“الأحوال المدنية” متوقفة بالحسكة.. عائلات تنتظر تسجيل مواليدها

  • 2026/10/02
  • 3:44 م
مركز مؤقت يتبع لمديرية الشؤون المدنية خلال مقابلات التجنيس في الحسكة – 26 تموز 2026 (عنب بلدي)

مركز مؤقت يتبع لمديرية الشؤون المدنية خلال مقابلات التجنيس في الحسكة – 26 تموز 2026 (عنب بلدي)

enab_get_authors_shortcode

في الثانية من عمره، بدأ يوسف يميز الوجوه والأصوات من حوله، لكنه لا يزال بلا قيد مدني رسمي. ولد الطفل في محافظة الحسكة، لكن والده عبد الحميد المحمد لم يتمكن حتى الآن من تسجيل واقعة ولادته، بسبب استمرار توقف دوائر الأحوال المدنية في المحافظة.

وقال عبد الحميد، لعنب بلدي، إنه راجع أكثر من جهة خلال الفترة الماضية للاستفسار عن إمكانية تسجيل ابنه، لكنه لم يجد طريقًا واضحًا لإنجاز المعاملة، مضيفًا أن المشكلة لا تتعلق بإثبات ولادة الطفل بقدر ما تتعلق بعدم وجود دائرة أحوال مدنية تعمل في المنطقة التي يقيم فيها.

وأضاف أن مرور الوقت يزيد من صعوبة المشكلة بالنسبة إلى الأسرة، إذ إن الطفل يكبر من دون أن تكتمل أوراقه الرسمية، بينما لا يعرف والده موعدًا محددًا يمكن خلاله تسجيل الواقعة في الحسكة.

قصة يوسف ليست حالة منفردة في المحافظة، إذ توقفت دوائر الأحوال المدنية (النفوس)، عن تسجيل الوقائع الجديدة في المدن الرئيسة بالحسكة، في ظل استمرار ترتيبات إعادة تفعيل المؤسسات الحكومية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة.

وبحسب مدير الشؤون المدنية في الحسكة، عزيز المحيمد، فإن آخر توثيق للمواليد الجدد في دوائر الأحوال المدنية بالمحافظة كان في 5 من كانون الأول 2024، أي قبل ثلاثة أيام من سقوط النظام السابق في 8 من كانون الأول.

ومنذ ذلك التاريخ، توقفت الدوائر والمؤسسات الحكومية في عدد من مناطق المحافظة عن العمل، لتتراكم معاملات المواطنين المرتبطة بالولادات والزواج وغيرها من وقائع الأحوال المدنية.

زواج بلا بطاقة عائلية

قبل نحو عام، بدأ فواز المحمود حياة زوجية جديدة، لكنه لم يتمكن حتى الآن من توثيق زواجه رسميًا أو الحصول على بطاقة عائلية تجمع بيانات أسرته.

قال فواز، لعنب بلدي، إن الزواج تم قبل نحو عام، لكن الإجراءات التي يفترض أن تترتب عليه بقيت معلقة بسبب عدم وجود جهة محلية قادرة على استكمال تسجيل الواقعة.

وأضاف أن عدم الحصول على وثيقة تثبت الزواج يضع الأسرة التي تنتظر مولودها الأول أمام مشكلات عملية، خصوصًا مع ارتباط عدد من المعاملات الخدمية بوجود بيانات مدنية محدثة وبطاقة عائلية.

وأشار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند عدم امتلاكه بطاقة عائلية، بل تمتد إلى عدم معرفته بالجهة التي يمكن أن يتوجه إليها لإنهاء المعاملة، في ظل استمرار إغلاق دوائر الأحوال المدنية في مدن المحافظة.

وقال إن الانتظار طوال هذه المدة جعل تسجيل واقعة الزواج يتحول من إجراء إداري يفترض أن يتم خلال فترة قصيرة إلى معاملة مؤجلة لا يعرف موعد إنجازها.

وتشمل المشكلة، بحسب مدير الشؤون المدنية في الحسكة، عشرات آلاف الأشخاص الذين تأثروا بتوقف الدوائر، ولم يتمكنوا من تسجيل واقعات الزواج والولادات وغيرها.

ويربط فواز استمرار المشكلة بعاملين رئيسين، هما إغلاق الدوائر وعدم وجود شبكة تربطها بالمنظومة المركزية، مشيرًا إلى أن إعادة استئناف العمل مرتبطة باستكمال مراحل دمج المؤسسات في المحافظة.

رحلة إلى دمشق لتسجيل مولود

بالنسبة إلى عبد الله سليمان، لم يكن الانتظار خيارًا متاحًا. عندما بلغ ابنه الصغير نحو عام ونصف العام، اضطر الأب إلى السفر من الحسكة إلى دمشق لمحاولة توثيق واقعة الولادة.

وقال عبد الله لعنب بلدي، إن الرحلة لم تكن مجرد انتقال إلى العاصمة لإنجاز معاملة، بل تطلبت تحمل تكاليف السفر والإقامة لعدة أيام، فضلًا عن الوقت الذي اضطر إلى اقتطاعه من عمله وحياته اليومية.

وأضاف أن وجود مولود صغير في الأسرة جعل تأخير تسجيل الواقعة مصدر قلق مستمرًا، خصوصًا أن إثبات الولادة يرتبط بالعديد من الإجراءات والوثائق التي يحتاج إليها الطفل والأسرة مستقبلًا.

وقال عبد الله، إن المشكلة بالنسبة إليه كشفت جانبًا آخر من تعطل المؤسسات، إذ إن المعاملة التي كان يفترض أن تنجز في مدينته تحولت إلى رحلة طويلة إلى دمشق بسبب عدم توفر إمكانية تسجيل الواقعة الجديدة في الحسكة.

مدير الشؤون المدنية في الحسكة، عزيز المحيمد، قال إن دوائر الشؤون المدنية تمكنت منذ مدة قصيرة من افتتاح “كوّة” في العاصمة دمشق لأتمتة الوقائع الموجودة في الحسكة والمؤرشفة ورقيًا.

وبحسب المحيمد، تمنح الشؤون المدنية المراجع صورًا عن الوثائق الموجودة في الأرشيف والتي تخصه، ضمن بريد يحمله المواطن شخصيًا إلى دمشق بهدف أتمتة هذه الوثائق.

لكن هذا الإجراء لا يحل مشكلة الوقائع الجديدة التي لا يوجد لها أصل ورقي في أرشيف الحسكة، إذ يجب تسجيلها عبر دمشق أو دير الزور، وهو ما يضيف تكاليف وأعباء على المواطنين، وفق المحيمد.

عشرات آلاف المعاملات المعلقة

قال المحيمد، لعنب بلدي، إن عدد المتأثرين بتوقف تسجيل الوقائع الجديدة في المحافظة وصل إلى عشرات الآلاف، نتيجة استمرار إغلاق دوائر الأحوال المدنية في المدن الرئيسة.

ولا تقتصر المشكلة على الولادات، إذ تشمل وقائع الزواج وغيرها من المعاملات التي يحتاج إليها السكان لإثبات أو تحديث بياناتهم المدنية.

وتزداد صعوبة الوصول إلى الخدمات المدنية في ظل اتساع المسافة بين المحافظة والعاصمة، وارتفاع تكاليف السفر والإقامة بالنسبة إلى المواطنين الذين لا يستطيعون إنجاز معاملاتهم محليًا.

ويرى عبد الحميد المحمد أن تسجيل ولادة الطفل يجب أن يكون إجراء متاحًا في مكان إقامة الأسرة، لا أن يتحول إلى رحلة بحث عن جهة قادرة على إدخال واقعة الولادة إلى السجل المدني.

أما فواز المحمود، فيربط مشكلته بغياب الوضوح بشأن الجهة المسؤولة عن إنجاز معاملته، قائلًا إن المواطن يحتاج إلى معرفة المكان الذي يمكنه مراجعته والوثائق التي ينبغي أن يحملها والمدة التي تستغرقها المعاملة.

وفي حالة عبد الله سليمان، تحولت المعاملة إلى عبء مالي مباشر، بعدما اضطر إلى السفر إلى دمشق والإقامة فيها عدة أيام حتى يتمكن من متابعة تسجيل واقعة ولادة ابنه.

وتعكس الحالات الثلاث جانبًا من مشكلة أوسع ترتبط باستمرار تعطل المؤسسات الحكومية الخدمية في المحافظة، بينها الأحوال المدنية والمحاكم المركزية والسجلات العقارية، إلى جانب مؤسسات ودوائر أخرى.

وكانت عنب بلدي وثّقت عبر تقارير سابقة استمرار إغلاق عدد من هذه المؤسسات رغم مرور أشهر على بدء مسار الدمج، في وقت بقيت معاملات مواطنين معلقة، مع استمرار عدم وضوح الجهة التي يمكن مراجعتها لإنجاز بعض الخدمات.

الدمج لا يعني عودة فورية للمؤسسات

يرتبط وضع الأحوال المدنية في الحسكة بالمسار الأوسع لإعادة تنظيم المؤسسات في المحافظة، بعد التغيرات السياسية والميدانية التي شهدتها منذ نهاية عام 2024.

فبعد سقوط النظام السابق في 8 من كانون الأول 2024، سيطرت “قسد” المنحلّة على كافة المنشآت والمؤسسات الحكومية في مدينتي الحسكة والقامشلي، بينما خرجت المؤسسات الرسمية تابعة للحكومة المركزية عن العمل في مناطق سيطرتها، ما أدى إلى واقع إداري متشابك في المحافظة.

وفي مطلع عام 2026، تغيرت خريطة السيطرة في المحافظة، مع سيطرة الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الريف الغربي، مقابل بقاء “قسد” في المدن الرئيسة، بينها الحسكة والقامشلي.

وفي 29 من كانون الثاني، اتفقت الحكومة السورية و”قسد” على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن هياكل الدولة، وبدأت خطوات تنفيذ الاتفاق بصورة تدريجية في شباط.

وشملت خطوات الدمج قطاعات صحية وخدمية وإدارية، مع استمرار الترتيبات المتعلقة بعدد من المؤسسات والملفات العالقة.

لكن مرور الأشهر لم يؤدِّ إلى إعادة جميع المؤسسات إلى العمل بالوتيرة نفسها. وبقيت ملفات، بينها القضاء والسجلات المدنية والعقارية، مرتبطة بترتيبات الدمج واستلام المؤسسات وتحديد آليات تشغيلها.

موعد العودة غير محدد

بالنسبة إلى سكان الحسكة الذين ترتبط معاملاتهم بالدوائر المغلقة، لا تزال المشكلة مرتبطة بموعد عودة المؤسسات إلى العمل بصورة كاملة.

وقال مدير الشؤون المدنية في الحسكة، إنه لا موعد أكيدًا حتى الآن لإعادة افتتاح دوائر النفوس وتقييد الوقائع الجديدة، لكنه أشار إلى وجود أمل باستئناف العمل خلال الفترة المقبلة، بعد استكمال مراحل الدمج.

وفي الوقت نفسه، يستمر المواطنون في التعامل مع حلول جزئية، بينها مراجعة دمشق أو دير الزور بالنسبة إلى بعض الوقائع الجديدة، أو نقل وثائق الأرشيف الورقية من الحسكة إلى دمشق لأتمتتها.

وبينما ينتظر عبد الحميد تسجيل ابنه الذي بلغ عامه الثاني، وفواز توثيق زواجه والحصول على بطاقة عائلية، يحاول عبد الله تجاوز المشكلة التي واجهها عبر السفر إلى دمشق لتسجيل ولادة ابنه، تبقى معاملات عشرات آلاف السكان مرتبطة بعودة دائرة واحدة إلى العمل: الأحوال المدنية.

مقالات متعلقة

  1. من "مكتوم" إلى "مجهول".. لا خيار آخر لأطفال السوريات من أب "مهاجر"
  2. إغلاق المؤسسات الرسمية يعطل معاملات الأهالي في الحسكة
  3. مكتومو قيد في درعا.. ظاهرة بحاجة إلى حلول
  4. مسلوبو الوجود.. مكتومو القيد بلا حقوق في حلب

خدمات محلية

المزيد من خدمات محلية