مليار دولار في نصف عام.. هل تعالج “الصكوك” عجز الموازنة؟

  • 2026/10/04
  • 1:40 م
وزير المالية السوري محمد يسر برنية يبحث مع وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (MIGA) التابعة للبنك الدولي المساعدة في إطلاق سندات أو صكوك في سوريا - 15 تشرين الأول 2025 (وزير المالية السوري/فيسبوك)

وزير المالية السوري محمد يسر برنية يبحث مع وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (MIGA) التابعة للبنك الدولي المساعدة في إطلاق سندات أو صكوك في سوريا - 15 تشرين الأول 2025 (وزير المالية السوري/فيسبوك)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

مع تسجيل الموازنة السورية عجزًا بنحو 1.005 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، يعود سؤال تمويل الإنفاق العام إلى الواجهة، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة: هل تستطيع سوريا الحصول على تمويل بالدولار من الأسواق الدولية، بدل الاعتماد على الاقتراض المحلي أو مصادر تمويل قصيرة الأجل؟

وزارة المالية أعلنت في تقرير مؤشر أداء الموازنة العامة السنوي أن العجز خلال النصف الأول من 2026، “جرى تمويله عبر سندات قصيرة الأجل تستحق خلال عام”، لكنها لم توضح في تقريرها الجهة التي أقرضت الحكومة، ولا عملة الاقتراض، ولا سعر الفائدة، ولا تفاصيل آجال السداد.

ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم، في حديث إلى عنب بلدي، أن هناك خيارًا يمكن لسوريا اللجوء له بهدف سد العجز في الموازنة العامة للدولة، وهو إصدار سندات دولية بالعملة الأجنبية، أو ما يعرف بـ”اليوروبوند”، باعتبارها أداة يمكن أن توفر تمويلًا بالدولار لفترة أطول من القروض قصيرة الأجل.

لكن الحصول على مليار دولار اليوم يعني، في المقابل، التزامًا على الدولة بإعادة هذا المبلغ مع فوائده في المستقبل، ما يجعل السؤال الأساسي ليس فقط: “من أين نحصل على المال؟”، وإنما: كيف سنسدد هذا المال؟

عنب بلدي تحاول من خلال هذه المادة تسليط الضوء على آثار إصدار صكوك سيادية قصيرة الأجل بالليرة السورية، أو صكوك سيادية طويلة الأجل بالدولار الأمريكي، بهدف تغطية العجز في الموازنة.

“المالية”: صكوك بالليرة السورية محليًا

عقب اجتماعات صندوق النقد العربي في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، في 28 من أيلول الماضي، قال وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في تصريحات صحفية، إن الوزارة تخطط لتنفيذ عدة إصدارات من الصكوك السيادية خلال الفترة المقبلة (بهدف تمويل العجز)، وسيتم البدء بإصدار الصكوك بالليرة السورية في السوق المحلية (قصيرة الأجل) ثم التوسع تدريجيًا.

وتوقع الوزير السوري أن يكون العجز الكلي في موازنة 2027 أقل من 1.8 مليار دولار، ولكن في المقابل ستحقق سوريا معدل نمو يتجاوز 11%، بينما أكد الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم أن أي “إصدار رشيد” للصكوك، يجب أن يستند إلى شروط واضحة تشمل:

  • آجالًا قصيرة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة، أو عائدًا متغيرًا مربوطًا بالتضخم.
  • إطارًا قانونيًا واضحًا يحدد الأصول الضامنة وحقوق حملة الصكوك.
  • تأسيس سوق ثانوية في بورصة دمشق.
  • استقلالية فعلية لمصرف سوريا المركزي تمنع العودة إلى التمويل بالطباعة (كما كان سائدًا في عهد النظام السابق).

واعتبر أن “الصكوك” أداة سليمة في توقيت صعب قد تنجح في تمويل العجز دون طباعة نقود، لكنها لا تعالج أسبابه، وما لم يتقلص العجز وتتسع الإيرادات من جانب الإنتاج، ستتحول إلى وسيلة لتأجيل الأزمة بتكلفة أعلى.

وتكمن المشكلة في أن الدَّين قصير الأجل يحتاج إلى السداد خلال سنة، ما يعني أن الدولة قد تضطر إلى الاقتراض مجددًا لسداد الدَّين القديم، بالتزامن مع حاجتها إلى تمويل عجز جديد.

مخاطر هيكلية للسندات قصيرة الأجل

تمثل أدوات الدَّين والصكوك (الإسلامية وغيرها) أو السندات قصيرة الأجل، وسيلة مالية سليمة في الظروف الاقتصادية المعقدة لتمويل العجز دون اللجوء إلى طباعة النقود، لكنها تبقى مجرد مسكنات مؤقتة لا تعالج الأسباب الجذرية للأزمة، وفقًا للدكتور عبد الكريم، ما لم يتقلص الإنفاق وتتوسع الإيرادات الإنتاجية، وإلا ستتحول إلى وسيلة لتأجيل الأزمة بتكلفة باهظة.

وقد يعتقد البعض أن هذه الأدوات قصيرة الأجل أقل عبئًا مقارنة بالالتزامات طويلة الأجل، غير أنها تحمل في طياتها مخاطر هيكلية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بآلية التطبيق الفعلية، بحسب الخبير السوري، فإذا تم تمويلها عبر امتصاص السيولة المتاحة في المصارف، وأدت إلى زيادة السيولة النقدية المتداولة، فإنها:

  • ستخلق مزاحمة حادة تقيد قدرة القطاع الخاص على الحصول على الائتمان وتمويل نشاطاته.
  • ستتولد قنوات ضاغطة ومباشرة نحو موجات تضخمية جديدة.
  • ستخلق تعقيدات مخاطر في سعر الصرف وتدفقات النقد الأجنبي إن كانت مرتبطة بعملات أجنبية.

وعلى صعيد الخيارات والسيناريوهات المطروحة، أشار الخبير الاقتصادي عبد الكريم إلى أن إصدار السندات والصكوك يتقاطع بشكل مباشر مع خطط التقشف الحكومية وحجم خدمة الدَّين، ففي ظل عجز مالي يُتوقع أن يترك مئات ملايين الدولارات عرضة للتمويل، فإن طرح صكوك بعائد عادل يبلغ نحو 32% (وفق مقاربات تراجع الليرة والتضخم) سيكلف الخزينة العامة مبالغ طائلة قد تتجاوز أضعاف ما توفره تدابير التقشف الإداري المتمثلة في ترشيد النفقات الحكومية والسيارات والمؤتمرات.

وحذر الدكتور عبد الكريم من خطر تثبيت هذه العوائد لسنوات طويلة مقبلة، لا سيما إذا نجحت سياسات الاستقرار الاقتصادي في خفض معدلات التضخم مستقبلًا، ما يفاقم التكلفة الحقيقية على الدولة ويجعلها تدفع ثمنًا ماليًا باهظًا نظير نجاحاتها التنموية.

لماذا يصعب الاقتراض من خلال الصكوك بالليرة؟

يمكن للحكومة تمويل جزء من العجز محليًا عبر أذون الخزينة أو الصكوك السيادية بالليرة السورية، ولكن عبد الكريم يرى أن نجاح هذه الأدوات مرتبط بثقة المدخرين بالليرة، فمن يقرض الحكومة بالليرة يريد عائدًا يعوضه عن التضخم وتراجع سعر الصرف ومخاطر عدم السداد.

وبسبب ضعف الثقة المتراكمة نتيجة سنوات من القيود المصرفية وتغير العملة، قد تحتاج الدولة إلى دفع فوائد مرتفعة على الصكوك، ربما تتجاوز 20%، حتى تجد مشترين لها، لكن شراء المصارف الحكومية لهذه السندات بكميات كبيرة قد يعني توجيه أموال كان يمكن أن تذهب إلى الشركات والمشاريع الخاصة نحو تمويل الدولة بدل الاقتصاد.

ومن البدائل الممكنة، وفقًا للخبير الاقتصادي السوري، إصدار سندات بالليرة ترتبط قيمتها بالدولار، بحيث تتحمل الخزينة جزءًا أكبر من مخاطر تراجع سعر الصرف.

“اليوروبوند” كحل بديل أنجح من السندات

يُعرف “اليوروبوند” بأنه سند تصدره الدولة بالدولار أو بعملة أجنبية أخرى، ويشتريه مستثمرون ومؤسسات مالية في الأسواق الدولية، وتتعهد الدولة بدفع فائدة دورية لحاملي السند، ثم إعادة أصل المبلغ عند انتهاء مدته.

وتكمن ميزته في حالة العجز بالموازنة السورية، بحسب الخبير عبد الكريم، بأن الدولة تحصل على دولارات فعلية بدل الاقتراض بالليرة، لكن المشكلة أن الدَّين نفسه يصبح بالدولار، وهذا يعني أن الدولة ستجمع إيراداتها بالليرة، بينما تدفع فوائد الدَّين وأصله بالدولار.

ويقترح عبد الكريم أن يبدأ الإصدار الأول، في حال الوصول إليه، بمبلغ محدود لا يتجاوز مليار دولار.

وتحصل سوريا على معظم إيراداتها بالليرة، بينما تحتاج إلى الدولار لسداد الدَّين، في وقت تبلغ فيه فاتورة استيراد النفط والمشتقات نحو 831 مليون دولار شهريًا، بحسب تصريحات وزير الطاقة السوري مؤخرًا.

ولفهم التكلفة، أوضح عبد الكريم أنه إذا أصدرت سوريا سندات “يوروبوند” بمليار دولار على خمس سنوات بفائدة 13.5%، ستدفع:

  • 135 مليون دولار فوائد كل عام.
  • 675 مليون دولار فوائد خلال خمس سنوات.

وقد يبدو مبلغ 135 مليون دولار سنويًا محدودًا مقارنة بحجم الموازنة، لكنه يصبح أكثر وضوحًا عند مقارنته بالإيرادات المحلية، فإيرادات الدولة السنوية المتوقعة في السيناريو الأساسي تبلغ نحو 6.45 مليار دولار، بينما جمعت من الضرائب والرسوم خلال النصف الأول نحو 252 مليون دولار فقط.

وهذا يعني أن فوائد “اليوروبوند” المفترضة، البالغة 135 مليون دولار سنويًا، تعادل أكثر من نصف الضرائب والرسوم التي جمعتها الدولة خلال ستة أشهر.

ولكن المشكلة الأكبر، بحسب عبد الكريم، أن هذه الفوائد ستُدفع بالدولار، أي أن سوريا ستنفق الدولار اليوم، ثم تبحث عنه بعد سنوات لسداد الدَّين، ومع ذلك فإن سوريا إذا استخدمت العائدات بالدولار في مشروع ينتج الدولار أو يوفر إنفاقًا دولاريًا، فعندها ستتغير المعادلة.

وقدم الخبير الاقتصادي السوري الغاز مثالًا على ذلك، فوزارة الطاقة تنفق نحو 140 مليون دولار شهريًا لشراء 6.3 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، وبالتالي فإن إنتاج مليون متر مكعب إضافي يوميًا يمكن أن يوفر نحو 22 مليون دولار شهريًا، أو 267 مليون دولار سنويًا من فاتورة الاستيراد.

وهذا الرقم وحده يعادل تقريبًا ضعفي الفائدة السنوية على “يوروبوند” بقيمة مليار دولار بفائدة 13.5%.

ويخلص الدكتور عبد الكريم إلى أن المشكلة ليست في أن تجد سوريا من يقرضها مليار دولار، بل في أن تجد طريقة تجعل هذا المليار ينتج دولارات تكفي لسداد الدَّين نفسه، فإذا استخدم القرض للاستهلاك، فإنه يؤجل الأزمة، أما إذا استخدم لزيادة الإنتاج أو خفض فاتورة الاستيراد، فقد يتحول الدَّين إلى أداة لبناء قدرة الدولة على السداد.

مقالات متعلقة

  1. سوريا تستعد لإصدار الصكوك السيادية
  2. سندات بمليار دولار لتمويل العجز.. من يمول الخزينة السورية بالخفاء؟
  3. "المالية": لا عجز كبير في ميزانية 2025
  4. فائض لا يطمئن.. خبير يفكك موازنة سوريا بالأرقام

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية