عبد الكريم بوشي
ليس من السهل على الإنسان أن يغيّر آراءه وأفكاره، بل الأصعب أن يُظهر هذا التغيير ويفسره أمام الناس. فما نحمله اليوم من أفكار لم نتلقّه دفعة واحدة، ولم يكن قالبًا جاهزًا. ما نحن عليه الآن هو حصيلة صراعات نفسية، وتصادم بين الأفكار، وتأثير مجتمع، ومواقف شخصية مرّ بها كل واحد منا، فكانت آراؤنا حصيلة خبرات طبعت أفكارنا وشخصياتنا حتى غدت جزءًا منا.
وهنا يجد الإنسان نفسه أمام معركة: هل يحمي صورته القديمة، أم يعترف بأنه تغيّر؟
ولعل مالكوم إكس كان أحد أبرز من عاشوا تحولات عميقة وانعطافات كثيرة في حياتهم وأفكارهم ومعتقداتهم، لكنها، رغم اختلاف مراحلها، كانت تتمحور حول مفهوم واحد ثابت: الكرامة والحرية.
فالرجل الذي عرفه العالم لم يُولد هكذا. كان اسمه مالكوم ليتل، وكان طفلًا أسود في أمريكا العنصرية، نشأ في ظروف قاسية تركت آثارها في تكوينه. عاش طفولة مضطربة؛ فقد والده في سن مبكرة، وتفكت أسرته، وانجرف إلى عالم الجريمة. كانت سنوات شبابه أقرب إلى طريق يقوده نحو السجن أو الموت.
لكن المفارقة أن المكان الذي سلب منه حريته، أي السجن، كان بابًا لتحريره وتغيير شخصيته. ففي السجن بدأ يقرأ بشغف، مطلعًا على التاريخ والدين والسياسة والمجتمع من زوايا مختلفة، وتعرف إلى تعاليم “أمة الإسلام”، لينولد مرة أخرى باسم مالكوم إكس.
بعد خروجه عام 1952، صعد نجمه بسرعة داخل الحركة، وتحول إلى أحد أبرز خطبائها والمتحدثين باسمها. كان خطابه حادًا وصادمًا يعبر عن غضب مشروع تجاه نظام عنصري همّش السود. ورغم اشتراكه مع مارتن لوثر كينغ في الهدف الأوسع (انتزاع حقوق السود وإنهاء الظلم)، اختلف معه بوضوح في الوسيلة؛ إذ رفض مالكوم أن يعني النضال السلمي التخلي عن حق الدفاع عن النفس، وبدا أكثر حدة في نقده للاندماج العرقي.
لكن مالكوم لم يبقَ في هذه النقطة إلى النهاية. في عام 1964، وبعد سنوات من الصعود، انفصل عن “أمة الإسلام” وسط خلافات عميقة، وأسس مؤسسات جديدة، لتظهر ملامح مرحلة جديدة في تفكيره.
ولأن الأفكار الجامدة تتعفن مع الوقت، بدأ يفعل الأمر الأكثر صعوبة: مراجعة أفكاره وآراءه وما آلت إليه تجربته. وقرر الذهاب إلى مكة. لم تكن تلك الرحلة مجرد سفر لأداء الحج، بل كانت تجربة فكرية وإنسانية هزت تصوراته؛ فقد رأى مسلمين من أعراق مختلفة يجتمعون في مكان واحد، ويتعاملون كبشر لا تحدد قيمتهم ألوان بشرتهم.
وبالنسبة لرجل تشكل وعيه في مواجهة واقع عنصري قاسٍ، لم تكن هذه التجربة عابرة. لقد بدأ يرى أن العالم أوسع من جماعة أو حزب، وأن السعي وراء الحقيقة يصقل أفكار الإنسان. وهنا ظهر مالكوم جديد؛ لم يتخلَ عن قضيته الأساسية في الكرامة، بل أصبح يتعامل معها كقضية حقوق إنسان لا مجرد صراع بين لونين. تغيرت رؤيته، لكن بوصلته بقيت كما هي.
هنا تكمن إحدى أهم المفارقات؛ فنحن غالبًا ما نخلط بين الثبات على المبدأ والثبات على الرأي. نعتقد أن تغيير الموقف تناقض، وأن الاعتراف بالخطأ خسارة للهيبة. لكن مالكوم يقدم لنا احتمالًا مختلفًا: ربما لا يكون تغيير الرأي ضعفًا، بل دليلًا على أن الإنسان ما زال حيًا من الداخل، وأن البحث عن الحقيقة يفرض مراجعة الأفكار القديمة كلما اصطدم بتجربة جديدة.
فالإنسان الذي يتعلم شيئًا جديدًا ثم يرفض تعديل تفكيره خوفًا من أن يبدو متناقضًا، قد يكون أكثر تناقضًا مع نفسه من الإنسان الذي يعترف بأن معرفته الجديدة فرضت عليه المراجعة. ولم يكن مالكوم قديسًا؛ فقد حمل تناقضات عصره، لكن عظمته تكمن في أنه لم يسمح لأخطائه القديمة بأن تمنعه من التقدم. لقد اختار أن يفتح الباب أمام الأسئلة بدل البقاء أسير إجابات الأمس الجاهزة.
وفي 21 شباط 1965، اغتيل في نيويورك وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، خلال فعالية لمنظمة الوحدة الأفريقية الأمريكية في هارلم، مات قبل أن تتاح له سنوات أخرى تكشف إلى أين كان يمكن أن يقوده ذلك التحول الفكري المتجدد.
إن قصته تتجاوز التاريخ الأمريكي لتصبح ملحمة الإنسان الذي يكتشف أن هويته ليست سجنًا، وأن أفكار الأمس لا يجب أن تتحول إلى قيود تمنعه من التفكير اليوم. فالخيانة الحقيقية ليست في تغيير الرأي حين يتكشف الواقع، بل في أن ندرك تغيرنا ثم نصر على ارتداء أفكارنا القديمة مجاملة للآخرين.
لقد غيّر مالكوم إكس كثيرًا من الأشياء في طريقه، لكنه لم يغيّر حاجته إلى الحرية والكرامة والعدالة. ولهذا بقي اسمه حيًا، لأنه لم يقدم نموذج الإنسان الذي امتلك الحقيقة كاملة، بل نموذج الإنسان الذي ظل يبحث عنها حتى النهاية.
