مع بدء التحضيرات للموسم الزراعي الشتوي في محافظة الحسكة، تتجه أنظار المزارعين إلى تأمين بذار القمح والشعير والمحاصيل الشتوية الأخرى، وسط ارتفاع في أسعار البذار وتعدد التكاليف التي يتحملها الفلاح قبل وصول المحصول إلى مرحلة الحصاد والتسويق.
وتأتي هذه الأعباء في وقت لا يزال فيه عدد من فلاحي المحافظة ينتظرون صرف مستحقاتهم عن الموسم الزراعي الماضي، رغم الإنتاج المرتفع الذي سجلته الحسكة خلال موسم 2025-2026، ما يضع المزارعين أمام الحاجة إلى تأمين السيولة اللازمة لشراء البذار والبدء بأعمال الفلاحة، في وقت تعتمد فيه نسبة كبيرة من الأراضي على الزراعة البعلية وتتأثر تكاليفها بمعدلات الأمطار وتوقيتها.
وبحسب أسعار متداولة في أسواق الحسكة مع انطلاق الموسم، يبلغ سعر طن القمح الطري نحو 375 دولارًا، يضاف إليه نحو 25 دولارًا مقابل فرز البذار وتعقيمه، أو ما يعرف محليًا بـ”مداواته”، بينما يصل سعر طن القمح القاسي إلى 400 دولار، مع 50 دولارًا للفرز والدواء.
ويبلغ سعر طن الشعير الأسود نحو 275 دولارًا، والأبرش 260 دولارًا، والأبيض 250 دولارًا، في حين يسجل سعر كيلو الكمون نحو ثلاثة دولارات، والكزبرة 1.7 دولار، بينما يبلغ طن السمسم نحو 800 دولار، والعدس 700 دولار، والفول 500 دولار.
الفرز والتعقيم يرفعان تكلفة البذار
تاجر البذار في مدينة الحسكة أحمد الملا، قال لعنب بلدي، إن أسعار البذار تختلف بحسب نوع المحصول والصنف وجودته، مشيرًا إلى أن القمح القاسي يعد أعلى تكلفة من القمح الطري، سواء من حيث سعر البذار أو تكاليف الفرز والمعالجة.
وأضاف الملا أن البذار لا يُطرح للبيع مباشرة بعد شرائه من المزارعين، إذ يخضع لعمليات فرز تهدف إلى التخلص من الحبوب غير الصالحة والشوائب، ثم يجري تعقيمه بمواد مخصصة لحمايته من بعض الأمراض والآفات التي يمكن أن تنتقل مع البذار إلى التربة والمحصول.
وأوضح أن عملية “المداواة” تعد خطوة أساسية بالنسبة إلى المزارع الذي يريد تقليل مخاطر الإصابة في المراحل الأولى من نمو النبات، لكنها تضيف في الوقت نفسه تكلفة جديدة إلى سعر الطن، لافتًا إلى أن اختلاف أجور الفرز والدواء يرتبط بنوع البذار والمواد المستخدمة وطبيعة العمل.
وبحسب الأسعار الحالية، فإن المزارع الذي يزرع أرضًا بعلية ويحتاج إلى نحو 20 كيلوغرامًا من القمح للدونم الواحد، يدفع قرابة 7.5 دولار للبذار الطري وحده، ترتفع إلى نحو ثمانية دولارات للدونم بعد احتساب تكلفة الفرز والدواء. وفي حال استخدام القمح القاسي، تصل تكلفة البذار إلى نحو تسعة دولارات للدونم، وفق الأسعار المذكورة.
وقال الملا إن ارتفاع أسعار البذار لا يأتي منفصلًا عن بقية مستلزمات الزراعة، إذ يتحمل المزارع تكاليف الفلاحة والمحروقات والري، بالنسبة إلى الأراضي المروية، ثم الحصاد والنقل وغيرها من المصاريف التي تتراكم تدريجيًا خلال الموسم.
تأخر المستحقات يزيد الضغط
من جانبه، قال الفلاح من ريف الحسكة الجنوبي موسى رمضان، لعنب بلدي، إن ارتفاع أسعار البذار يتزامن مع بدء فلاحة الأراضي وتحضيرها للموسم الجديد، ما يجعل المزارع أمام التزامات مالية متلاحقة في وقت لم يحصل فيه عدد كبير من فلاحي المحافظة على مستحقاتهم عن محصول الموسم الماضي.
وأوضح رمضان أن المزارع يحتاج في بداية الموسم إلى تأمين البذار وتكاليف حراثة الأرض، ثم مواجهة مصاريف أخرى خلال مراحل الزراعة، معتبرًا أن تأخر المستحقات يجعل تأمين رأس المال اللازم للموسم الجديد أكثر صعوبة.
وأضاف أن “ارتفاع سعر البذار وحده يمثل عبئًا على الفلاح، لكن المشكلة تصبح أكبر عندما يضاف إليه سعر الفلاحة والمحروقات وبقية المستلزمات، بينما لا تزال مستحقات الموسم الماضي عالقة لدى كثير من المزارعين”.
ويرى رمضان أن استمرار هذه الظروف قد يدفع بعض المزارعين إلى تقليص المساحات التي يزرعونها، خصوصًا أصحاب الإمكانات المحدودة، أو اللجوء إلى شراء البذار بالدين، ما يعني بدء موسم جديد بعبء مالي إضافي.
20 كيلوغرامًا للدونم قبل بقية التكاليف
أما الفلاح من ريف الحسكة الشمالي الشرقي أحمد الجبر، فأشار إلى أن تكلفة البذار تمثل جزءًا فقط من إجمالي الإنفاق على الدونم، ولا يمكن تقييمها بمعزل عن تكاليف الفلاحة والحصاد والري وغيرها.
وقال الجبر، لعنب بلدي، إن الأراضي البعلية تحتاج، في المتوسط، إلى نحو 20 كيلوغرامًا من بذار القمح للدونم، ما يعني أن المزارع يبدأ الموسم بدفع تكلفة البذار قبل احتساب أي مصروف آخر. وأضاف أن فلاحة الدونم تكلف نحو أربعة دولارات، لتتراكم بعدها نفقات أخرى مرتبطة بخدمة الأرض والحصاد ونقل المحصول.
وتزداد الأعباء بالنسبة إلى المزارعين الذين يستأجرون الأراضي، بحسب الجبر، إذ لا تنتهي تكلفة الزراعة عند تأمين مستلزماتها، بل يضطر المستأجر عند الإنتاج إلى اقتطاع نسبة من المحصول لصاحب الأرض تتراوح، بحسب طبيعة الاتفاق والأرض، بين 20 و40% من الإنتاج.
وأوضح أن هذه النسب تجعل حساب الجدوى الاقتصادية للموسم أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا جاءت الأمطار أقل من المتوقع أو ارتفعت تكاليف الحصاد والخدمات الزراعية.
وقال الجبر إن “الفلاح لا يدفع ثمن البذار فقط، وإنما يبدأ بالفلاحة، ثم يتابع مصاريف الزراعة والحصاد، وفي الأراضي المستأجرة يذهب جزء من الإنتاج لصاحب الأرض، ولذلك فإن ارتفاع سعر أي مادة من مستلزمات الزراعة ينعكس مباشرة على دخل الأسرة الزراعية”.
الحسكة تتصدر إنتاج القمح
تأتي تكلفة البذار المرتفعة في بداية موسم جديد بعد موسم استثنائي بالنسبة إلى إنتاج القمح في الحسكة خلال عام 2026.
وقد بلغ إنتاج القمح الذي جرى تسويقه في محافظة الحسكة خلال موسم 2026 نحو 1.16 مليون طن، لتتصدر المحافظة بذلك المحافظات السورية في إنتاج وتسويق القمح. وبلغ إجمالي القمح الذي تسلمته المؤسسة السورية للحبوب في سوريا نحو 2.75 مليون طن، مقابل احتياج محلي قدر بنحو 2.55 مليون طن، أي بفائض يقارب 200 ألف طن.
وساهمت الأمطار الوفيرة خلال الموسم الماضي في تحسين إنتاجية الأراضي، وخفض الحاجة إلى الري في مساحات واسعة من الأراضي البعلية، ما انعكس على حجم المحصول وتكاليف إنتاجه.
لكن ارتفاع الإنتاج في موسم لا يعني بالضرورة، وفق الفلاحين الذين تحدثوا لعنب بلدي، انخفاض الأعباء على المزارعين في الموسم التالي، إذ يبدأ الفلاح دورة إنتاج جديدة بتكاليف مختلفة، في مقدمتها تأمين البذار، ثم تجهيز الأرض وخدمتها وحصادها وتسويق المحصول.
وفي ظل اعتماد مساحات واسعة من أراضي الحسكة على الأمطار، يبقى نجاح الموسم الزراعي مرتبطًا أيضًا بمعدلات الهطول وتوزعها خلال مراحل نمو المحاصيل، إلى جانب قدرة المزارعين على تأمين مستلزمات الإنتاج في الوقت المناسب.
وتبقى أسعار البذار في بداية الموسم مؤشرًا أوليًا، وفق الملا، على حجم التكلفة التي سيواجهها الفلاح خلال الأشهر المقبلة، في انتظار الظروف المطرية التي ستكون عاملًا حاسمًا في تحديد حجم الإنتاج النهائي وجدوى الموسم بالنسبة إلى المزارعين.
