مع اقتراب فصل الشتاء، بدأت أسر محدودة الدخل في محافظة الحسكة بالبحث عن بدائل لتأمين التدفئة، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع القدرة على شراء المازوت، بالتزامن مع غياب مخصصات التدفئة التي كانت تحصل عليها العائلات خلال السنوات الماضية.
وتدفع الظروف المعيشية الصعبة عددًا من الأهالي إلى شراء الحطب بكميات متفرقة، بينما تلجأ أسر أخرى، خاصة في الأرياف، إلى جمع مواد مختلفة قابلة للاشتعال، بينها مخلفات الأشجار وروث الحيوانات والملابس والأحذية القديمة والصناديق والفلين، لاستخدامها في مدافئ الحطب.
وقال فوزي الصالح، من مدينة الحسكة، إن الظروف المعيشية دفعته إلى شراء كميات متفرقة من الأخشاب لتأمين التدفئة، لعدم قدرته على شراء كامل احتياجات أسرته من المازوت.
وأضاف أن تأمين وقود التدفئة بات يشكل عبئًا إضافيًا على أسرته، في وقت لا يكفي فيه الدخل اليومي لتغطية الاحتياجات الأساسية، مشيرًا إلى أن شراء الحطب بكميات محدودة أصبح بالنسبة إليه وسيلة لتخفيف تكلفة التدفئة خلال الشتاء.
ويشير الأهالي إلى أن المشكلة لا تتعلق بسعر مادة التدفئة فقط، وإنما بقدرتهم على تأمين الكمية اللازمة طوال أشهر الشتاء، إذ تحتاج الأسرة إلى مئات الليترات من المازوت، ما يجعل تكلفة التدفئة مرتفعة مقارنة بمداخيل معظم الأسر محدودة الدخل.
“ما يتوفر من مواد قابلة للاشتعال”
قال حمد المطلق، من ريف الحسكة، إن ارتفاع تكاليف التدفئة دفع عددًا من الأسر في المنطقة إلى الاعتماد على الحطب وما يتوفر لديها من مواد قابلة للاشتعال.
وبحسب حمد، لا تملك جميع الأسر القدرة على شراء الحطب أو المازوت بالكميات التي تحتاج إليها، لذلك تلجأ بعض العائلات إلى جمع روث الحيوانات والأخشاب ومخلفات محاصيل القطن، إضافة إلى الملابس القديمة والصناديق والفلين وغيرها، واستخدامها في المدافئ.
ولا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار التدفئة على الأسر التي تشتري الوقود، إذ بدأت خلال الأسابيع الأخيرة تظهر اعتداءات على أشجار في بعض الحدائق والأحراش بهدف الحصول على الحطب، وفق الناشط الاجتماعي حسام عبد المجيد.
وقال عبد المجيد لعنب بلدي، إن أسعار الحطب تختلف بحسب نوع الخشب والمنطقة، إذ يبلغ سعر طن حطب الزيتون في بعض المناطق نحو ستة ملايين ليرة.
ويبلغ سعر طن السنديان والصنوبر نحو 55 ألف ليرة سورية جديدة، مقابل نحو 15 ألف ليرة لطن السرو، ونحو 27 ألف ليرة لطن اللوز، بحسب عبد المجيد.
ويرى عبد المجيد أن ارتفاع أسعار الحطب إلى جانب ارتفاع أسعار المازوت يجعل تأمين التدفئة تحديًا حقيقيًا للأسر محدودة الدخل، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء.
وأضاف أن الأهالي يدركون الأضرار الصحية الناتجة عن حرق بعض المواد غير المخصصة للتدفئة، لكن ضيق الحال يدفع بعضهم إلى استخدامها لتوفير الحد الأدنى من الدفء لأسرهم.
غياب مخصصات التدفئة
كانت العائلات في محافظة الحسكة تحصل خلال السنوات الماضية على مخصصات من مازوت التدفئة عبر بطاقات كانت تصدرها “الإدارة الذاتية”، بمعدل 300 ليتر لكل عائلة، وبسعر 1100 ليرة سورية قديمة، أي ما يعادل 11 ليرة سورية جديدة.
وكانت عمليات التوزيع تبدأ عادة خلال شهر تموز، ما يتيح للأسر تأمين جزء من احتياجاتها قبل حلول فصل الشتاء.
لكن هذه المخصصات توقفت هذا العام في ظل التغيرات التي شهدتها المحافظة منذ بداية 2026، وما رافقها من انتقال تدريجي للمؤسسات الخدمية إلى هياكل الحكومة السورية.
وفي ظل غياب المخصصات، باتت الأسر مطالبة بتأمين احتياجات التدفئة من السوق، في وقت ارتفعت فيه أسعار المحروقات مقارنة بالسنوات السابقة.
أسعار المازوت
كانت وزارة الطاقة في الحكومة السورية رفعت، في 13 من أيلول الماضي، أسعار المشتقات النفطية، ليصل سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة سورية جديدة، بينما بلغ سعر بنزين أوكتان 95 نحو 195 ليرة، وأوكتان 90 نحو 185 ليرة.
وبعد احتجاجات شهدتها مناطق سورية عدة، بدأت من محافظة الحسكة، أعلنت وزارة الطاقة في 17 من أيلول التوجه إلى طرح أنواع مختلفة من المازوت بأسعار متفاوتة.
وقال وزير الطاقة محمد البشير حينها إن الوزارة أقرت مقترحًا لطرح مازوت مدعوم بسعر 115 ليرة سورية جديدة لليتر، مخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، إلى جانب مازوت بسعر 150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية، مع استمرار بيع المازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة.
انتظار المحروقات المدعومة
بالنسبة إلى الأهالي، الذين تحدثوا لعنب بلدي، يبقى التحدي مرتبطًا بموعد وصول المازوت المدعوم وآلية توزيعه والفئات المشمولة به، ومدى قدرته على تخفيف أعباء التدفئة قبل دخول فصل الشتاء.
وتأتي هذه الأزمة في محافظة شهدت خلال العام الحالي تغيرات في السيطرة والإدارة، إذ سيطر الجيش السوري على أجزاء واسعة من الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الريف الغربي، بينما بقيت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” متمركزة في مدن رئيسة، بينها الحسكة والقامشلي.
وفي 29 كانون الثاني، اتفقت الحكومة السورية و”قسد” على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن مؤسسات الدولة، وبدأ تنفيذ الاتفاق تدريجيًا منذ شباط.
وبينما تستمر ترتيبات إعادة تنظيم المؤسسات والخدمات في المحافظة، تواجه الأسر استحقاقًا مباشرًا مع اقتراب الشتاء: تأمين وسيلة تدفئة تستطيع تحمل كلفتها، في ظل محدودية الدخل وارتفاع أسعار الوقود والحطب.
