بعد سنوات من الإهمال وتداعيات الحرب التي تسببت بتراجع أعداد أشجار النخيل في مركز إكثار النخيل بدير الزور، تتجه الجهة المستثمرة إلى إعادة تأهيل المزرعة ضمن خطة تستهدف استعادة أعداد الأشجار، وتطوير منظومات الري بالطاقة الشمسية، وزيادة الإنتاج، وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وفتح أسواق للتصدير، وسط تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار الفسائل والمستلزمات الزراعية.
وبين أكثر من 20 ألف نخلة كان يضمها مركز إكثار النخيل في مدينة الجلاء في ريف البوكمال، ونحو 12 ألف نخلة بقيت فيه اليوم، يتضح حجم الخسارة التي لحقت بالمركز خلال السنوات الماضية.
وفي تصريحات لعنب بلدي، على هامش “معرض التمور الثالث- دير الزور 2026“، كشف القائمون على المركز عن خطة استثمارية تمتد عشر سنوات، تستهدف تعويض هذا التراجع عبر إعادة تأهيل المزرعة، والتوسع في زراعة الفسائل، وتشغيل منظومات الري بالطاقة الشمسية، وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وفتح باب التصدير.
خطة تمتد عشر سنوات
قالت ممثلة مؤسسة “أميريكان ريليف فاوند”، شهيرة عاشور، لعنب بلدي، أن المؤسسة أبرمت عقدًا استثماريًا مع وزارة الزراعة لتأهيل المزرعة وتطويرها، مشيرة إلى بدء تركيب منظومة للطاقة الشمسية بدلًا من محركات الديزل، بهدف تأمين الكهرباء بصورة مستدامة وتخفيف تكاليف تشغيل عمليات الري والعناية بأشجار النخيل.
وتتضمن الخطة وفق عاشور استيراد خمسة آلاف فسيلة من صنف “الخنيزي” من دول الخليج العربي، إلى جانب الاعتماد على الفسائل والرواكيب الموجودة داخل المزرعة لزيادة عدد الأشجار.
وتهدف الخطة، بحسب عاشور، إلى تلبية احتياجات السوق المحلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي على المدى القريب، ثم إيجاد منافذ تسويقية خارج المنطقة والوصول إلى مرحلة التصدير مستقبلًا.
تراجع أعداد النخيل
أُنشئت مزرعة النخيل في الجلاء عام 1986، وكانت تضم نحو 20 ألف نخلة، قبل أن تتعرض للإهمال خلال السنوات الـ14 الماضية، نتيجة الحرب والأحداث التي شهدتها المنطقة.
وأشارت عاشور إلى أن المزرعة لم تتلقَّ خلال تلك الفترة ما تحتاج إليه من أسمدة وري ورعاية، ما أدى إلى تراجع عدد أشجارها.
وأضافت عاشور أن المؤسسة نفذت، بصورة إسعافية، عملية تلقيح النخيل خلال شهري نيسان وأيار من العام الحالي، قبل إبرام عقد الاستثمار والبدء بإعادة تأهيل المزرعة وتطويرها.
كما بيّن رئيس مركز إكثار النخيل، أيمن الهبل، في حديث إلى عنب بلدي، أن عدد الأشجار في المزرعة تراجع من أكثر من 20 ألف نخلة سابقًا إلى نحو 12 ألف نخلة حاليًا، موزعة على أصناف مختلفة.
وعزا أيمن الهبل هذا التراجع إلى تبعات الحرب والظروف الأمنية التي مرت بها المنطقة، فضلًا عن النقص الحاد في الأسمدة والمعدات الزراعية ومستلزمات التشغيل.
وتخطط الجهة المستثمرة لرفع عدد أشجار النخيل في المزرعة إلى 20 ألف نخلة خلال العام المقبل، بحسب عاشور.
وأوضحت عاشور أن الخطة ستعتمد على زراعة الفسائل والرواكيب الموجودة حاليًا داخل المزرعة، للاستفادة منها في تعويض الأشجار المفقودة، وإعادة عدد النخيل إلى المستوى الذي كان عليه قبل سنوات الإهمال.
تحديات
يرى مزارعون أن نجاح خطة إحياء زراعة النخيل لا يتوقف على إدخال أصناف جديدة أو توسيع المساحات المزروعة، بل يحتاج إلى دعم حكومي ومؤسساتي يخفف تكاليف تأسيس البساتين ويضمن استمرار الإنتاج.
وبحسب مزارعين تحدثوا إلى عنب بلدي، يصل سعر فسيلة النخيل الواحدة إلى نحو 300 دولار أمريكي، ما يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا، ويحد من قدرتهم على تأسيس بساتين جديدة أو تعويض الأشجار التي فقدوها خلال السنوات الماضية.
وطالب المزارعون بتسهيل استيراد فسائل ذات إنتاجية مرتفعة وقدرة أكبر على مقاومة التقلبات الجوية، إلى جانب توفير الأسمدة والمبيدات والمستلزمات الزراعية بصورة دورية وبأسعار مدعومة.
كما شددوا على ضرورة خفض تكاليف تأسيس بساتين النخيل، بوصفها واحدة من أبرز العقبات التي تحول دون عودة المزارعين إلى هذه الزراعة.
معرض لتبادل الخبرات
جاءت التصريحات خلال فعاليات المعرض السنوي الثالث للنخيل والتمور، الذي أُقيم في بلدة الجلاء، بمشاركة مزارعين وجهات زراعية وبحثية.
وقالت عاشور، إن المعرض يشكل فرصة لجمع مزارعي النخيل في المنطقة، وتبادل الخبرات والمعارف المتعلقة بزراعة الأشجار وإنتاج التمور والعناية بها.
وشهد المعرض عرض أكثر من 20 صنفًا من التمور المزروعة محليًا، من بينها الخستاوي، والزاهدي، وأصابع العروس، واللولو، والبرحي، والشاهاني، والإخلاص، والحلواني، والبقلاوة، ونبتة سيف، والشهابي، والكبكاب، والدقلة والزغلول، إلى جانب أصناف أخرى.
كما شارك مركز البحوث الزراعية في دير الزور بعرض سلالات حديثة ومطوّرة، أُنتجت واختُبرت محليًا، بهدف الوصول إلى أصناف قادرة على التأقلم مع الظروف البيئية والمناخية في المنطقة.
ويعكس هذا التنوع ما تمتلكه دير الزور من مقومات لاستعادة نشاط زراعة النخيل وإنتاج التمور، لكن الاستفادة منه تبقى مرتبطة بتوفير مستلزمات الإنتاج وخفض تكاليفها.
