يجب أن نطور أيضًا من رأس مالنا الاجتماعي

  • 2026/10/04
  • 12:21 م
أحمد عسيلي

أحمد عسيلي

enab_get_authors_shortcode

أحمد عسيلي

في 30 من أيلول الماضي، وفي الذكرى الثالثة لرحيل الروائي خالد خليفة، أقيم في صالة كنيسة اللاتين باللاذقية حفل تكريم الفائز بالدورة الثانية من الجائزة التي تحمل اسمه، الجائزة أسسها أصدقاء الروائي تخليدًا لذكراه وإرثه، وهي مخصصة للعمل الروائي الأول غير المنشور، وفاز بها هذا العام الروائي التونسي عماد علي قيدة عن روايته “المنصرمون”. لم يكن الاحتفال في دمشق، ولم تكن الجائزة مبادرة حكومية، كما أنها لم تتوقف عند الحدود السورية، بل توجهت إلى كل الكتّاب الشباب الناطقين بالعربية.

وإذا رجعنا عدة أيام قبل هذا الحدث، كانت حلب تستضيف اللقاء السادس من فعالية “حديث السوريين”، وهي سلسلة لقاءات دورية تنتقل بين المدن السورية وتجمع أشخاصًا من محافظات مختلفة، ومن توجهات مختلفة، يلتقي بعضهم للمرة الأولى، الفكرة بسيطة جدًا: أن يجلس سوريون مع سوريين آخرين ربما لم تكن لديهم فرصة للقائهم من قبل، وأن يتحدثوا ويستمعوا إلى تجارب بعضهم، سبق لحلقات من هذه اللقاءات أن أقيمت في مدن أخرى، ومنها مصياف مثلًا.

هذه الجائزة، وهذا اللقاء، على بساطتهما أمام ما تواجه البلاد من تحديات، هما خطوتان مهمتان ضمن مسار بدأنا به حديثًا لنؤسس رصيدًا جيدًا في رأس المال الاجتماعي.

إذا كان رأس المال الاقتصادي هو ما نملكه من أموال وثروات، وإذا كانت هناك ثروة ثقافية تتمثل في المعرفة والتعليم والإنتاج الفكري، فإن للمجتمعات ثروة أخرى، لا تقل أهمية أبدًا عن بقية أشكال الثروات الأخرى، تتمثل في العلاقات بين أفرادها: من نعرف؟ بمن نثق؟ ومع من نستطيع أن نتعاون لكي نحقق شيئًا لا يستطيع أحد منا تحقيقه بمفرده؟ هذه الشبكة من العلاقات والثقة والقدرة على التعاون هي، بتبسيط شديد، رأس المال الاجتماعي.

سأختصر هذا المفهوم وبشكل كبير لأقول إن مجموعة أشخاص يعرف بعضهم بعضًا ويستطيعون تأسيس جمعية أو مجلة أو جائزة يمتلكون شيئًا لا يملكه العدد نفسه من الأشخاص إذا كانوا غرباء تمامًا عن بعضهم.

بهذا المعنى، كانت سوريا في عهد الأسد فقيرة جدًا في رأس المال الاجتماعي، فسلطة الأسد الساقط كانت ترتاب بأي شكل من التجمع، الأحزاب والجمعيات والنقابات والعمل الأهلي كانت خاضعة لقيود وسيطرة واسعة، وكان تنظيم الناس لأنفسهم خارج الأطر التي تسمح بها السلطة أمرًا بالغ الصعوبة، ومع مرور السنين فقدنا مؤسساتنا المستقلة، وفقدنا أيضًا عادة الاجتماع والعمل مع أشخاص خارج دوائرنا الصغيرة.

مع بداية الثورة عام 2011 حدث شيء مهم، بدأ السوريون يؤسسون تجمعات مدنية ناشطة على الأرض، وكانت التنسيقيات واحدة من أنجح التجارب وأكثرها فاعلية، وقد بدأت عشرات المجموعات بالتنظيم في نطاقها المحلي، ثم حاولت لاحقًا التنسيق فيما بينها، لكن معظم هذه التنسيقيات حمل طابعًا محليًا واضحًا: تنسيقية مدينة أو بلدة أو حي، ولم يكن ذلك خطأ في التجربة، لأنه كان الوحيد الممكن عمليًا في ذلك الوقت، فرأس مالنا الاجتماعي كان بالسالب، القطع وعدم الثقة هي السمة العامة للعلاقات في البلاد خارج إطار المجتمع المحلي المصغر، لذلك كان من الطبيعي أن يبدأ السوري بمن يعرفه ويثق به: جاره، وصديقه، وابن حيه ومدينته، أو ابن الطائفة أو العشيرة، كانت التنسيقيات محاولة ناجحة لبناء رأس مال اجتماعي جديد، لكنها بقيت محكومة إلى حد بعيد بالجغرافيا المحلية.

اليوم تغيرت الظروف، وربما حان الوقت لتجاوز هذه الصيغة من دون إنكار فضلها، والتجاوز هنا لا يعني الهدم، بل الاحتفاظ بأفضل ما فيها: المبادرة من العمل على الأرض، والاستقلال، والعمل التطوعي، وعدم انتظار الدولة، مع تجاوز حدود المدينة والمنطقة إلى فضاء أوسع.

وهنا تكتسب لقاءات مثل “حديث السوريين” أهميتها، قيمتها ليست فقط فيما يقال خلال الجلسات، ولا في أن يتفق المشاركون في نهايتها، قد تكون قيمتها الأساسية أن يخرج شخص من مصياف وهو يعرف شخصًا من إدلب لم يكن يعرفه، وأن يتعرف شخص من حلب إلى آخر من السويداء، وأن تتحول معرفة جديدة بعد أشهر إلى فكرة أو مشروع أو مبادرة.

وجائزة “خالد خليفة” تقدم مثالًا آخر، مجموعة من الأصدقاء جمعهم الوفاء لمثقف أحبوه، لكن العلاقة بينهم لم تتوقف عند استعادة ذكراه، بل تحولت إلى مشروع مستقل ومستمر، يعبر الحدود السورية ويحتفل به في اللاذقية بعيدًا عن مركزية العاصمة.

لسنا بحاجة إلى دولة تنظم كل جائزة، وتدير كل لقاء، وتؤسس كل جمعية، وتقرر للناس متى يجتمعون ولماذا، وربما يكون أحد الاختبارات المهمة للمرحلة السورية الجديدة أن نكتشف كم من الأشياء نستطيع أن نفعلها معًا، من دون أن ننتظر من أحد أن يجمعنا.

المجتمع الذي لا يجتمع أفراده إلا عندما تستدعيهم السلطة يبقى مجموعة من الأفراد، أما المجتمع الذي يتعارف أفراده، ويثقون ببعضهم، ثم يؤسسون ويعملون ويختلفون ويعيدون المحاولة، فهو يبدأ، ببساطة، بأن يصبح مجتمعًا.

مقالات متعلقة

  1. انتقادات للقائمة النهائية لجائزة "البوكر" العربية 2020
  2. سوري وحيد في القائمة القصيرة لجائزة "البوكر" العربية للعام 2020
  3. ثلاثة كتاب سوريين في القائمة الطويلة لجوائز البوكر العربية
  4. "الموت عمل شاق".. رحيل الروائي السوري خالد خليفة

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي