سجلت الليرة السورية تراجعًا أمام الدولار الأمريكي، منذ إعلان وزارة المالية السورية، في 31 من آب الماضي، عن عجز مالي في الموازنة العامة خلال النصف الأول من عام 2026، بعدما تجاوز الإنفاق الحكومي الإيرادات بنحو مليار دولار.
وارتفع سعر صرف الليرة السورية، اليوم الأربعاء 14 من تشرين الأول، في السوق الموازية إلى نحو 139 ليرة للشراء و140 ليرة للمبيع، مسجلًا تحسنًا بسيطًا عن أمس بنحو ليرة سورية واحدة فقط، وسط ضغوط متزايدة ارتبطت بارتفاع أسعار المحروقات، واتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.
كما ترافقت موجة التراجع الأخيرة في سعر الصرف مع تساؤلات عن قدرة السياسات المالية والنقدية على الحد من الضغوط على الليرة، في وقت ما تزال فيه المصارف تفرض قيودًا على السحوبات، ويعاني فيه النشاط الاقتصادي من صعوبات في التمويل وتوفير العملات الأجنبية.
وبينما يربط الأكاديمي والخبير الاقتصادي المصرفي الدكتور محمود عبد الكريم، التراجع الأخير بارتفاع تكاليف المحروقات وتأثيرها في توقعات الأسعار، يرى الخبير في السياسات المصرفية والنقدية مخلص الناظر، النائب الأول السابق لحاكم مصرف سوريا المركزي، أن المشكلة تتجاوز كمية الليرات المتداولة، لتشمل:
- الثقة بالعملة المحلية.
- صعوبة الوصول إلى الأموال.
- ضعف تدفق الدولار إلى السوق.
المحروقات تدفع الدولار إلى الارتفاع
ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية من نحو 132 ليرة في أيلول الماضي إلى قرابة 140 ليرة في تشرين الأول الحالي، في حين حافظ مصرف سوريا المركزي على سعره الرسمي عند 121.50 ليرة للشراء و122.50 ليرة للمبيع.
وأدى هذا التباعد إلى اتساع الفجوة بين السعرين، إذ اقترب الفرق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية من 15%، وذلك يعني، وفقا للدكتور عبد الكريم، أن من يبيع دولاراته بالسعر الرسمي يحصل على مقابل أقل مما يمكن أن يحصل عليه في السوق الموازية، ما يدفع المتعاملين إلى تجنب القنوات المصرفية الرسمية، وذلك يحد من تدفق القطع الأجنبي إليها.
ويربط عبد الكريم، في حديثه إلى عنب بلدي، بداية موجة الارتفاع الأخيرة بقرارات رفع أسعار المحروقات، ولا سيما النشرة الصادرة في 13 من أيلول، التي رفعت سعر المازوت بنحو 40 %، والبنزين بنسب تراوحت بين 26 و28 %.
وحسب قراءته، لم يكن التأثير الأساسي لهذه القرارات زيادة في الحاجة الفعلية إلى الدولار لاستيراد الوقود، بل انعكاسًا لارتفاع الأسعار على تكاليف الإنتاج والنقل والزراعة وتشغيل المولدات والأفران، وهي قطاعات تدخل في كلفة عدد كبير من السلع والخدمات.
بحسب الخبير عبد الكريم، يمكن تلخيص أبرز قنوات تأثير رفع أسعار المحروقات في سعر الصرف، بما يلي:
- ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل: ينتقل ارتفاع أسعار المازوت والبنزين إلى كلفة نقل البضائع وتشغيل المنشآت الزراعية والصناعية والخدمية.
- زيادة توقعات التضخم: يخشى المواطنون والتجار ارتفاعًا جديدًا في أسعار السلع، فيسارع بعضهم إلى شراء الدولار أو الذهب لحماية مدخراتهم.
- المضاربة : قد يستغل بعض المتعاملين توقعات ارتفاع الدولار لتحقيق مكاسب، ولا سيما في بداية موجات التقلب.
وتزداد حساسية السوق تجاه أسعار النفط العالمية، في ظل اعتماد سوريا على استيراد جزء من احتياجاتها النفطية، ومع ارتفاع كلفة هذه المستوردات، تتعرض المالية العامة والمستهلكون لضغوط إضافية، سواء من خلال زيادة الإنفاق على الاستيراد أو انتقال جزء من التكلفة إلى أسعار الوقود والسلع.
العجز المالي يضغط على الثقة
أظهرت بيانات وزارة المالية أن الإيرادات العامة خلال النصف الأول من عام 2026 بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق وصل إلى 3.7 مليارات دولار، ما خلّف عجزًا يقارب مليار دولار.
ويرى الأكاديمي السوري عبد الكريم، أن هذا العجز يشكل عامل ضغط على الثقة بالليرة، لكنه لا يعني بالضرورة أن الحكومة ضخت كميات إضافية من العملة المحلية في السوق، فالتأثير النقدي للعجز يتوقف على الطريقة التي تموّل بها الدولة نفقاتها، وما إذا كانت ستعتمد على أدوات تمويل قصيرة الأجل أم تلجأ إلى الاقتراض المباشر من المصرف المركزي.
وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، صرح في نهاية آب، أن الوزارة تعتمد على التمويل قصير الأجل، من دون الاستدانة من المركزي أو ضخ سيولة نقدية إضافية في السوق.
وبناء على ذلك، لا يرى عبد الكريم أن هناك دليلًا كافيًا على أن العجز أدى حتى الآن إلى زيادة كبيرة في المعروض النقدي، لكنه يحذر من أن طريقة تمويله ستظل عاملًا مهمًا في تحديد اتجاه سعر الصرف.
وحسب هذا التقييم، يرتبط تأثير العجز على الليرة بثلاثة عوامل رئيسية:
- طريقة التمويل: الاعتماد على أدوات تمويل لا تؤدي إلى ضخ نقدي مباشر يختلف عن تمويل الإنفاق بطباعة مزيد من العملة.
- ثقة الأسواق: قد تؤدي المخاوف من استمرار العجز إلى زيادة الإقبال على الدولار، حتى قبل ظهور أثر نقدي مباشر.
- الإيرادات العامة: يؤدي اعتماد جزء مهم من إيرادات الدولة على قطاع الطاقة إلى زيادة تأثر المالية العامة بتقلبات أسعار النفط وتكاليف المحروقات.
وفي تقدير عبد الكريم، لا يبدو سعر الدولار الحالي مبالغًا فيه قياسًا إلى الضغوط الاقتصادية القائمة، بل يقع ضمن نطاق يمكن تفسيره بتراجع قيمة الليرة وارتفاع تكاليف الوقود والتوقعات التضخمية.
ويضع عبد الكريم ثلاثة مسارات محتملة لسعر الصرف خلال الفترة المقبلة:
- المسار الأساسي: استمرار ارتفاع الدولار تدريجيًا إذا بقيت أسعار الوقود على مستوياتها الحالية، واستمرت الضغوط المرتبطة بتكاليف الطاقة والتوقعات التضخمية.
- المسار الإيجابي لليرة: تراجع الدولار تدريجيًا إذا انخفضت أسعار النفط، وخُفضت أسعار الوقود، وتدفقت استثمارات فعلية توفر العملات الأجنبية.
- المسار السلبي: ارتفاع أكبر للدولار إذا زادت أسعار النفط، وصدرت قرارات جديدة لرفع أسعار الوقود، واضطرت الخزينة إلى التمويل المباشر من المصرف المركزي.
وقد يؤدي تدخل المصرف المركزي عبر بيع الدولار إلى انخفاض مؤقت في سعره، لكن عبد الكريم يرى أن التراجع المستدام يحتاج إلى تدفقات فعلية من العملات الأجنبية، أو زيادة الإنتاج النفطي، أو خفض أسعار المحروقات.
لماذا لا يؤدي تقييد السحوبات إلى خفض الدولار؟
يرى الدكتور مخلص الناظر في منشور عبر لينكد إن، في 12 من تشرين الأول، أن تقييد السحوبات المصرفية لا يؤدي بالضرورة إلى تقليل الطلب على الدولار، بل قد يساهم في زيادته، (على حد قوله)، لأن العامل الحاسم ليس كمية الليرات المتداولة وحدها، وإنما مدى ثقة الناس بها وقدرتهم على استخدامها والوصول إلى مدخراتهم.
ويوضح الناظر أن النظرية الاقتصادية تفترض أن انخفاض السيولة بالعملة المحلية قد يقلل الطلب على العملات الأجنبية، إذا بقيت العوامل الأخرى ثابتة، حسب تعبيره.
لكن هذا الافتراض لا ينطبق بالضرورة على الحالة السورية، حيث تتزامن قيود السحب مع مخاوف بشأن قيمة المدخرات، وصعوبات في النشاط التجاري، وضعف المعروض من العملات الأجنبية.
ويقول الناظر إن المواطن أو التاجر الذي لا يستطيع سحب أمواله بحرية قد يتعامل مع هذه القيود بوصفها مؤشرًا على وجود مشكلة نقدية، وعندما يحصل على جزء من أمواله بالليرة، قد يسارع إلى تحويلها إلى الدولار أو الذهب بدل الاحتفاظ بها أو إيداعها في المصارف.
ويحدد الناظر أربعة مصادر رئيسية للطلب على الدولار في الظروف الحالية:
- فقدان الثقة بالليرة والمصارف: تدفع صعوبة الوصول إلى المدخرات بعض المواطنين والتجار إلى شراء الدولار أو الذهب بمجرد توافر السيولة لديهم.
- الاستيراد خارج القنوات الرسمية: قد تدفع القيود على التحويلات والإجراءات المصرفية بعض التجار إلى تأمين الدولار نقدًا لتغطية احتياجاتهم من البضائع والمواد الأساسية.
- ضعف المعروض من العملات الأجنبية : تؤدي محدودية الصادرات وضعف الإيرادات السياحية وتردد الاستثمارات الأجنبية إلى تقليص تدفق الدولار إلى السوق.
- تراجع النشاط الاقتصادي النظامي: قد تؤدي الأعباء المفروضة على الأعمال إلى إضعاف الإنتاج والاستثمار، وتدفع بعض أصحاب الأموال إلى المضاربة بالعملات بحثًا عن مكاسب سريعة.
ولا يقتصر الأمر على الطلب، وفق الناظر، إذ أن ضعف المعروض من الدولار يمثل عاملًا أساسيًا في ارتفاع سعره، ففي سوق محدودة المعروض، يمكن لزيادة محدودة في الطلب أن تحرك سعر الصرف، حتى مع شح السيولة بالليرة.
كما يحذر من أن تشديد الأعباء على الأنشطة الاقتصادية النظامية قد يضعف الإنتاج والاستثمار، بدل تنشيط دورة رأس المال وتوسيع فرص العمل.
استعادة الثقة بدلًا من حبس السيولة
يرى “الناظر” النائب السابق لحاكم المركزي، أن معالجة الضغوط على الليرة لا تبدأ من تقليل كمية الأموال المتداولة فحسب، بل من استعادة الثقة بالنظام المصرفي وتحسين قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية.
ويقترح أربعة مسارات رئيسية للمعالجة:
- تخفيف قيود السحوبات والتحويلات تدريجيًا: بما يسمح للمواطنين بالوصول إلى أموالهم، ويحد من اندفاعهم نحو تحويل مدخراتهم إلى الدولار والذهب والاحتفاظ بها خارج المصارف.
- دعم الإنتاج والتصدير: من خلال تخفيف الأعباء على القطاعين الصناعي والزراعي، وتحفيز الأنشطة التي توفر سلعًا قابلة للتصدير وتولد إيرادات بالعملات الأجنبية.
- تعزيز الشفافية في السياسة النقدية: عبر تقليص الفجوة بين أسعار الصرف، وتبسيط الإجراءات أمام التجار، وتشجيعهم على إجراء معاملاتهم من خلال القنوات الرسمية، مع نشر بيانات مالية واضحة ومتسقة.
- تحسين بيئة الأعمال والاستثمار: لجذب استثمارات أجنبية فعلية توفر الدولار، وتخلق فرص عمل، وتنشط الإنتاج بدل الاكتفاء بمعالجة الأعراض المؤقتة للأزمة.
وبينما لا تشير المعطيات التي عرضها الخبيران عبد الكريم والناظر، إلى أن تقييد السيولة وحده كافٍ لاستقرار الليرة، فإنهما يضعان الثقة بالعملة المحلية وتوفير الدولار وتحفيز النشاط الإنتاجي في صلب معالجة الأزمة، بدل الاكتفاء بتقليص الأموال المتاحة للمواطنين والتجار.
