عنب بلدي – شعبان شاميه
تفرض المعلمات الإناث حضورًا طاغيًا في صفوف بعض المراحل الدراسية داخل سوريا، إذ بات وجود المعلم الرجل، وتحديدًا في التعليم الابتدائي، استثناء لا قاعدة.
ورغم أن هذا الواقع قد يُعزى إلى الظروف التي مرت بها سوريا، فإن التدقيق في المشهد يكشف أنها ظاهرة عالمية لا تقتصر على المدارس السورية، إذ تستأثر النساء دوليًا بالنصيب الأكبر من تدريس المراحل الدراسية المبكرة.
وتفتح هذه الظاهرة نقاشًا مجتمعيًا وتربويًا واسعًا، فبينما يحذر اختصاصيون من أثر غياب “التمثيل الذكوري” وما يتركه من فراغ في التنشئة النفسية والاجتماعية المتوازنة، يرى آخرون أن ما يُعرف بـ”تأنيث التعليم” في المراحل الأولى يعد ضرورة تربوية ونفسية وانفعالية لا غنى عنها لتكوين شخصية إيجابية للطفل.
فاتورة التجنيد والاغتراب
في ممرات إحدى مدارس محافظة طرطوس، حيث أمضى سنوات معلمًا للغة العربية، كثيرًا ما غمر خالد حمدوش شعور حاد بالعزلة، امتد من قاعة الاجتماعات حتى دقائق الاستراحة اليومية، وفق ما قاله في حديث إلى عنب بلدي.
وينقل حمدوش في توصيفه لهذه التجربة ملامح “فجوة خفية لكنها عميقة”، قطعت حبال التواصل بينه وبين السواد الأعظم من زميلاته المعلمات، وهو واقع فرض عليه حذرًا وتحفظًا مستمرَّين في التعامل، وحوّل المواقف اليومية العفوية إلى عبء إضافي يستنزف منه جهدًا مضاعفًا لبناء شبكة دعم مهني أو نفسي متوازنة.
ويرى المدرّس أن هذه الفجوة لم تكن وليدة المصادفة، بل نتاج ظروف ضاغطة ومرحلة حرجة عاشها القطاع التعليمي، حين أُجبر كثير من المعلمين الشباب على الانقطاع عن التدريس، سواء بالهجرة أو لتفادي السَّوق إلى الخدمة العسكرية الإلزامية أو الاحتياطية آنذاك.
وصمة المهنة “غير الذكورية”
يُرجع حمدوش جذور هذا الشعور إلى الغياب القسري للزملاء الذكور، الذي ترك فراغًا كبيرًا استُبدل سريعًا بالحضور النسوي، لافتًا من واقع تجربته وملاحظاته إلى أن ما وصفها بـ”الهيمنة الأنثوية” على المدارس تحولت بدورها في بعض الأحيان إلى عامل طرد جديد.
ودفعت تلك الظروف مَن تبقى من الشباب إلى هجر المهنة عمدًا، تفاديًا للضغوط المهنية والنفسية والاجتماعية التي يواجهها المعلم الذكر عندما يجد نفسه معزولًا في بيئة عمل أنثوية، فضلًا عن النظرة المجتمعية القاصرة التي باتت تصنف التدريس أحيانًا كمهنة “غير ذكورية”.
ورغم هذه التعقيدات، أكد حمدوش أن الإنصاف يقتضي النظر إلى الجانب الإيجابي في العملية التربوية والتعليمية، مبينًا من واقع خبرته أن العنصر النسائي أثبت جدواه وفاعليته إلى حد كبير في مرحلة التعليم الأساسي.
ففي هذه السنين المبكرة من عمر التلميذ، تتفوق المعلمة في احتوائه وتأسيسه مستندة إلى عاطفة الأمومة وقدرتها على التعامل مع الفئات العمرية الصغيرة، وهي ميزة يعتقد أنها قد تفقد بريقها أو تتراجع أهميتها في المراحل اللاحقة التي تتطلب تنوعًا وتوازنًا أكبر بين الجنسين في الكادر التدريسي.
حضور طاغٍ في “الابتدائي”.. توازن بالشمال
في تقرير نشرته منظمة “مساواة” السورية المستقلة، بلغت نسبة المدرّسات 67% في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي (الابتدائي) عام 2005، في حين وصلت نسبتهن في المرحلتين الإعدادية والثانوية إلى 49%، وتراجعت بشكل طفيف إلى 47% في قطاعي التعليم المهني الثانوي والمعاهد المتوسطة.
وفي تقرير “المدارس في الشمال السوري- 2024” الصادر عن “وحدة تنسيق الدعم” (ACU)، والذي شمل تقييم منشآت تعليمية في شمال شرقي سوريا وغربها، بما في ذلك الحسكة والرقة ودير الزور وإدلب وريفا حلب الشرقي والشمالي، بلغ إجمالي الكوادر التدريسية فيها 51,557 مدرسًا ومدرّسة.
وأظهر التقرير أن الإناث يشكّلن 51% من هذا الكادر بواقع 26,113 معلمة، مقابل 49% للذكور بواقع 25,444 معلمًا.
ولفت التقرير إلى الأهمية البالغة لتحقيق التوازن الجندري بين الجنسين داخل الكوادر التدريسية والإدارية، وتحديدًا في المدارس المختلطة.
كيف يقيس التربويون “تأنيث التعليم”؟
يجد اختصاصي القياس والتقويم التربوي والنفسي في كلية التربية بجامعة “اللاذقية” الدكتور سومر برغل، أن ظاهرة “تأنيث مهنة التعليم” المتصاعدة تستدعي دراسة علمية متأنية، لرصد الآثار المحتملة لاختلال التوازن بين الجنسين داخل البيئة التعليمية، مشددًا في الوقت ذاته على أن هذا الطرح لا يقلل إطلاقًا من كفاءة المعلمات.
وفي سياق تحليله للأبعاد التربوية، قال برغل في حديث إلى عنب بلدي، إن غياب المعلمين الذكور يفرض جملة من التحديات، أبرزها انخفاض تنوع القدوات أمام المتعلمين ولا سيما في بعض المراحل، فضلًا عن محدودية الأنماط التفاعلية والتواصلية وإدارة الصف، واحتمال ضعف تمثيل بعض الخبرات الاجتماعية التي قد يقدمها المعلمون الذكور.
وحذر برغل من أن هذا التراجع الكبير قد يكرس صورة نمطية مغلوطة تختزل التعليم في كونه “مهنة نسائية”، ما يضعف جاذبيتها لدى الشباب مستقبلًا.
ومن منظور علمي، يرى الباحث التربوي أنه لا يمكن القول بتفوق مطلق لأحد الجنسين في أساليب التفكير أو التدريس، معتبرًا أن الفروق الفردية والتخصص والخبرة والتدريب والشخصية المهنية، هي عوامل ينبغي قياس أثرها بصورة مستقلة.
تكامل الأدوار وتقييم الأداء
يطرح برغل رؤية معالجة مفادها أن الحل لا يكمن في استبدال جنس بآخر، بل في تحقيق قدر مناسب من التنوع والتوازن المهني، واستعادة جاذبية مهنة التعليم للذكور، بالتوازي مع تعزيز التدريب المشترك، واعتماد أدوات قياس صادقة وثابتة لتقييم أثر هذا التنوع في التحصيل والنمو النفسي والاجتماعي للمتعلّمين.
من منظور القياس والتقويم أيضًا، يعتبر برغل أن النقاش لا ينبغي أن يُبنى على افتراض أن جنس المربي يمثل بحد ذاته مؤشرًا على جودة الأداء، فالقدرة المهنية والتربوية هي متغيرات يجب قياسها بأدوات موضوعية ذات صدق وثبات، بعيدًا عن الأحكام المسبقة المرتبطة بالجنس.
كما خلص إلى أن طرح مسألة التوازن بين الحضور النسائي والذكوري يمكن دراسته بوصفه سؤالًا يبحث في أثر تنوع النماذج التربوية على المتغيرات التعليمية والنفسية والاجتماعية للمتعلمين.
وقال إن الإجابة عن هذا التساؤل إلى جانب معرفة أثر غياب القدوة الذكورية أو وجودها، تتطلب إجراء دراسات مقارنة وتجريبية تضبط المتغيرات وتعتمد على مؤشرات قابلة للقياس، بدلًا من افتراض النتائج مسبقًا.
مكتسبات نفسية وتنظيمية
يرى اختصاصي علم النفس الصحي والأستاذ في كلية التربية بجامعة “اللاذقية” الدكتور فؤاد صبيره، في حديث إلى عنب بلدي، أن ظاهرة “تأنيث التعليم” تنطوي على أبعاد إيجابية جوهرية تخدم البيئة التعليمية والتعلمية، لا سيما في المرحلة العمرية الحرجة للطفل التي تتشكل فيها شخصيته وتتبلور قدراته العقلية والنفسية.
ويعزو هذا الأثر إلى أن “تأنيث التعليم” يشكّل امتدادًا طبيعيًا للبيئة المنزلية، مما ينعكس إيجابًا على تنشئة الطفل الاجتماعية وقيمه الأخلاقية، فالغريزة الفطرية للمرأة، وقدرتها العالية على الصبر والتحمّل، تمنحها مرونة تجعلها الأقرب إلى طبيعة التلميذ، الأمر الذي يسهّل انتقاله السلس من دفء الأسرة واستقرارها إلى البيئة المدرسية.
وفي السياق ذاته، لفت صبيره إلى أن المعلمات يبدين قدرة أكبر على إظهار العطف والمسايرة وضبط المشاعر واحتوائها، وهي متطلبات نفسية أساسية يحتاج إليها الطفل في سنواته الدراسية الأولى لبناء شعوره بالأمان والثقة والقدرة على التعبير عن نفسه.
وإلى جانب هذه المكتسبات النفسية والوجدانية، تثبت نتائج الدراسات والأبحاث الميدانية تميزًا تربويًا وتنظيميًا للمعلمات، يتجسد في انضباطهن العالي، والتزامهن الدقيق بخطط المناهج الدراسية، وإدارة البيئة الصفية بكفاءة، فضلًا عن المتابعة اليومية الحثيثة لشؤون التلاميذ والطلبة.
الوجه الآخر للإفراط في “تأنيث التعليم”
ينتقل اختصاصي علم النفس الصحي إلى زاوية تحليلية مغايرة، فبالرغم من المزايا السابقة، يعتبر أن الإفراط في “تأنيث التعليم” يولّد تحديات بنيوية وتربوية، يأتي في مقدمتها اختلال التوازن الجندري.
ويحرم غياب المعلمين الذكور معظم الطلاب من محاكاة البيئة المجتمعية الخارجية، فضلًا عن الصعوبة التي تواجهها المعلمات في التعامل مع المشكلات المرتبطة بمرحلة المراهقة، وما ينتج عنها من سلوكيات غير تكيفية أو غير مقبولة اجتماعيًا قد تتطلب حزمًا وضبطًا خاصًا.
وفيما يخص الآثار النفسية لهذه الظاهرة، شدد صبيره على أن غياب القدوة الذكورية يؤثر سلبًا على النمو النفسي للتلاميذ الذكور وسلوكياتهم المرتبطة بالنوع الاجتماعي، لا سيما لدى الأطفال الذين يفتقدون الآباء بسبب الوفاة أو الطلاق.
