التقشف الحكومي.. كبح الصرف يقابله خطر تعثر المشاريع

  • 2026/10/11
  • 12:15 م
الأمين العام لرئاسة الجمهورية السورية عبد الرحمن الأعمى في اجتماع تنسيقي مع الوزراء بدمشق - 16 تموز 2026 (الأمانة العامة للرئاسة السورية/فيسبوك)

الأمين العام لرئاسة الجمهورية السورية عبد الرحمن الأعمى في اجتماع تنسيقي مع الوزراء بدمشق - 16 تموز 2026 (الأمانة العامة للرئاسة السورية/فيسبوك)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

دخلت الحكومة السورية مرحلة جديدة من ضبط الإنفاق العام، مع إصدار الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بلاغًا موجهًا إلى الوزارات والجهات العامة ذات الطابع الإداري والاقتصادي، يقضي بإيقاف عقد النفقات الجديدة غير الضرورية، وخفض النفقات القابلة للترشيد إلى الحد الأدنى الممكن، وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية، في محاولة للحد من توسع الإنفاق خلال ما تبقى من عام 2026.

ويشمل البلاغ إجراءات مباشرة لخفض النفقات التشغيلية، بينها:

  • تقليص مخصصات الوقود للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30%.
  • الحد من السفر والإيفاد والمؤتمرات والضيافة والمطبوعات والاشتراكات غير الضرورية.
  • وقف شراء أو استبدال الأثاث والتجهيزات والسيارات الإدارية إلا في الحالات التي تثبت ضرورتها.
  • منع إبرام عقود إيجار جديدة أو تجديد عقود قائمة عند وجود بدائل مملوكة للدولة.
  • تأجيل أعمال الصيانة والتأهيل غير العاجلة، ومراجعة المشاريع الاستثمارية وفق جدواها الاقتصادية والمالية والخدمية.

الحاجة إلى إجراءات لضبط الإنفاق ترتبط بصورة مباشرة بتطور أرقام الموازنة خلال النصف الأول من العام الحالي، إذ تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية و”نسخة المواطن لموازنة 2026″ عن ارتفاع الإيرادات بنسبة 111% لتصل إلى 2.7 مليار دولار، مقابل ارتفاع الإنفاق العام بنسبة أكبر بلغت 331% ليتجاوز 3.7 مليار دولار.

وأدى هذا الفارق إلى تسجيل عجز مالي قدره 1.005 مليار دولار خلال ستة أشهر فقط، أي ما يعادل 56% من العجز السنوي المقدر في موازنة 2026 بنحو 1.8 مليار دولار.

“استنفاد هوامش المناورة”

بلاغ الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، الذي يمثل خطة التقشف المقدمة من وزارة المالية السورية، يأتي بوصفه “اعترافًا رسميًا باستنفاد هوامش المناورة في المالية العامة لعام 2026″، بحسب الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري الدكتور محمد تيسير فقيه.

وفي حديث إلى عنب بلدي، أشار الخبير إلى أن البلاغ، في هذه الحالة، يمثل محاولة إسعافية لمنع اتساع الفجوة المالية خلال النصف الثاني من العام، إلى جانب السعي لتجنب انتقال هذا الضغط إلى موازنة 2027 بصورة أكبر، بما قد يرفع مستويات العجز إلى حدود يصعب على الاقتصاد الوطني تحملها.

إعادة ترتيب أولويات الدولة

لا يقتصر البلاغ على تخفيض نفقات محددة، بل يضع آلية لإعادة ترتيب المشاريع الاستثمارية المعتمدة لدى الجهات العامة، بحيث تراجع هذه المشاريع وفق درجة الضرورة، ونسبة الإنجاز، والالتزامات التعاقدية القائمة، والأثر المالي والاقتصادي والخدمي.

ويصنف البلاغ الرئاسي المشاريع إلى ثلاث فئات رئيسة:

الأولى: المشاريع ذات الأولوية، والمرتبطة باستمرار الخدمات الأساسية والسلامة العامة وحماية الأصول والبنى التحتية الحيوية، أو التي يؤدي توقفها إلى ضرر محقق، والمشاريع التي تحقق مردودًا اقتصاديًا أو ماليًا، ويشترط لاستمرار تنفيذها ضمن الاعتمادات المرصودة لها التحقق من أولويتها وجدواها وتوافر التمويل اللازم.

الثانية: المشاريع القابلة للتأجيل، وهي التي لا يترتب على تأجيلها أثر جوهري في الخدمات العامة أو النشاط الاقتصادي، ولا تنشأ عن التأجيل خسائر مالية أو أعباء تعاقدية جوهرية، وفي هذه الحالة، يوقف مؤقتًا عقد النفقات أو ترتيب التزامات جديدة عليها.

الثالثة: المشاريع غير ذات الأولوية، وهي التي لا تقتضي الضرورة تنفيذها في المرحلة الراهنة، أو لا تتناسب جدواها الاقتصادية أو المالية أو الخدمية مع تكلفتها في الظروف الحالية، ويوقف عقد النفقات وترتيب الالتزامات الجديدة عليها، على أن تحدد وزارة المالية الاعتمادات غير المعقودة الناتجة عن ذلك.

ولا يسمح البلاغ خلال فترة سريانه بإبرام عقود أو ترتيب التزامات جديدة على المشاريع الاستثمارية التي لم يبدأ تنفيذها، إلا إذا كانت مصنفة ضمن المشاريع ذات الأولوية.

الوقود والإنفاق غير الضروري

في الجانب التشغيلي، يفرض البلاغ خفض الكميات المخصصة من البنزين والمازوت للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30% من الكميات المخصصة لكل سيارة أو آلية بتاريخ نفاذه، مع استثناء السيارات التي لا تتجاوز مخصصاتها 70 ليترًا شهريًا ووسائل النقل الجماعي.

كما يطلب تنظيم ودمج التنقلات الرسمية قدر الإمكان، وتتولى وزارة الطاقة متابعة تنفيذ إجراءات ترشيد استهلاك المحروقات ورفع تقرير شهري إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية يتضمن استهلاك الجهات العامة ونسب الوفر الناتجة عن تطبيق البلاغ.

ويرى الدكتور محمد فقيه أن هذه الإجراءات تمثل في جوهرها محاولة مباشرة لكبح الإنفاق التشغيلي، لكنه يعتبر أن بعض البنود قد لا تحقق وفرًا فعليًا بالحجم المتوقع إذا لم تترافق مع آليات رقابة قادرة على قياس الاستهلاك الحقيقي.

ويضرب مثالًا على ذلك بقرار خفض مخصصات الوقود بنسبة 30%، معتبرًا أن هذه النسبة قد تكون، عمليًا، إجراء شكليًا إذا كانت الأسس الرقمية المعتمدة في الوزارات تتضمن أصلًا تضخمًا في الاعتمادات المخصصة، أو إذا أمكن تعديل الكشوفات الدفترية لتغطية حركة أساطيل المسؤولين دون انخفاض فعلي مماثل في الاستهلاك.

ويقترح فقيه أن تتولى وزارة المالية حصر الوفورات، واقتراح نقلها بين البنود أو إعادة تخصيصها عند الاقتضاء، وفقًا لأحكام القانون المالي الأساسي والأنظمة النافذة.

ويربط فقيه هذا الإجراء بصورة مباشرة بمحاولة الحد من العجز المسجل في الموازنة، معتبرًا أن مركزية التعامل مع الوفورات تمنع الجهات العامة من إعادة إنفاق الأموال التي جرى توفيرها على بنود أخرى، وتتيح توجيهها إلى تخفيف العجز الدفتري وعبء أدوات الدَّين قصيرة الأجل المترتبة على الخزينة.

ويصنف فقيه البلاغ، بناء على ذلك، ضمن “الإجراءات الإسعافية لضبط السيولة”، وليس ضمن خطة إصلاح مالي وهيكلي شاملة.

خطر تعثر المشاريع الحكومية

رغم اتساع نطاق الخفض، يستثني البلاغ الرواتب والأجور والنفقات اللازمة لاستمرار خدمات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، إضافة إلى أعمال الصيانة التشغيلية والوقائية الضرورية، على أن تكون هذه النفقات مبررة ومثبتة بالوثائق المؤيدة.

ويرى الخبير فقيه أن الاستثناءات الواردة في البلاغ الرئاسي فيما يتعلق بالمشاريع ضرورية من الناحية العملية، لكن التحدي يكمن في قدرة الجهات العامة على التمييز بين المشروع الذي يستحق الاستمرار والمشروع الذي يمكن تأجيله، ولا سيما في ظل ارتفاع تكاليف المواد وتذبذب سعر الصرف.

وأشار إلى أن حظر طلب زيادة اعتمادات المشاريع القائمة قد يسهم في “كبح تضخم أرقام الموازنة على الورق”، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى توقف أو تعثر مشاريع حكومية حيوية.

وقال إن الشركات والمتعهدين قد يرفضون الاستمرار في تنفيذ عقود البنية التحتية والإنشاءات بالأسعار القديمة، في ظل ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتذبذب سعر الصرف، ما قد يؤدي إلى تعثر المشاريع وارتفاع تكلفة استكمالها مستقبلًا بدل تحقيق الوفر المستهدف.

وتبلغ الاعتمادات المخصصة للإنفاق الاستثماري في موازنة 2026 نحو 2.8 مليار دولار، لكن فقيه يرى أن تقليص النفقات التشغيلية ووقف الاعتمادات المستجدة قد ينعكسان على قدرة القطاع العام على مواصلة الإنفاق في قطاعات خدمية مثل الكهرباء والمياه والمستشفيات الوطنية، وعلى الشركات التي تعتمد على العقود الحكومية كمصدر للنشاط.

وبحسب قراءته، فإن الانكماش في الإنفاق الحكومي قد يخلق ضغوطًا إضافية باتجاه ما يسميه “الركود التضخمي”، في ظل الدور الذي تؤديه الدولة بوصفها مشتريًا رئيسًا ومحركًا مباشرًا للسيولة في السوق المحلية.

وأشار في هذا الإطار إلى أن خفض الإنفاق لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، إذ يمكن أن يتزامن تقلص الطلب الحكومي مع استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار، ما يضع الاقتصاد أمام ضغوط مزدوجة.

تقشف إسعافي لا يعالج أصل الاختلال

رغم اتساع البنود التي شملها البلاغ، يرى فقيه أن الإجراءات الحالية لا ترقى إلى مستوى الإصلاح المالي الهيكلي.

وقال إن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة للنظام الضريبي، وتصحيح الاختلالات الموجودة في مؤسسات القطاع العام الاقتصادي، وإيجاد بدائل تنموية مستدامة، بدل الاعتماد بدرجة كبيرة على تمويل العجز ومحاولة كبح الإنفاق التشغيلي بصورة مجزأة.

ويعتبر فقيه أن أولوية الحكومة في المرحلة الحالية تبدو موجهة إلى تأمين الالتزامات الحتمية، مثل الرواتب والأجور ومستحقات الطاقة، إلى جانب حماية القطاعات الاجتماعية والخدمية الأساسية، لتجنب اتساع الانكشاف المالي.

لكن ذلك، وفق رؤيته، لا يعالج الأسباب التي أنتجت الفجوة بين الإيرادات والنفقات، وإنما يحد من سرعة اتساعها خلال الفترة المتبقية من العام.

الرقابة وفعالية البلاغ

يبقى تنفيذ البلاغ مرتبطًا بقدرة وزارة المالية والجهات الرقابية على مراقبة الإنفاق فعليًا، وليس فقط إصدار التعليمات المتعلقة به.

وفي هذا الجانب، يرى فقيه أن وزارة المالية والمؤسسات الرقابية تفتقر إلى آليات التدقيق الرقمية والأنظمة الإلكترونية الشاملة التي تتيح مراقبة صرف الاعتمادات بصورة لحظية.

وحذر من أن هذا النقص قد يتيح للجهات العامة ممارسة ما سمّاه “التكييف الإداري”، من خلال إعادة تبويب المصروفات أو تجزئة العقود أو إعادة توصيفها، بما يجعلها متوافقة شكليًا مع البلاغ دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى خفض حقيقي في النفقات.

وبحسب قراءة فقيه، فإن نجاح الإجراءات لا يتوقف على حجم البنود التي جرى تجميدها، وإنما على قدرة الدولة على تحويل التقشف من قرارات إدارية لخفض النفقات إلى إصلاح مالي يعالج فجوة الإيرادات والإنفاق من جذورها.

مقالات متعلقة

  1. المالية السورية تعيد رسم أولويات الإنفاق العام
  2. ترشيد الإنفاق الحكومي
  3. فائض الموازنة السورية لـ2025.. صحيح أم وهمي؟
  4. من يغطي "التمويل المجمع" لمشاريع خدمية في دمشق؟

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية