهة فاعلة سواء في مجلس الأمن أم في تجمع البريكس، الذي يحاول أن يوجد جسمًا اقتصاديًا يمكن أن يساهم في التعددية القطبية غير المتناحرة.
جاءت خطابات رؤساء آخرين مناهضة للخطاب المتعجرف لترامب، فدعا الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا إلى نظام عالمي خالٍ من الهيمنة الغربية، أكثر ديمقراطية وعدلاً، وخالٍ من ازدواجية المعايير، علماً أن البرازيل عضو هام مؤسس للبريكس.
وظهر الافتراق الأوربي الأمريكي واضحًا في خطاب ماكرون، الذي أوضح أهمية الحفاظ على الدور الأوربي في تسوية الأزمات، وهاجم سياسات الولايات المتحدة، واستخدم في خطابه القضية الفلسطينية والإبادة الجماعية كدلالة على خرق جميع القوانين الدولية من قبل إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم الإلتزام بالقانون الدولي. ودعا إلى ضرورة إعادة ضبط الأمور في إطار الشرعية الدولية.
وقد ظهرت هذه الدعوة للعودة إلى القطبية المتعددة المترابطة التي دعا إليها غوتيريش في خطابات العديد من الرؤساء ومندوبي الدول، ولعل الخطاب الذي كان أكثر صدقاً وإنسانية هو خطاب سانشيز الذي دافع فيه عن حرية واستقلال الشعوب، وحق كل البشر في العيش بسلام وأمان.
وكما هي العادة استخدم الكثير من رؤساء الدول هذا المنبر الدولي ليس للمساهمة بحل مشاكل العالم بقدر ما هو منبر دعائي لحملاتهم الانتخابية القادمة في بلدانهم، حتى لبدا في بعض الأحيان أنهم غير معنيين بقضايا الشعوب وحقها في الأمن والسلام، كما هو مفترض أن يكون الغرض من هذه الفعالية، بقدر التأثير على ناخبي بلدانهم.
أما فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، فقد تبارى كل من ترامب ونتنياهو بالوقاحة والصفاقة والكذب المفضوح في تبرير اعتداءاتهما على شعوب المنطقة، رغم أن نتنياهو حاول في خطابه إيراد سلسلة أكاذيب تصنّع فيها دور الضحية، دون أن يكون كلامه مقنعًا حتى لمن تبقى في القاعة بعد انسحاب وفود حوالي 77 دولة احتجاجاً على جرائمه.
كما ورد في خطابات الكثير من رؤساء ومندوبي الدول تنديد وتجريم للإبادة الجماعية التي حدثت في غزة، سواء كان ذلك تعاطفًا إنسانيًا حقيقيًا أم بهدف الهجوم على الولايات المتحدة وسياساتها التي لا تخفي نيتها في رسم خطوط شرق أوسط جديد، دعمًا لحليفتها إسرائيل أو ابتزازًا لدول الخليج الغنية.
بالنسبة لسوريا فقد ألقى الرئيس الشرع كلمة مختصرة أكّد فيها على أن سوريا دخلت مرحلة التعافي وإعادة بناء الدولة، مع توحيد الجيش وحصر السلاح وبدء مسار العدالة الانتقالية وعودة أكثر من 3.5 مليون نازح ولاجئ، ومشروع “صفر مخيمات”. كما أكد أن سوريا استعادت حضورها وعلاقاتها الدولية وبدأت تنشيط اقتصادها وأن سوريا عنصر استقرار إقليمي. بما يعطي صورة وردية لاتعكس تماما حقيقة الواقع الاقتصادي المتردي، والواقع السياسي والاجتماعي الحافل بالتعقيدات والإشكالات والفوضى.
كما أكد وحدة جميع الأراضي السورية، وأن الجولان أرض سورية، وطالب بانسحاب إسرائيل واحترام اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 والسيادة السورية، دون التطرق إلى القضية الفلسطينية والإبادة الجماعية في غزة.
وقد رد عليه نتنياهو ردًا غيبيًا غبيًا، لا يتناسب لا مع العصر الحاضر، ولا مع السياسية الدولية، بل مع الأوهام والأكاذيب التي روجت لها الصهيونية بقوله “ينبغي أن تعلم أن اليهود كانوا موجودين في مرتفعات الجولان منذ أيام موسى. يمكنك أن تقرأ ذلك في الكتاب المقدس”. وكأن حدود الدول الحالية في كل مكان في العالم هي الحدود التي رسمتها التوراة، وإذا كان الأمر كذلك فماذا عن الولايات المتحدة الأمريكية التي أبادت سكان البلاد الأصليين وأقامت دولتها منذ حوالي مائتي عام فقط؟، إذا لم نرغب أصلًا في الحديث عن تاريخ القضية الفلسطينية وعدالتها.
كما أوضح بعض الرؤساء وعلى رأسهم ماكرون استنكارهم وتنديدهم بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في غزة والضفة الغربية، وكذلك بالتوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري، فقد رفض في خطابه فكرة أن أمن إسرائيل يبرر انتهاك سيادة الدول المجاورة، ثم انتقل مباشرة إلى سوريا قائلًا إن السيادة يجب أن تكون لسوريا، وإن عليها أن تستعيد سيادتها ووحدتها بالكامل.
ركّز الملك عبد الله الثاني في كلمته بصورة خاصة على التوسع الإسرائيلي في جنوب سوريا، وفرض وقائع جديدة، والسيطرة على الموارد المائية، وربطه مباشرة بأمن الأردن.
وأوضح أمير قطر تميم بن حمد أن ما يحدث في سوريا هو جزء من سياسة إسرائيلية إقليمية أوسع، وقال صراحة إنها تحتل أراضٍ سورية إضافية وتضمها عمليًا إلى المنطقة التي تسيطر عليها في الجولان.
واكتفى أردوغان بالقول إن سوريا تسير نحو أن تصبح دولة آمنة ومستقرة “رغم جميع أشكال الاستفزازات الداخلية والخارجية”، ثم أكد أن تركيا ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب السوري، ولم يشر بشكل صريح إلى الصراع الخفي بين تركيا وإسرائيل على مناطق النفوذ في المنطقة ومن بينها سوريا، والذي تبدى مؤخراً في قصف إسرائيل لمطار أبو الظهور.
ومن المؤسف أن تخلو كلمة الشرع من ذكر مأساة غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة رغم ارتباطها الوثيق بالتوغلات الإسرائيلية للأراضي السورية، وبالقصف الإسرائيلي الذي لم يتوقف، منذ الأسبوع الذي تلا سقوط النظام والذي دمرت فيه إسرائيل ما تبقى من سلاح لدى الجيش السوري، وانتهاء بالغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور، ومن المؤسف أكثر أن قابل عباس ذلك في كلمته بإغفال التجاوزات الإسرائيلية وتوغلاتها في الجنوب السوري.
سواء ذكرنا ذلك علنًا أم أغفلناه لاعتبارات سياسية تتعلق بالمفاوضات العلنية أو السرية، فقضيتنا واحدة، ولا يمكن فصم عرى الارتباط بين القضية الفلسطينية التي تعيش في وجدان كل سوري، وسوريا التي يعتبر أمنها واستقرارها مفتاح استقرار المنطقة، الذي يمكن أن يستند إليه الحل العادل الشامل للقضية الفلسطينية، وعودة الحق والأمان والسلام لكل سوري أو فلسطيني.
أما بالنسبة لحقوق النساء فلم تكن منسية في خطابات بعض الكلمات التي ألقيت.
فقد خصص غوتيريش جزءًا أساسيًا من حديثه عن اختلال توزيع السلطة عالميًا، قائلًا إن عدم المساواة بين النساء والرجال هو “أكثر أشكال عدم المساواة شمولًا”، وتحدث عن التمييز والعنف والإقصاء والتراجع عن حقوق النساء، وربط مشاركة النساء مباشرةً بسلام أكثر استدامة، واقتصادات ومؤسسات أكثر فاعلية. كما أشار إلى تحقيق الأمم المتحدة التكافؤ بين الجنسين في مواقع قيادية وموظفين مهنيين.
وكان بيدرو سانشيز الأكثر صراحة في طرح القضية من منظور نسوي وسياسي، فدعا إلى أن تتولى امرأة من أميركا اللاتينية منصب الأمين العام للأمم المتحدة للمرة الأولى، واعتبر غياب النساء عن هذا المنصب “دينًا تاريخيًا”. كما قال إن النسوية كانت من أهم قوى التغيير والتقدم في القرن الماضي، وتحدث عن أهمية مناهضة العنف والتمييز ضد النساء، وضرورة عدم التراجع عن مسار المساواة.
وتحدث رئيس منغوليا أوخنا خورلسوخ صراحة عن تعزيز المساواة الجندرية، وزيادة تمثيل النساء في مواقع صنع القرار، وتقوية القيادة السياسية للنساء، وخصص لذلك فقرة كاملة من خطابه، ثم تحدث عن منتدى عالمي للبرلمانيات تستضيفه منغوليا في أكتوبر، وقال إن الغاية منه تعزيز القيادة السياسية للمرأة والتعاون البرلماني، وإن بلاده ستواصل دعم القيادة والمشاركة الاجتماعية والسياسية للنساء على جميع المستويات.
كما أكّد رئيس ليبيريا جوزيف بواكاي بإن “المساواة الجندرية تظل أساسية”، وضرورة الالتزام بالمساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكاملة للنساء والفتيات.
وتحدث رئيس إستونيا ألار كاريس عن التزام بلاده بحقوق المرأة والمساواة الجندرية، بما في ذلك الحقوق الصحية والإنجابية.
وتحدثت رئيسة بلغاريا إليانا يوتوفا عن المشاركة المتساوية للنساء والفتيات في العمليات المجتمعية، وربطتها بأجندة المرأة والسلام والأمن.
وطالبت رئيسة ناميبيا نيتومبو ناندي- ندايتواه بمشاركة النساء في صنع القرار، بما يشمل منع النزاعات، وتسويتها، وإعادة الإعمار، وبناء السلام.
ودعا رئيس هيئة الرئاسة في البوسنة والهرسك دينيس بيتشيروفيتش صراحة إلى النهوض بحقوق النساء والأطفال، وتعزيز المساواة الجندرية.
كما حذّر رئيس الوزراء الايرلندي ميشال مارتن من التراجع في حقوق المرأة والمساواة الجندرية، وركز على حرمان النساء في أفغانستان من التعليم والعمل والحياة العامة.
وركّز رئيس وزراء بنغلادش طارق رحمن على تعليم النساء وتشغيلهن وريادة الأعمال والتمكين الاقتصادي، وقال إن النساء في صلب خطط التحول الاجتماعي والاقتصادي.
والسؤال المطروح اليوم هل ستسهم نهضة نسوية، تشرك النساء إشراكًا فعالًا في رسم سياسات دول العالم، في تطوير سياسات مستقبلية تضمن الأمن والسلام والحرية والحقوق والكرامة لشعوب الأرض كافة، والوقوف في وجه السياسات الساعية إلى ترسيخ أنظمة قطبية متفردة تحكم العالم بالقوة والسلاح والحروب؟
لن يكون الجواب محسومًا بالوقت، بل بقناعة القيادات السياسية أن السياسات القطبية المتناحرة ستقود البشرية إلى مستقبل مظلم، بل ربما إلى الفناء، إذا لم يتم تدارك الحضارة الإنسانية ذلك، بإشراك جميع طاقات البشر في قيادة مجتمعاتها، بما يحفظ حق كل إنسان يعيش على هذا الكوكب بالعيش بحرية وأمان وسلام وكرامة.
