الرقة.. سعر الصرف يبدد عوائد القمح ويزيد خسائر المزارعين

  • 2026/10/08
  • 1:27 م
مزارعون يجلسون أمام مبنى محافظة الرقة احتجاجًا على تأخر صرف فواتير القمح - 12 آب 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)

مزارعون يجلسون أمام مبنى محافظة الرقة احتجاجًا على تأخر صرف فواتير القمح - 12 آب 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)

enab_get_authors_shortcode

يؤجل علي الحمد، وهو مزارع من ريف الرقة الشرقي، سداد الديون المترتبة عليه بعد قبض قيمة محصول القمح من المصرف الزراعي، على أمل تحسن سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار خلال الفترة المقبلة. 

وقال علي، لعنب بلدي، إنه قبض قيمة محصوله قبل أيام بالليرة السورية الجديدة، إلا أنه فوجئ بارتفاع سعر صرف الدولار، ما وضعه في حالة من الحيرة بشأن توقيت تسديد التزاماته المالية. 

وأضاف أن سعر صرف الدولار كان مستقرًا خلال الفترة الماضية عند حدود 130 ليرة سورية، قبل أن يشهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأيام الأخيرة، ليصل إلى نحو 138 ليرة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قيمة محصوله. 

ويفاقم ارتفاع سعر صرف الدولار أعباء مزارعي الرقة، الذين يقبضون أثمان القمح بالليرة بينما تبقى معظم مستلزمات الإنتاج والديون مسعّرة بالدولار، ما يحمّلهم فروقات إضافية ويزيد خسائرهم.

وشهدت أسعار صرف الدولار في السوق الحرة ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأيام الماضية، الأمر الذي أثّر بشكل مباشر في أسعار السلع وتكاليف المعيشة. 

التعامل بالدولار حاضر على نطاق واسع

وبحسب ما رصدته عنب بلدي في أسواق الرقة، فإن التعامل بالدولار لا يزال حاضرًا على نطاق واسع بين مختلف الفعاليات التجارية والاقتصادية، إذ تُسعَّر معظم عمليات البيع والشراء، ولا سيما المرتبطة بالأنشطة الزراعية والتجارية، بالعملة الأمريكية. 

ويجعل هذا الواقع تقلبات سعر صرف الدولار عاملًا مؤثرًا بشكل مباشر في حركة الأسواق وتكاليف المعيشة، وينعكس على أسعار السلع والخدمات والالتزامات المالية المترتبة على السكان والتجار والمزارعين على حد سواء. 

وقال المزارع إن معظم الديون المترتبة عليه مسعّرة بالدولار، وتشمل مستلزمات الإنتاج الزراعي من أدوية وأسمدة، إضافة إلى تكاليف النقل وأجور العمال وغيرها من النفقات، ما يضطره إلى شراء الدولار من السوق لتسديد تلك الديون، متحملًا بذلك فروقات سعر الصرف. 

من جانبه، قال المزارع أحمد الفياض، من ريف الرقة، إن المزارعين كانوا يعارضون منذ البداية تحديد سعر شراء القمح بالليرة السورية، محذرين من انعكاسات تقلبات سعر الصرف على قدرتهم على تسديد الديون المترتبة عليهم بعد تسلم مستحقاتهم. 

وأضاف أحمد لعنب بلدي أن المخاوف التي طرحها المزارعون تحققت مع بدء صرف فواتير القمح، إذ وجد كثيرون أنفسهم مضطرين لتحمل تكاليف إضافية نتيجة ارتفاع سعر الدولار، رغم قبض مستحقاتهم بالليرة السورية. 

وأوضح أنه اضطر إلى تحويل قيمة فاتورة القمح التي استلمها إلى الدولار لتسديد الديون المترتبة عليه، مشيرًا إلى أن التعامل بالدولار لا يزال سائدًا في معظم الأنشطة التجارية والزراعية في محافظة الرقة، ولا سيما أن جزءًا كبيرًا من مستلزمات الإنتاج الزراعي يُشترى بالدين ويُسعّر بالعملة الأمريكية. 

وبيّن أحمد أنه اشترى الدولار من سوق الصرافين في شارع المنصور بسعر 138 ليرة سورية للدولار الواحد، لافتًا إلى أن الفارق بين السعر الحالي وسعر الصرف قبل نحو شهر بلغ ثماني ليرات، وهو فارق ينعكس بشكل مباشر على تكاليف المزارعين وأرباحهم. 

وقال إن المزارعين يتعاملون بالدولار حتى عند التحضير للموسم الزراعي المقبل، موضحًا أن أصحاب الجرارات يطلبون أجور الحراثة بالدولار، كما تعتمد مستودعات الأسمدة والعديد من موردي مستلزمات الإنتاج الآلية نفسها، ما يجعل تقلبات سعر الصرف عاملًا مؤثرًا في مختلف مراحل العملية الزراعية. 

مخاوف تتحقق

عبّر مزارعون من محافظة الرقة عن مخاوفهم من تقلبات سعر صرف الدولار بعد أن حددت الحكومة السورية سعر محصول القمح بالليرة. 

وطالب مزارعون خلال تقرير سابق أعدته عنب بلدي بتثبيت سعر صرف الدولار عند مستوى معيّن عند احتساب ثمن القمح، أو تعويض المزارعين عن أي ارتفاع لاحق، لأنهم سيتحملون الخسارة في حال استمرار تقلب السعر. 

وأشار المزارع محمد الحسين إلى أن تذبذب سعر صرف الدولار زاد من حجم الخسائر، قائلًا: “خلال فترة انتظار الفواتير تغير سعر الصرف بشكل كبير، وهذا أثر على القيمة الفعلية للمبالغ التي سيحصل عليها المزارعون، بينما تبقى جميع مستلزمات الزراعة وأسعار الخدمات مرتبطة بالدولار”. 

وبيّن أن جزءًا كبيرًا من المزارعين لم يحصل على درجات تصنيف مرتفعة لمحصول القمح، إذ حصل معظمهم على درجات ثالثة أو رابعة، الأمر الذي انعكس على قيمة المستحقات المالية الناتجة عن بيع المحصول. 

لا يزال مزارعون سوريون ينتظرون الحصول على أثمان قمحهم الذي سلّموه إلى الدولة خلال الموسم الحالي، وسط تراكم الديون وصعوبة تأمين مستلزمات الموسم المقبل، بينما تعزو الحكومة تأخر صرف المستحقات إلى نقص السيولة النقدية وصعوبات تتعلق بطباعة العملة الجديدة وشحن الأموال.  

وقال مزارعون، في حديث إلى عنب بلدي، إن لديهم التزامات مالية وديونًا اضطروا إلى تحمّلها لتأمين احتياجات موسم القمح، وإن تأخر صرف المستحقات فاقم الضغوط الاقتصادية عليهم.  

معظم المستلزمات الزراعية بالدولار

بدوره قال خريج كلية الاقتصاد من جامعة “الفرات” محمد العيسى، إن ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية يؤثر بشكل مباشر على القطاع الزراعي، ولا سيما في محافظة الرقة التي يعتمد أكثر من 75% من سكانها على الزراعة كمصدر رئيس للدخل. 

وأوضح العيسى في حديث لعنب بلدي أن ذلك يعود إلى اعتماد الإنتاج الزراعي في سوريا عمومًا وفي الرقة خصوصًا على مدخلات مستوردة تسعر بالعملات الأجنبية، مثل الأسمدة والمخصبات الزراعية والأدوية البيطرية والمبيدات الحشرية، إضافة إلى قطع الغيار اللازمة للآليات الزراعية. 

كما أن المحروقات التي تعد عنصرًا أساسيًا في عمليات الري والحراسة والنقل وتجهيز الأراضي، أصبحت مرتبطة بسعر الدولار، ما يرفع تكاليف الإنتاج الزراعي مع كل ارتفاع جديد في سعر الصرف. 

وبيّن العيسى أنه لا يقتصر التأثير على المحاصيل الزراعية، بل يمتد إلى الثروة الحيوانية، إذ ترتفع أسعار الأعلاف المستوردة مثل الذرة الصفراء وفول الصويا، ما يؤدي إلى زيادة تكاليف إنتاج اللحوم والألبان والدواجن. 

ويرى العيسى أن المشكلة الأساسية تكمن في اتساع الفجوة بين تكاليف الإنتاج وأسعار بيع المحاصيل، نظرًا لطول الدورة الزراعية فالفلاح يشتري مستلزمات الإنتاج في بداية الموسم بأسعار معينة، لكنه يبيع محصوله بعد أشهر في ظل تغيرات كبيرة في سعر الصرف. 

وأضاف أن سعر الدولار كان في بداية الموسم بحدود 108 و110 ليرة سورية في نهاية عام 2025 (أي بداية موسم زراعة القمح)، بينما يقترب اليوم من 140 ليرة في وقت لم يحصل فيه كثير من المزارعين على مستحقاتهم المالية أو أثمان محاصيلهم، ما يفاقم خسائرهم.

انتقاد لسياسة التسعير

انتقد العيسى آلية التسعير الحكومية للمحاصيل الزراعية، معتبرًا أنها غير مجزية للفلاحين، وتؤدي إلى إنهاك رأس المال العامل وتقليص المساحات المزروعة.  

وأوضح أن بعض المزارعين الذين كانوا يزرعون مئات الدونمات اضطروا إلى خفض المساحات المزروعة بشكل كبير نتيجة ارتفاع التكاليف وتقلبات سعر الصرف. 

كما أشار إلى وجود أزمة سيولة حادة في الأسواق، تؤثر سلبًا في قدرة المزارعين على تمويل مواسمهم الزراعية. 

ولفت إلى أن حركة الصادرات والواردات تلعب دورًا محوريًا في تحسين واقع القطاع الزراعي موضحًا أن فتح أسواق خارجية أمام المحاصيل السورية، ولا سيما القطن من شأنه أن يرفع أسعارها ويزيد من جدواها الاقتصادية وفي المقابل فإن تسهيل دخول الأسمدة والمخصبات الزراعية بكميات أكبر قد يسهم في خفض الأسعار وتقليل تكاليف الإنتاج. 

مقالات متعلقة

  1. الرقة.. تحديد تسعيرة شراء المحاصيل بالليرة السورية يثير استياء المزارعين
  2. مع تراجع الليرة.. "الإدارة الذاتية" تحدد سعرًا جديدًا لشراء القمح من المزارعين
  3. بهدف استجرار كامل المحصول.. النظام يحدد السعر الأعلى لشراء القمح في سوريا
  4. "الإدارة الذاتية" ترجئ تحديد سعر شراء الحبوب بسبب انهيار الليرة السورية

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية