رسائل إقليمية وتصعيد مدروس.. ما وراء استهداف خطوط الطاقة في سوريا؟

  • 2026/10/04
  • 12:16 م
enab_get_authors_shortcode

دخلت الحوادث الأمنية التي تستهدف البنية التحتية لقطاع الطاقة في سوريا منعطفًا استراتيجيًا جديدًا يتجاوز حدود الأعطال الفنية أو الهجمات المعزولة، ليتحول إلى استهداف “ممنهج” يطال العصب المغذي لمحطات التوليد.

ففي غضون أيام قليلة، هزّ انفجار عنيف خط الغاز الطبيعي المغذي لمحطة “تشرين” الحرارية في الغوطة الشرقية بريف دمشق، ما تسبب في اندلاع حريق أسفر عن خروج ثلاث محطات توليد رئيسية عن الخدمة دفعة واحدة بشكل مؤقت، وهي: محطة “تشرين”، “دير علي”، و”الناصرية”، قبل أن تتمكن الفرق الفنية من إعادة تشغيل محطتين منهما لاحقًا.

ولم يكن هذا الحادث منزوعًا عن سياق أمني أوسع، إذ تزامن مع هجوم آخر استهدف صمامًا مقطعيًا لخط نقل الغاز الواصل بين منطقتي الشولا ودير الزور، ما أدى إلى شلل مؤقت في ضخ الغاز القادم من معمل “الجبسة” بالحسكة، قبل أن تُعلن الشركة السورية للبترول نجاح كوادرها في إتمام الإصلاحات وإعادة الخط إلى الخدمة.

هذا التصعيد الميداني لم يقف عند حدود شبكات الأنابيب الأرضية، بل امتد ليشمل القوة البشرية المشغلة للقطاع، إذ سُجّل هجوم مسلح دموي استهدف حافلة تُقل مهندسين وعمالًا يعملون لصالح شركة كهرباء خاصة عند جسر مصياف بمحافظة حمص، مما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة آخرين.

تتجاوز هذه السلسلة المتزامنة من الهجمات التخريبية الأثر الاقتصادي المباشر المتمثل في زيادة ساعات تقنين الكهرباء والمياه، لتحمل دلالات سياسية واستراتيجية بالغة الحساسية وفقًا لتقديرات المحللين.

ويرى خبراء تحدثت إليهم عنب بلدي أن ضرب هذه المنشآت الحيوية في هذا التوقيت يهدف إلى تقويض مشاريع التعافي التنموي وإرسال رسائل سياسية مشفرة إلى القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المشهد السوري، مفادها أن “البنية التحتية للطاقة لا تزال تحت رحمة التجاذبات العسكرية، وأن محاولات إعادة تأهيل هذا القطاع ستصطدم دائمًا بحرب استنزاف غير مُعلنة”.

وتتنوّع الأطراف المستفيدة من هذا التصعيد بناءً على طبيعة الاستهداف وموقعه، إذ تجد بعض القوى الإقليمية في ضرب هذه المنشآت وسيلة لتقويض القدرات الاقتصادية للحكومة السورية وحلفائها، بينما تستغل خلايا تنظيم “الدولة” الفراغ الأمني لإثبات وجودها وإرباك المشهد.

أبعد من ثغرات أمنية

الباحث في مركز “جسور” للدراسات، وائل علوان، أكّد في حديث إلى عنب بلدي، أن ما تشهده الساحة السورية مؤخرًا من تفجيرات متزامنة ليس مجرد ثغرات أمنية عابرة أو عمليات متفرقة ينفذها “مشاكسون داخليون”، على حد تعبيره، بل يعكس ضغوطًا واسعة واستثمارات خارجية تهدف إلى التأثير المباشر في المشهد العام.

وأوضح علوان أن نفي دمشق للتصريحات التي نقلتها وكالة “رويترز” حول لقاء جمع الحكومة السورية بـ”حزب الله”، وتزامن ذلك مع تفجيرات في مناطق حساسة استهدفت البنى التحتية وخطوط الطاقة والغاز، يُثبت أن الأمر يتجاوز محاولات استغلال الفجوات الأمنية لضرب نقاط عسكرية ثابتة، بل هو استهداف ممنهج للاقتصاد السوري.

توظيف خلايا تنظيم “الدولة” بغطاء استخباراتي

وفي سياق تحليله للجهات المنفذة، أشار علوان إلى أنه ورغم اعتيادية التخطيط لعمليات من قِبل خلايا تنظيم “الدولة” سواء كانت تعمل لصالح مشغلين بشكل مباشر أو غير مباشر، إلّا أن طبيعة الأهداف الحالية تبدو مصممة لخلق فوضى أكبر وضغط أشد على الحكومة السورية.

وأضاف أن تكرار التفجيرات في دير الزور ثم في ريف دمشق لا يشي بوجود خروقات أمنية فحسب، بقدر ما يؤكد وجود جهة ذات مستوى عالٍ تستثمر في هذه الفوضى.

ولفت علوان إلى أن استهداف منشآت الطاقة لا يتطلب جهدًا كبيرًا لإيجاد منفذين، بقدر ما يحتاج بالضرورة إلى معلومات استخباراتية، وتنسيقات لوجستية، وتمويل ضخم.

وحول دور تنظيم “الدولة” والتحركات الأخيرة المنسوبة له في بادية دير الزور وبعض مناطق جنوب سوريا، شدد على ضرورة الانتباه إلى أن التنظيم وبقدر ما تحكمه الراديكالية والتشدد والميل للعنف فإنه مخترق في سياساته وتوجهاته من قِبل قوى خارجية تُشغّله بطريقة أو بأخرى، مما يسمح بتنسيق هذه العمليات في أوقات متقاربة.

بصمات إقليمية ودولية

وخلص الباحث السياسي علوان في قراءته للمشهد المتسارع، إلى أن هذه التفجيرات المتزامنة تحمل رسائل إقليمية ودولية تقف وراءها إسرائيل كأبرز الاحتمالات، إذ تسعى الأخيرة لافتعال تصعيد سياسي وأمني يخدم مصالح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته قبيل الانتخابات المقبلة.

ووفقًا للباحث، فإن هذا التصعيد يأتي للضغط على الحكومة السورية التي ترفض تقديم “تنازل مطلق”، وتتمسك في المقابل بالوصول إلى تفاهم منطقي ومقبول يضمن الأمن والاستقرار على مستوى المنطقة ككل.

وفي سياق متصل، لم يستبعد علوان احتمالية أخرى تتعلّق بإيران و”حزب الله”، مبينًا حاجتهما لخلق فجوات من الفوضى في مثل هذا التوقيت، لتخفيف الضغوط المتزايدة المفروضة عليهما.

أداة لتقويض الاستقرار والتعافي الاقتصادي

وفي وقت تترقب فيه الأوساط السياسية والأمنية نتائج التحقيقات الرسمية بشأن العمليات الأخيرة للحكم عليها كأعمال عشوائية أو هجمات منسقة، يرى الباحث في الاقتصاد السياسي أيمن الدسوقي أن هناك أطرافًا متعددة تتقاطع مصالحها في تقويض شرعية الحكومة السورية عبر استهداف الاستقرار الداخلي، وعرقلة جهود التعافي الاقتصادي وإعادة دمج البلاد في المنظومة العالمية، مستفيدةً في ذلك من ثغرات أمنية وإدارية تُتيح لها التحرك ميدانيًا.

وأردف الدسوقي، في حديث إلى عنب بلدي، أن الانتقال من استهداف مقار عسكرية وأمنية إلى ضرب منشآت حيوية يمثل تحوّلًا في الأدوات وليس في الاستراتيجية ذاتها، إذ تظل الغاية الأساسية هي إظهار الحكومة كفاعل غير مسؤول داخليًا وخارجيًا.

يسعى استهداف محطات وخطوط الطاقة إلى استنزاف الموارد الحكومية في عمليات الإصلاح ورفع الكلفة المعيشية لإثارة الشارع، على حد قوله، مستغلًا حالة الاحتقان الشعبي الناتجة عن رفع أسعار المحروقات، فضلًا عن تقويض خطط استثمار الجغرافيا السورية كعقدة ربط في معادلات الطاقة الإقليمية، مما يحرم الدولة من إيرادات مالية حيوية للتعافي.

الحاجة لمقاربة دفاعية جديدة

وفي قراءته للمشهد الأمني، لا يعتقد الدسوقي أن الهجمات الأخيرة مؤشر على خروقات بنيوية واضحة في منظومة حماية المنشآت الحيوية، بقدر ما تعكس حاجة ملحة لإعادة النظر في مقاربة الأمن الوطني، لتفعيل التكامل بين أجهزة الاستخبارات والأمن والجيش، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية في احتواء هذه التهديدات.

وحول الجهات المحتمل وقوفها وراء العمليات، بيّن الباحث أن تكبّد تنظيم “الدولة” خسائر نوعية مؤخرًا لا يُلغي قدرته على تنفيذ هجمات بأسلوب “الذئاب المنفردة” التي لا تتطلب قدرات لوجستية وتنظيمية معقدة.

ومن جانب آخر، يعتبر الدسوقي أنه لا يمكن استبعاد دور إيراني عبر خلايا مرتبطة بها، نظرًا لمصلحتها في تعطيل أي بدائل لمضيق هرمز، ورغبتها في تخفيف الضغط عن حلفائها في العراق ولبنان عبر لفت الأنظار إلى الساحة السورية.

خيارات متاحة

وفي ختام قراءته، طرح الدسوقي جملة من الخيارات المتاحة أمام السلطات السورية لمواجهة هذا التحدي، تبدأ من تفعيل مفهوم الأمن المحلي عبر إشراك المجتمعات المحلية في حماية المنشآت الحيوية، مرورًا بتعزيز كفاءة المنظومة الأمنية على صعيد التنسيق البيني وتطوير الموارد والقدرات، وصولًا إلى تعزيز قنوات التعاون الأمني الإقليمي.

ومع تعدد هذه الاحتمالات، شدد الباحث على صعوبة الجزم بطبيعة المرحلة المقبلة، فهل تشكّل هذه الهجمات بداية استنزاف طويل الأمد أم مجرد ارتدادات أمنية مؤقتة؟ سؤال يرى أن الإجابة القاطعة عليه ستبقى مرهونة بما ستسفر عنه التحقيقات الجارية.

مقالات متعلقة

  1. النظام يعلن إصلاح خط الغاز بعد تبنى التنظيم استهدافه
  2. انقطاع الكهرباء في سوريا يبرَّر باعتداء على خط الغاز
  3. محطة "تشرين" تواصل تقييم أضرار انفجار خط الغاز
  4. ريف دمشق.. انفجار خط غاز يعطل ثلاث محطات لتوليد الكهرباء

سوريا

المزيد من سوريا