يعيش نحو 500 طالب وطالبة في كلية الطب والمعاهد الطبية المتوسطة بجامعة العلوم الصحية التركية (SBÜ) في منطقة الراعي بريف حلب الشمالي، حالة من الضبابية، بعد صدور قرار بإغلاق الجامعة ونقل الطلاب إلى الجامعات السورية الحكومية منذ نحو ستة أشهر، دون أن يُنفذ القرار فعليًا حتى اللحظة.
وبينما بدأت الجامعات السورية عامها الدراسي بشكل طبيعي، لا يزال مصير هؤلاء الطلاب الأكاديمي غير محسوم، وسط تخبط في القرارات، ما دفعهم إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بحل رسمي واضح يضمن استمرار تعليمهم.
وقفة احتجاجية ومطالب عاجلة
جمعة الخلف، طالب في السنة الخامسة بكلية الطب في جامعة العلوم الصحية بالراعي، قال لعنب بلدي، إن الطلاب صدموا بقرار إغلاق الجامعة ونقلهم إلى الجامعات السورية الحكومية الصادر منذ نحو ستة أشهر، دون أن يُنفذ أي قرار على الأرض حتى اليوم.
وأوضح أن الجامعة بدأت دوامها الجامعي هذا الشهر ثم توقف، في وقت بدأت فيه الجامعات السورية عامها الدراسي بشكل طبيعي، بينما لا يزال مصير الطلاب الأكاديمي غير محسوم ولا توجد أمامهم آلية واضحة ومعلنة لاستكمال الدراسة.
الطلاب عاشوا سنوات طويلة من ظروف الحرب والثورة وما رافقها من انقطاع واضطراب في التعليم، وفق الخلف، ولا يريدون خسارة سنة جديدة من أعمارهم ومستقبلهم بسبب التخبط في القرارات وتأخر حسمها وعدم وضوح المسؤولية بين الجهات المعنية.
وطالب الخلف بقرار رسمي واضح وسريع يضمن استمرار تعليمهم ويحفظ السنوات التي درسوها وحقوقهم الأكاديمية، وألا يبقوا معلقين في منتصف العام الدراسي دون معرفة مصيرهم، مؤكدًا أن الطلاب نظموا وقفة طلابية للمطالبة بإيجاد حل واضح وعادل يضمن استمرار تعليمهم وعدم تضرر مستقبلهم الأكاديمي.
500 طالب في المجهول
من جانبه، وصف الطالب بلال أوسو، من كلية الطب في جامعة حلب، في حديث إلى عنب بلدي، الواقع المعقد الذي يواجه مئات الطلاب في الكلية، مشيرًا إلى أنهم يعيشون حالة من الضبابية المطلقة، فلا هم أُحيلوا إلى الجامعات السورية لاستكمال تعليمهم، ولا سُمح لهم بالدوام في مقاعدهم الحالية، مما يهدد بفقدان عام دراسي كامل على أقل تقدير.
وأوضح أوسو أن الكلية تضم نحو 500 طالب وطالبة موزعين بين الطب البشري وأربعة أو خمسة معاهد طبية متوسطة، وأنها أُنشئت أساسًا بقرار رئاسي تركي، والطرف التركي هو المسؤول القانوني والإداري عنها حتى اللحظة.
رغم صدور قرار إغلاق الكلية سوريًا، ما زال الموظفين والكوادر موجودين في انتظار التوقيع النهائي، حيث تشير تصريحات مسؤولي التعليم العالي إلى أن الجميع بانتظار صدور المراسيم الرسمية، بحسب الطالب بلال أوسو.
وحذر أوسو من أن نقل الطلاب إلى جامعة حلب يطرح إشكاليات أكاديمية ولوجستية كبيرة، بحكم دراستهم للمناهج باللغة التركية، خاصة طلاب السنوات المتقدمة الذين قطعوا شوطًا كبيرًا فيها، وبالتالي فإن تحويلهم إلى لغة تدريس عربية ومعادلة المواد التدريبية والأكاديمية سيؤدي حتمًا إلى ضياع سنوات من عمرهم الدراسي.
ولفت إلى وجود نحو 45 طالبًا وطالبة أتوا من داخل الأراضي التركية وبعضهم يحمل الجنسية التركية، وقد بنوا خططهم المستقبلية للتخصص والعمل هناك بناءً على لغة ونظام هذه الكلية، مما يجعل خيار النقل بالنسبة لهذه الفئة بمثابة ضربة قاضية لمستقبلهم الأكاديمي.
تناقض قانوني
من جانبه، شرح الطالب جمال مصطفى الرحمون، طالب في السنة السادسة بكلية الطب البشري بالراعي وعضو الهيئة الطلابية، في حديث لعنب بلدي، تفاصيل الأزمة منذ بدايتها، موضحًا أن قضيتهم بدأت بعد سقوط النظام، حين بدأ الطلاب يسعون لمعرفة الوضع القانوني والاعتراف الرسمي بالجامعة.
وأوضح أن الوضع المستقر قبل التحرير كان أن الجامعة تركية معترف بها، وبإمكان الطلاب إكمال اختصاصهم هناك مباشرة، وهي ميزة استثنائية كانت الطموح الأساسي لجميع من قصدوا جامعة العلوم الصحية.
بعض الطلاب تركوا دراستهم في جامعات أخرى وبعضهم كان في السنة الرابعة لدراسة الطب البشري ورجّح الانتقال إليها طمعًا بهذه الميزة، بجسب الرحمون.
ولفت إلى مفارقة قانونية واجهها الطلاب، إذ تمسك مسؤولو الوزارة بالقانون السوري الذي يمنع وجود جامعة أجنبية على الأراضي السورية لإغلاق الجامعة، لكنهم في الوقت ذاته خالفوا القانون نفسه الذي يمنع النقل بين الكليات الطبية وقرروا نقل الطلاب إجباريًا.
أضرار مضاعفة
أوضح الرحمون أنه، كحال عدد من الطلاب، اشترى منزلًا في منطقة الراعي بالقرب من الجامعة ورتب حياته واستقر بناءً على استمرارها، وجهز نفسه للاختصاص في تركيا مباشرة بعد التخرج دون الحاجة لمعادلة شهادته.
وفي حال إغلاق الجامعة ونقلهم إجباريًا إلى جامعة حلب، سيُجبرون في حال رغبتهم بالاختصاص في تركيا على خوض إجراءات معادلة الشهادة، وهي عملية مكلفة ماديًا وستؤدي إلى تأخيرهم أكاديميًا لمدة سنتين على الأقل، بينما تخرجهم من الجامعة الحالية يتيح لهم التقدم مباشرة لامتحان الاختصاص بمجرد تعديل الإقامة.
ولفت إلى أن الجامعة فتحت باب التسجيل على مفاضلتها ثم أوقفته بعد ثلاثة أيام فقط، وأن الدوام متوقف حاليًا في جميع المراحل باستثناء طلاب السنة السادسة في كلية الطب البشري، بانتظار ما ستؤول إليه الاتصالات الرسمية.
ننتظر المرسوم التركي
في المقابل، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مروان الحلبي، في تصريح له، في 1 من أيلول، أن الكليات والمعاهد التي جرى دمجها ضمن الجامعات الحكومية السورية أصبحت جميعها مشمولة بالمفاضلة العامة، وأصبح بإمكان الطلاب الراغبين بالدراسة فيها التقدم إليها كسائر كليات ومعاهد الجامعات السورية، وضمن بطاقة مفاضلة إلكترونية واحدة وترتيب موحد للرغبات.
وأوضح الحلبي أن جميع الكليات والمعاهد التي كانت تتبع سابقًا لفروع جامعة غازي عنتاب في الشمال السوري، والموزعة في عفرين وأعزاز والباب وجرابلس، دخلت ضمن المفاضلة، وأصبحت بعد دمجها جزءًا من جامعة حلب، بما يتيح للطلاب إدراج رغباتهم فيها ضمن البطاقة الموحدة.
وبخصوص الملف النهائي لفروع الجامعات التركية، بما فيها فروع جامعة غازي عنتاب وجامعة العلوم الصحية في الراعي، أكد الحلبي أن الوزارة أنجزت الجزء الأكاديمي المرتبط بدمج هذه المؤسسات ضمن منظومة التعليم العالي السورية.
وتنتظر وصول المرسوم الصادر عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر القنوات الرسمية، وفق الوزير الحلبي، وبعد وصوله واستكمال الإجراءات النهائية، سيُعلن للطلاب والرأي العام القرار الختامي والتفاصيل التنفيذية.
وطمأن الحلبي الطلاب بأن هذا الملف يسير نحو إغلاقه بصورة نهائية وواضحة، وأن الهدف الأساسي من جميع الإجراءات هو توحيد المرجعية الأكاديمية، وحفظ حقوق الطلاب والكوادر، وإنهاء أي حالة من حالات الازدواجية.
قرارات سابقة ومسار معلن
وكانت وزارة التعليم العالي قد اعتمدت، في آذار الماضي، فروع جامعة غازي عنتاب في مواقعها الحالية لتصبح تابعة لجامعة حلب، مع معادلة شهاداتها وفتح المجال أمام خريجيها للتقدم إلى الدراسات العليا، كما أعلنت العمل على توقيع مذكرة تفاهم مع جامعة غازي عنتاب بهدف استمرار التعاون العلمي بينها وبين جامعة حلب.
وبحسب قرار مجلس التعليم العالي المنشور رسميًا، شملت الإجراءات أيضًا تسوية أوضاع العاملين وأعضاء الهيئة التعليمية، واعتماد المناهج واللوائح القائمة، في خطوة قالت الوزارة إنها تهدف إلى ضمان استمرارية العملية التعليمية وحفظ حقوق الطلاب.
وفي حزيران الماضي، عاد مجلس التعليم العالي وأقر اعتماد وتصديق الشهادات الممنوحة لخريجي فروع الجامعات التركية في الشمال السوري، بما فيها جامعة غازي عنتاب وجامعة العلوم الصحية في الراعي، ووجّه جامعة حلب لاستكمال إجراءات التصديق والمعادلة.
