الحسكة – محمد جفال
لا يحتاج سكان الحسكة إلى مناسبة كبيرة لسماع أصوات الرصاص في أحياء المدينة، إذ تحولت الأعيرة النارية التي تُطلق في الهواء، سواء خلال الاحتفالات أو المناسبات الاجتماعية أو نتيجة خلافات فردية، إلى مصدر خطر متكرر يهدد المدنيين.
وخلال الأشهر والسنوات الماضية، سجلت مدينة الحسكة حوادث متكررة أدت إلى مقتل وإصابة مدنيين برصاص طائش، بينهم أطفال، في وقت لم تنجح الإجراءات الأمنية والتحذيرات المتكررة في إنهاء الظاهرة التي ترتبط، إلى جانب سلوك إطلاق النار في المناسبات، بانتشار السلاح بين الأهالي وتعدد الجهات الأمنية والعسكرية التي تولت السيطرة على المنطقة.
وكان آخر ضحايا هذه الظاهرة طفلين في حيي مشيرفة وتل حجر بمدينة الحسكة، في حادثتين أعادتا ملف الرصاص العشوائي إلى واجهة المخاوف اليومية لدى الأهالي.
وتأتي هذه الحوادث في وقت تمر فيه محافظة الحسكة بمرحلة أمنية وإدارية انتقالية، مع استمرار تنفيذ ترتيبات دمج المؤسسات والقوات التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلة ضمن مؤسسات الدولة السورية، بعد سنوات من سيطرتها العسكرية والأمنية في المحافظة.
حوادث متكررة
تكررت حوادث إصابة المدنيين بالرصاص العشوائي في الحسكة خلال العام الحالي، ففي آذار الماضي، قتل شخصان، بينهما طفل، وأصيب ثمانية آخرون بجروح متفاوتة نتيجة إطلاق رصاص طائش شهدته مدن الحسكة والقامشلي وعامودا خلال احتفالات عيد النوروز، وكان من بين المصابين لاعب نادي الجهاد الرياضي علي عصام شيخموس.
وفي نيسان، توفي الطفل عبد الرزاق الدبزي، البالغ من العمر خمسة أعوام، متأثرًا بإصابته برصاصة طائشة في حي العمران بمدينة الحسكة، في حادثة أثارت مطالب باتخاذ إجراءات أكثر حزمًا للحد من إطلاق النار العشوائي.
كما شهدت المدينة، في أيار، حادثة أخرى قتل فيها طفل بالخامسة من عمره، إثر إصابته برصاصة طائشة خلال إطلاق نار احتفالي، في وقت تحدثت مصادر عن إصابات أخرى نتيجة إطلاق النار في مدينتي الحسكة والقامشلي.
وسبق ذلك، في أيلول 2025، إصابة رضيع يبلغ من العمر تسعة أشهر برصاصة طائشة في حي المفتي بمدينة الحسكة، إذ اخترقت الرصاصة كتفه واستقرت في أسفل بطنه بعد مرورها عبر الرئة، بحسب مصدر طبي آنذاك.
وتكشف هذه الحوادث، على اختلاف ظروفها، عن مشكلة لا تقتصر على إطلاق النار خلال مناسبة بعينها، وإنما تتكرر في أوقات مختلفة، ما يجعل السكان عرضة للرصاص حتى خلال وجودهم في منازلهم أو في الشوارع والأماكن العامة.
ويزداد خطر الرصاص الطائش في المدن المكتظة، إذ لا يمكن للشخص الذي يطلق النار في الهواء تحديد المكان الذي ستسقط فيه الرصاصة بعد عودتها إلى الأرض، بينما يكون المدنيون في الأحياء السكنية الطرف الأكثر تعرضًا لنتائج هذا السلوك.
“رصاصة واحدة تكفي”
يرى صالح عبيد، أحد سكان مدينة الحسكة، أن استمرار سقوط المدنيين ضحايا للرصاص العشوائي يعني أن المشكلة تجاوزت حدود التصرف الفردي وأصبحت قضية أمن مجتمعي.
وقال صالح لعنب بلدي، إن إطلاق النار في الهواء خلال المناسبات بات سلوكًا يعرفه سكان المدينة منذ سنوات، لكن تكرار الإصابات والوفيات، ولا سيما بين الأطفال، يستوجب التعامل معه باعتباره مخالفة خطرة لا مجرد عادة اجتماعية.
وأضاف أن الحد من الظاهرة يحتاج إلى إجراءات أمنية واضحة ومشددة، تبدأ بمنع إطلاق النار في المناسبات ومحاسبة المخالفين، إلى جانب مراقبة أماكن الاحتفالات والتجمعات التي عادة ما تشهد إطلاق الأعيرة النارية.
ويعتبر صالح أن ترك السلاح في متناول المدنيين من دون ضوابط كافية يزيد من احتمالات استخدامه بصورة خاطئة، مشددًا على ضرورة معالجة انتشار السلاح بالتوازي مع تشديد العقوبات على استخدامه بصورة تعرض حياة الآخرين للخطر.
مناسبات تتحول إلى مصدر خوف
لا يقتصر إطلاق الرصاص على المناسبات العامة، إذ يمكن أن يظهر خلال الأعراس، واحتفالات النجاح، وخروج المعتقلين، وبعض المناسبات العائلية والاجتماعية، إلى جانب حالات إطلاق النار الناتجة عن خلافات فردية.
وكانت حوادث الرصاص العشوائي خلال مناسبات مختلفة في الحسكة والقامشلي قد تسببت خلال العام الحالي في سقوط قتلى وجرحى مدنيين، بينهم أطفال، وهو ما دفع إلى تجدد المطالب الشعبية بمنع إطلاق النار في المناسبات.
وقال شهاب الأحمد، من سكان الحسكة، لعنب بلدي، إن المشكلة لا يمكن حلها من خلال حملات التوعية وحدها، لأن السكان “يعرفون أصلًا خطورة الرصاص الذي يطلق في الهواء”، لكن استمرار الظاهرة يرتبط بضعف الردع ووجود كميات كبيرة من الأسلحة بين السكان.
ويرى شهاب أن الأجهزة الأمنية مطالبة بالتدخل بصورة مباشرة في المناسبات التي يتوقع أن تشهد إطلاق نار، مع فرض إجراءات مسبقة على أصحاب الصالات وأماكن الاحتفالات، ومنع إدخال السلاح إليها، ومحاسبة أي شخص يطلق النار داخل المدينة.
وأشار إلى أن معالجة الظاهرة يجب أن تترافق مع خطة أوسع لضبط السلاح الموجود لدى المدنيين، معتبرًا أن استمرار انتشار السلاح يجعل أي خلاف عائلي أو اجتماعي قابلًا للتحول خلال دقائق إلى حادث إطلاق نار.
وتزامنت حوادث الرصاص العشوائي الأخيرة مع مرحلة انتقالية تشهدها محافظة الحسكة على المستويين الأمني والعسكري، ففي مطلع العام الحالي، شهدت المحافظة تغيرات ميدانية واسعة، مع انتقال السيطرة الحكومية إلى أجزاء واسعة من أرياف الحسكة، مقابل بقاء “قسد” في المدن الرئيسة، ومن بينها الحسكة والقامشلي.
تعدد الجهات والسلاح
يربط الناشط عبد الرزاق العباس، في حديث إلى عنب بلدي، بين استمرار ظاهرة الرصاص العشوائي وبين عوامل أمنية واجتماعية تراكمت خلال الفترة الماضية.
وقال العباس، إن المحافظة تعيش واقعًا أمنيًا متعدد الجهات، مع اختلاف مناطق النفوذ والمسؤوليات، وهو ما انعكس على قدرة الجهات الأمنية على فرض قواعد موحدة لضبط السلاح داخل المدن.
وأضاف أن المرحلة الحالية، التي يجري خلالها تنفيذ عملية دمج القوات والمؤسسات، تحتاج إلى إجراءات واضحة تضمن توحيد المرجعية الأمنية وتحديد الجهة المسؤولة عن ضبط السلاح والمخالفات داخل المدن.
وبرأيه، فإن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة مطلقي النار بعد وقوع الإصابات، بل يجب أن تبدأ بالوقاية، من خلال مراقبة الحفلات والمناسبات والتجمعات التي يمكن أن تشهد إطلاق النار، وإلزام منظميها باتخاذ إجراءات تمنع حمل السلاح أو استخدامه.
كما يرى ضرورة سن قوانين وعقوبات رادعة بحق من يطلق النار بصورة عشوائية، مع تطبيقها بصورة منتظمة، إلى جانب وضع آليات للتعامل مع الأسلحة المنتشرة بين المدنيين.
ويعتبر العباس أن استمرار وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الأمنية والعسكرية يمثل عامل خطر إضافيًا، خصوصًا في المدن التي تشهد كثافة سكانية وتداخلًا بين الأحياء السكنية ومناطق النشاط التجاري والاجتماعي.
معالجة أوسع من العقوبة
رغم أن تشديد العقوبات يمثل أحد الإجراءات الممكنة للحد من إطلاق النار، فإن إنهاء الظاهرة يحتاج، بحسب الآراء المطروحة، إلى معالجة الأسباب التي تسمح باستمرارها، وفي مقدمتها انتشار السلاح وضعف الرقابة على المناسبات وعدم وضوح المسؤوليات الأمنية خلال المرحلة الانتقالية.
وتشير الحوادث المسجلة خلال العام الحالي إلى أن المدنيين، وخاصة الأطفال، يدفعون ثمن هذا الواقع، إذ لا يرتبط سقوط الرصاص بمكان إطلاقه بقدر ارتباطه بمكان وجود الشخص الذي تصيبه الرصاصة.
وفي مدينة الحسكة، التي عاشت سنوات من التوتر الأمني وتعدد القوى المسيطرة، تبدو عملية توحيد المرجعية الأمنية وضبط السلاح جزءًا أساسيًا من معالجة ظاهرة الرصاص العشوائي.
ومع استمرار تنفيذ ترتيبات الدمج، يبقى اختبار قدرة الجهات الأمنية على فرض قواعد موحدة داخل المدن مرتبطًا أيضًا بملفات الحياة اليومية، ومنها حماية السكان من السلاح المنفلت، ومنع تحول المناسبات الاجتماعية إلى مصدر جديد لسقوط الضحايا.
