نظم أهالي قرية الحماميات بريف حماة الشمالي، اليوم السبت 3 تشرين الأول، وقفة احتجاجية أغلقوا خلالها الطريق عند مدخل القرية، مطالبين بتعزيز جهود إزالة الألغام ومخلفات الحرب وترحيل الركام، وذلك بعد إصابة طفل يبلغ من العمر ثماني سنوات جراء انفجار لغم.
فجّرت الحادثة غضب الأهالي وأعادت إلى الواجهة ملف الألغام المزروعة داخل الأحياء السكنية الذي ظل مهملًا رغم مرور أكثر من عام على تحرير المنطقة، بحسب ما أفاد به الأهالي لمراسل عنب بلدي في حماة.
إصابة طفل تحرك الأهالي
بحسب إفادة مراسل عنب بلدي في حماة، فإن الطفل، وهو طالب في الصف الثالث، أصيب أمس بانفجار لغم في قرية الحماميات، وأجريت عملية بتر لأطرافه، ووُصفت حالته بأنها غير مستقرة في مستشفى محردة.
وأضاف المراسل أن الطفل تعرض اليوم لبتر أطرافه الثلاثة، اليد والقدم اليمنى واليد اليسرى، فضلًا عن أضرار بالغة في عينيه، وتشوهات جسيمة في الوجه، وتوقف إحدى رئتيه، ونزيف حاد في المعدة والأمعاء، وهو يرقد بين الحياة والموت على أجهزة التنفس الاصطناعي.
عبوات لا تكشفها الأجهزة
الناشط المدني نواف أحمد الخضر قال، لعنب بلدي، إن الوضع في قرية الحماميات وصل إلى مستوى مأساوي لا يمكن السكوت عنه جراء الانتشار الكثيف للألغام.
وأكد أن الأراضي والمنازل تحوّلت إلى حقول ألغام عشوائية زُرعت دون أي مراعاة لحياة المدنيين، وإن الموقع الذي شهد حادثة أمس سبق أن انفجرت فيه ثلاثة ألغام متتالية، ورغم تدخل فرق الهندسة، فإن المخاطر ما زالت قائمة وبشدة.
الكثير من الألغام المزروعة هي عبوات بلاستيكية فردية لا تكشفها أجهزة الفحص المعتادة، ما يتطلب فرقًا متخصصة عالية التدريب لإزالتها، وفق الخضر، لافتًا إلى أن المكان نفسه شهد أحداثًا متكررة، حيث أصيب فيه رجل وابنه قبل أشهر، ثم تعرّض الابن ذاته لإصابة ثانية بلغم فردي بعد شهرين فقط، قبل أن تتجدد هذه الأحداث بحالة الطفل الأخيرة في المكان ذاته.
وأشار إلى أن خطورة الألغام لم تعد محصورة في الأراضي الزراعية فقط، بل وصلت إلى داخل البنية التحتية وشبكات الصرف الصحي، مذكّرًا بأن المنطقة فقدت منذ تحريرها قبل عام ونصف أحد أبناء القرية، الذي فقد بصره وتشوّه وجهه، كما دُمّرت سيارات وجرارات لأفراد من عائلته نتيجة انفجارات مماثلة.
ويلاحق الخوف الأهالي في كل خطوة، فإذا أراد أحد أبناء القرية بناء غرفة واحدة فوق أساسات منزله القديم، لا يجرؤ على الحفر أو النزول خطوة واحدة تحت مستوى الأساس خوفًا من الموت المدفون تحت الأرض، بحسب وصف الناشط المدني نواف الخضر.
ثكنة عسكرية تحولت إلى موت
وقال الناشط المدني نواف أحمد الخضر إن تل الحماميات تحوّل إبان فترة سيطرة قوى الجيش إلى ثكنة عسكرية، حيث زرعت القوات الألغام والمتفجرات داخل منازل البلدة بدلًا من التمركز المباشر فيها، ما تسبب سابقًا بإصابات بالغة وبتر لأطراف العديد من أبناء المناطق المجاورة كالجبين وتل ملح والحماميات في أثناء عمليات الاقتحام.
وأكد أن المنازل المدمرة في الحماميات تقف اليوم كمصائد للموت، فأي محاولة من الأهالي لتفقد منازلهم أو إزالة الركام تمهيدًا لإعادة بنائها تنتهي بانفجار ألغام مزروعة بين الأنقاض، ما أسفر عن وقوع حوادث انفجار متكررة، لافتًا إلى أن عمليات التطهير التي نفذتها وزارة الدفاع اقتصرت على الأراضي الزراعية المحيطة بالبلدة دون أن تمتد إلى داخل الأحياء السكنية والبيوت المدمرة.
14 عامًا نزوح وقرية مدمرة بالكامل
مختار قرية الحماميات، منقذ الحسن، قال لعنب بلدي، إن البلدة تحولت على مدار عقد كامل إلى خط جبهة أول وترسانة عسكرية مدججة بمختلف أنواع الألغام وذخائر الحرب غير المنفجرة.
وأوضح الحسن أن رحلة نزوح الأهالي التي بدأت بين عامي 2012 و2013 وامتدت لنحو 14 عامًا، شهدت خسائر بشرية ومادية، انتهت بتدمير القرية بشكل كامل ونهب ممتلكات قاطنيها.
ويرى المختار أن خطر الموت لا يزال يلاحق العائدين حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، إذ توجد الألغام والمخلفات بشكل مكثف تحت أنقاض المنازل وفي السواتر الترابية، مما أسفر عن تسجيل إصابات متكررة في صفوف المدنيين، كان أحدثها إصابة طفل في التاسعة من عمره.
وأشار إلى أن غياب البيئة الآمنة حال دون دخول المنظمات الإنسانية والإغاثية للقرية لتطهيرها أو تقديم المساعدات، وهو ما يحرم السكان من أدنى مقومات الحياة والخدمات الأساسية، ويتركهم في مواجهة مباشرة مع خطر الذخائر المنتشرة بين بيوتهم المدمرة.
ويأمل سكان الحماميات أن تتحول الوقفة التي نظموها اليوم إلى استجابة فعلية، عبر إجراء مسح شامل لكامل القرية للكشف عن وجود الألغام، وإرسال فرق متخصصة لتطهير المنازل والأحياء السكنية، بما يتيح للسكان العودة إلى منازلهم وأراضيهم وممارسة حياتهم اليومية بعيدًا عن خطر مخلفات الحرب التي لا تزال تحصد الأرواح بعد سنوات من انتهاء المعارك.
