اتجهت مشاريع تربية الخيول العربية الأصيلة في محافظة الحسكة، خلال السنوات القليلة الماضية، إلى التحول من هواية مرتبطة باقتناء الخيل إلى نشاط استثماري يستند إلى تربية السلالات الأصيلة وتجهيزها للسباقات والعروض والتجارة، رغم ارتفاع تكاليف إنشاء المزارع ومتطلبات رعاية الخيول.
وتحتاج تربية الخيول إلى مساحات مناسبة وتجهيزات خاصة ونفقات مستمرة على الأعلاف والرعاية البيطرية والتدريب، لكن المربين يرون أن ارتفاع أسعار الخيول الأصيلة والطلب عليها، إلى جانب مشاركتها في المسابقات والعروض، يوفر فرصًا لتحقيق عوائد مالية.
ويقدر مربون أن هامش الربح في الحصان الواحد قد يصل إلى نحو 40%، بحسب نوع الحصان وسلالته ومستوى تدريبه والغرض من اقتنائه، مع تفاوت كبير في الأسعار بين الخيول المستخدمة للركوب وتلك المخصصة للسباقات والتكاثر والعروض.
من التنقل و”الإغارات” إلى السباقات
ارتبط اقتناء الخيول في منطقة الجزيرة السورية تاريخيًا بحياة البدو، إذ لم تكن الخيول مجرد وسيلة للركوب، بل شكلت جزءًا من منظومة التنقل والحماية والمكانة الاجتماعية.
وقال الباحث الاجتماعي أحمد الحسن، لعنب بلدي، إن الخيل كانت حاضرة في حياة البدو، خصوصًا قبل انتشار وسائل النقل الحديثة، واستخدمت في التنقل لمسافات طويلة وفي التنقل بين مناطق الرعي، كما ارتبط تاريخيًا بـ”الإغارات” والمواجهات التي كانت تجري بين الجماعات العشائرية في المنطقة.
وبحسب الحسن، كانت صفات الخيل، من القدرة على التحمل والسرعة وقوة البنية، عوامل أساسية في اختيارها، كما اكتسبت بعض الخيول قيمة إضافية بسبب نسبها وارتباطها بعائلات أو عشائر معينة. ومع تغير أنماط الحياة وانتشار السيارات، تراجع الاعتماد العملي على الخيل، لكنها بقيت حاضرة بوصفها رمزًا للتراث ومجالًا للاقتناء والتجارة والسباقات.
ويظهر هذا التحول في طبيعة مشاريع تربية الخيول الحالية في الحسكة، إذ أصبح الهدف في كثير من الحالات إنتاج خيول يمكن تجهيزها للسباقات أو العروض، إلى جانب المحافظة على السلالات العربية الأصيلة.
مشروع بدأ في 2010
من بين المربين الذين دخلوا هذا المجال عدنان العليوي، الذي بدأ مشروعه في ضواحي مدينة الحسكة عام 2010، مدفوعًا، بحسب حديثه، بالطلب على الخيول الأصيلة والفرص التي توفرها العروض والمسابقات للتعريف بالخيول وتسويقها.
وقال العليوي، في حديث إلى عنب بلدي، إن نجاح مشروع تربية الخيول يرتبط بتوافر سلالات مميزة، إلى جانب العناية المستمرة بالحيوانات وتجهيزها وفق الغرض من تربيتها، سواء للجري أو السباق أو القفز.
ويعتمد اختيار الخيول، وفق العليوي، على صفات الفرس والحصان المستخدمين في التكاثر، بما يشمل القوام والبنية والنسب. وبعد ولادة المهر، تبدأ مراحل الرعاية والتغذية والترويض والتدريب، وهي مراحل تمتد لسنوات قبل أن يصبح الحصان جاهزًا لبعض الاستخدامات.
وأضاف العليوي أن الفرس تحمل مهرها قرابة عام، وتحتاج خلال هذه الفترة إلى رعاية ومتابعة مناسبة، بينما تستمر العناية بالمهر بعد الولادة إلى حين بلوغه مرحلة تسمح بترويضه وتدريبه.
ووصف العليوي الخيل العربي بأنه يتميز بصفات شكلية واضحة، من بينها الرأس الصغير نسبيًا، والعينان الواسعتان، والعنق الطويل، والذيل المرتفع، إلى جانب بنية جسدية تختلف بحسب السلالة والاستخدام.
التغذية والرعاية تحددان جودة الخيل
لا تقتصر تكلفة تربية الخيول على شراء الحيوان أو إنشاء الإسطبل، إذ تشكل التغذية والرعاية البيطرية جزءًا أساسيًا من المصاريف اليومية للمشروع.
وقال الطبيب البيطري عبد الله العلي، إن النظام الغذائي للخيول يجب أن يراعي العمر والوزن ومستوى النشاط والغرض من تربية الحصان، إذ تختلف احتياجات الخيل المخصص للسباقات عن تلك التي لا تبذل مجهودًا بدنيًا كبيرًا.
وتشمل الرعاية، بحسب العلي، توفير الأعلاف المناسبة والمياه النظيفة، إلى جانب متابعة الأسنان والحوافر والحالة العامة للجسم، مع ضرورة وضع برنامج للوقاية من الأمراض ومراقبة أي تغيرات في الشهية أو الحركة أو الوزن.
وأضاف أن الأمراض والمشكلات الصحية التي تصيب الخيول قد ترتبط بالجهاز الهضمي أو التنفسي أو العضلي، كما يمكن أن تؤدي مشكلات الحوافر إلى التأثير في قدرة الحصان على الحركة والأداء، خصوصًا لدى الخيول المخصصة للسباقات.
أما السلالات، فأوضح العلي أن الحفاظ على نسب الخيول العربية يتطلب معرفة دقيقة بأصول الخيول المستخدمة في التكاثر، وعدم الاكتفاء بالمظهر الخارجي عند تصنيف الحصان على أنه أصيل، إذ تلعب سجلات النسب وخصائص السلالة دورًا في تحديد قيمته.
سلالات وصفات متعددة
يربط العليوي بين الخيول العربية وأصولها وتسمياتها التقليدية، مشيرًا إلى وجود تقسيمات معروفة لدى المربين، من بينها الكحيلة والعبيّة والصقلاوية والدهامة والشويمة، مع اختلاف الصفات التي ينسبها المربون إلى كل نوع.
وتدخل عوامل أخرى في تحديد قيمة الخيل، من بينها العمر والجنس والنسب والبنية الجسدية ومستوى التدريب والقدرة على السباق أو القفز، إلى جانب قدرة الحيوان على التكاثر.
وأشار العليوي إلى أن الفرس قد تكون أعلى سعرًا من الحصان في بعض الحالات، خاصة عندما تكون ذات نسب جيد وقادرة على إنتاج مهر ذي صفات مرغوبة، ما يجعل الاستثمار في الخيول مرتبطًا أيضًا بعملية التكاثر وإنتاج سلالات جديدة.
وتتفاوت أسعار الخيول العربية الأصيلة في الجزيرة السورية بحسب السلالة والنسب والقوة والندرة، إذ تتراوح، وفق العليوي، بين خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار للحصان الذكر، بينما ترتفع أسعار الأفراس والمهرات الإناث إلى ما بين سبعة آلاف و30 ألف دولار، وقد تتجاوز ذلك في الخيول ذات السلالات النادرة.
ومع استمرار اهتمام المربين بالخيول العربية في الحسكة، تتداخل في هذه المشاريع عوامل اقتصادية وتراثية ورياضية، بينما تبقى تكلفة الأعلاف والتجهيزات والرعاية البيطرية والتدريب من أبرز التحديات التي تواجه الراغبين في دخول هذا المجال.
