طرطوس – شعبان شاميه
أطلقت مؤسسة “شمعة” للتنمية مشروع “الذهب الأخضر السوري” برعاية محافظة طرطوس وبالتعاون مع مديرية الزراعة، في خطوة تهدف إلى إنعاش التنمية الريفية، وفتح آفاق اقتصادية جديدة للمزارعين عبر تشجيع زراعة النباتات الطبية والعطرية وتطويرها.
جاء ذلك خلال فعالية أُقيمت في قرية المرانة بريف بانياس، إذ أعلن نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة “شمعة” للتنمية، أحمد حرب، في حديث إلى عنب بلدي، أن المشروع يستهدف 22 قرية في قطاع ناحية العنازة بمحافظة طرطوس.
كما شهدت الفعالية تركيزًا موسعًا على أهمية التوجه نحو “الإنتاج العضوي” لنباتات الزوبعة والميرمية والغار والزعتر، إضافة إلى البردقوش والبطم، لما يحققه من حفاظ على جودة المنتج، وضمان سلامة المستهلك، وتعزيز فرص تسويقه في الأسواق المهتمة بالمنتجات الطبيعية والعضوية.
ويسعى المشروع، وفقًا لحرب، إلى بناء سلسلة قيمة متكاملة والتحول نحو هذا النمط الزراعي كبديل بيئي واقتصادي مستدام، بما يضمن حماية التربة والموارد الطبيعية، ويدعم الزراعة المستدامة، فاتحًا آفاقًا لأسواق تصديرية واعدة أمام المنتجات السورية عالية الجودة.
وقال نائب رئيس مجلس الإدارة لعنب بلدي، إن النباتات المستهدفة بالزراعة تنمو بريًا في المنطقة أصلًا، وتتميز بمقاومة عالية للتطرف المناخي السائد حاليًا من جفاف أو غزارة أمطار، مبينًا أن قرية المرانة اختيرت لتكون نقطة الارتكاز بين جميع القرى المستهدفة نظرًا إلى موقعها الجغرافي المتوسط وارتفاعها المناسب.
المرحلة الأولى 275 دونمًا
في سياق الخطوات التنفيذية، كشف حرب عن عقد اجتماع موسع مع المعنيين في تلك القرى لشرح التفاصيل الإجرائية الخاصة بالمشروع، مشيرًا إلى أن الخطط الأولية تستهدف نحو 25 مستفيدًا مباشرًا في كل قرية، ليصل إجمالي المستفيدين المباشرين في المرحلة الأولى إلى 550 مستفيدًا كمتوسط عام.
وبالنظر إلى طبيعة المنطقة، أضاف حرب أنه بحساب متوسط أفراد العائلة الواحدة بخمسة أفراد، فإن إجمالي المستفيدين غير المباشرين من المشروع سيتجاوز 2750 مستفيدًا من أفراد تلك العائلات.
أما فيما يخص الحسابات الأولية للمساحات المزروعة، فقد بيّن أن تقدير وسطي المساحة لكل مستفيد بنحو 500 متر مربع، يعني أن إجمالي المساحات التي ستدخل في عمليات الإنتاج العضوي تبلغ 275 دونمًا كحد أدنى.
تحديات سابقة وحلول اقتصادية
حول واقع هذه الزراعة، استعرض حرب وضع القرى المستهدفة التي كانت تنتج تلك النباتات سابقًا بشكل عشوائي وغير منظّم، ما جعل المحصول غير منافس عالميًا، واضطر المزارعون لبيعه محليًا عبر وسطاء بأسعار زهيدة لا تغطي التكاليف، الأمر الذي دفعهم للعزوف عنها والتوجه نحو زراعات تستنزف البيئة ومواردها الطبيعية مثل التبغ.
وبناء على ذلك، قال إن مشروع “الذهب الأخضر” جاء ليدعم المزارع في إنتاج محصول عضوي يطابق المواصفات العالمية ويفتح أبواب التصدير، بما يضمن تحقيق عائد اقتصادي أعلى ينعكس إيجابًا على المجتمع المحلي في ريف بانياس، لافتًا إلى أن انتشار هذه الزراعة سيخلق فرص عمل جديدة للسكان من خلال مشاريع غذائية وصناعية مرافقة لها، مثل إنتاج العسل وصناعة الصابون.
شروط ميسرة لبيئة مستدامة
في إطار تقييمه لأبعاد المشروع، وصف حرب هذه المرحلة بأنها تشكل “خطوة إيجابية ملموسة” نحو التوجه الشامل لتبني الزراعة العضوية لجميع المحاصيل والمنتجات، بما يضمن الحصول على منتج غذائي عالي الجودة، ويحافظ على استدامة البيئة عبر نشر هذه الثقافة وتعميقها بين المزارعين.
وعن شروط الانضمام والاستفادة من المشروع، أكد أن المعايير سهلة ومبسطة لتشجيع أكبر عدد من المزارعين على المشاركة، إذ تتلخص في امتلاك الأرض أو الحيازة الزراعية المناسبة، إلى جانب توفر رغبة حقيقية في العمل، والالتزام التام بمعايير الإنتاج العضوي.
كما أشار حرب إلى أن الخطط المستقبلية للمؤسسة تتجه نحو التوسع، فبعد تقييم التجربة الحالية ودراسة نقاط قوتها وضعفها، سيتم بناء نموذج ناجح وقابل للتعميم، يبدأ تطبيقه أولًا على مستوى محافظة طرطوس، ومن ثم ينطلق ليشمل جميع أنحاء سوريا.
معايير صارمة وعقود للتصدير
عن آليات بناء سلسلة القيمة المتكاملة من الزراعة حتى التسويق، قال حرب إن المؤسسة تبدأ بترشيح المستفيدين بالتعاون مع المجتمع المحلي والجهات ذات الصلة، لإعداد قوائم اسمية وبناء قاعدة بيانات مشتركة بين الشركاء، لتنتقل بعدها إلى تحليل التربة ودراسة مواءمتها للزراعات العضوية، ومن ثم تزويد المزارعين بالشتول اللازمة وتوفير عمليات الإشراف والتدريب حتى جني المحصول وتسويقه.
وشدد على أن عملية التسويق مشروطة بحصول المحصول على ثلاث شهادات كحد أدنى لضمان الجودة، هي شهادة تحليل التربة، وشهادة المنشأ، وشهادة التحليل الكيميائي للتأكد من خلو النبات من الأثر المتبقي للأسمدة والمبيدات الكيميائية.
وتابع أن هذه العمليات سترافقها مشاريع مكمّلة تحظى بدعم كامل من المؤسسة التنموية (غير ربحية)، إذ تتمثل طبيعة هذا الدعم في تقديم دورات تدريبية احترافية للمستفيدين، تليها مرحلة تولّي المؤسسة تسويق منتجات تلك المشاريع.
ولفت حرب إلى إطلاق قنوات تواصل مع عدة جهات داخلية وشركات خارجية، بهدف إبرام عقود لشراء المحاصيل من المزارعين، مبينًا عدم القدرة على الإفصاح عن هوية تلك الجهات في الوقت الراهن قبل تأمين العينات الفعلية من الإنتاج.
وفيما يخص الطموح لفتح أسواق تصديرية مستقبلًا، أكد أن المؤسسة تسعى جاهدة بالتعاون مع شركائها لتهيئة هذا المحصول وتأهيله ليكون منافسًا قويًا في الأسواق العالمية.
من المرانة إلى بقية المناطق
قال حرب إن التركيز الحالي ينصب على دعم المزارعين بكل السبل المتاحة، لبناء نموذج ناجح يتلاءم مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الأهداف المتعلقة بالحياة على البر والقضاء على الفقر، إلى جانب تماشيه مع مخرجات الاتفاقيات الدولية الخاصة بمواجهة تطرف المناخ ومكافحة التصحر.
وفي هذا السياق، نوّه إلى أن “المؤسسة” تتطلع إلى تعميم هذا النموذج على بقية المناطق بالتعاون والتنسيق مع الشركاء المهتمين بهذا القطاع، وذلك بعد التحقق التام من وصول المشروع إلى النجاح المنشود على الصعيدين الاقتصادي والبيئي.
المتخصص في حماية الموارد الطبيعية النباتية والمدرّس في كلية الزراعة بجامعة “حلب” الدكتور محمد واثق خلف، أكد في حديث إلى عنب بلدي الأهمية الاستراتيجية والبيئية لإدراج النباتات الطبية والعطرية البرية في المشاريع الزراعية المنظمة.
الحد من الاستنزاف البري
أوضح خلف أن الفائدة الجوهرية الأولى لهذا المشروع تكمن في تخفيف الضغط المتزايد على التجمعات النباتية البرية، إذ إن عمليات الجمع المتكررة والعشوائية التي يقوم بها السكان المحليون عامًا بعد عام، أدت إلى تراجع حاد في أعداد العديد من الأنواع في بيئتها الطبيعية.
وضمن هذا السياق، أشار إلى نباتات مثل الزوبعة والميرمية والزوفة وحشيشة القلب والقبار، مبينًا أنه على الرغم من كونها نباتات أصيلة متأقلمة مع البيئة المحلية، فإن الرعي والقطف الجائرين يهددان بعضها بخطر الانقراض، وهو ما يمنح مشاريع استزراع هذه النباتات وتحويلها من نمط النمو البري إلى الإنتاج الزراعي الممنهج أهمية بالغة.
الجدوى الاقتصادية للمجتمعات المحلية
أثنى الدكتور خلف بدور على هذه المشاريع في تقديم الدعم الاقتصادي للأسر الريفية، وتعزيز استقرار معيشة السكان المحليين، معتبرًا ذلك ركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة القائمة على المشاركة المجتمعية.
أما من منظور الجدوى الاقتصادية، فقد أفاد بأن معظم الدراسات العلمية السابقة أثبتت كفاءة هذا التوجه، نظرًا إلى أن زراعة هذه النباتات تحت الإشراف تتيح التحكم الصارم بإنتاجية المحصول وجودته، وبالتالي ضبط تركيز ونسبة المواد الفعالة بدقة وضمان الحصول على منتج طبي ذي فاعلية تأثيرية عالية ومستقرة، مما ينعكس إيجابًا على استقرار المجتمعات المحلية واقتصادها.
ضوابط الزراعة العضوية
فيما يتعلق بالأثر البيئي لهذه المشاريع، لفت الدكتور خلف إلى أن الاعتماد على الزراعة العضوية والمواد الطبيعية يعد خيارًا أفضل بكثير من الزراعة التقليدية التي تفرط في استخدام الأسمدة الكيميائية.
ورغم ذلك، واسترشادًا بتوصيات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، حذر الاختصاصي من أن الإفراط في استخدام الأسمدة والمواد العضوية دون دراسة قد يؤدي إلى تأثيرات بيئية سلبية، معتبرًا أن نجاح هذه التجربة مرهون بضبط المقادير والممارسات الزراعية وفق معايير علمية دقيقة لحماية النظم البيئية.
