قد تبدو حبة الزيتون مجرد طبق جانبي صغير يزين مائدة الفطور، لكنها في الحقيقة ثمرة استثنائية تحمل تركيبة غذائية متكاملة، إذ تتميز بغناها بالدهون الأحادية غير المشبعة الصديقة للقلب، والألياف الغذائية، وفيتامين “E”، بالإضافة إلى توليفة من المركبات النباتية النشطة، وأبرزها “المركبات الفينولية” التي تمنح الزيتون خصائصه المضادة للأكسدة.
لكن السر الحقيقي وراء هذه الثمرة يكمن في تفاصيلها، فبحسب ما توضحه خبيرة التغذية العلاجية، الدكتورة نور قهوجي، في حديث إلى عنب بلدي، فإن التركيب الغذائي للزيتون يتغير ديناميكيًا بناءً على ثلاثة عوامل: نوعه، ودرجة نضجه، وطريقة حفظه.
وتنطلق الدكتورة قهوجي من هذه الحقائق لتؤكّد أن الحديث عن فوائد الزيتون لا يتوقف عند الاختيار التقليدي بين: أخضر أم أسود؟، بل يمتد إلى تفاصيل أدق تحدد حجم الفائدة التي يجنيها الجسم يوميًا.
وفي مقارنة بين الثمرة الكاملة وزيتها، تفصّل الاختصاصية الخصائص الحيوية التي تجعل من التناول اليومي للزيتون خطوة مؤثرة في تعزيز الصحة العامة، مبيّنة أن المنافع لا تقتصر على الألياف فحسب، بل تمتد إلى طبيعة المغذيات الدقيقة.
كما تشير إلى أن الدهون الموجودة في الثمرة ينتمي معظمها إلى فئة الدهون الأحادية غير المشبعة. وبناءً على ذلك، يُعد الزيتون بديلًا ذكيًا وصحيًا يعوّض الجسم عن الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة الضارة، لا سيما عند إدراجه ضمن نظام غذائي يومي متوازن.
وتتحدث قهوجي عن الدور الدفاعي لهذه الحبة الصغيرة، مؤكدةً أن المركبات النباتية النشطة المستقرة في قشرة الزيتون ولبّه تؤدي دور الحارس لخلايا الجسم، إذ تسهم بفعالية في حماية المكونات الخلوية من التلف الناتج عن الأكسدة.
بين الحقيقة والمبالغة
ومع ذلك، تحرص الاختصاصية على وضع هذه الفوائد في إطار علمي دقيق، لافتةً إلى أن الاعتماد على الزيتون وحده ليس سحرًا لمنع الأمراض، بل يجب النظر إليه كعنصر داعم وقيّم يكمل منظومة نمط الحياة الصحي والشامل.
وحول تأثير هذه الحبة على الجهاز الهضمي، تردف قهوجي أن الزيتون يحتوي على كمية من الألياف، وإن كانت الحبة الواحدة لا تقدم كمية ضخمة منها، لذلك لا يمكن اعتباره مصدرًا رئيسيًا للألياف مثل البقوليات أو الحبوب الكاملة، لكن إدخاله ضمن وجبة تحتوي على الخضار والبقوليات والحبوب الكاملة يساعد على زيادة التنوع الغذائي، وهو أمر مهم لصحة الأمعاء.
الزيتون المخمر والبكتيريا النافعة
أما بالنسبة للزيتون المخمر، فتشير قهوجي إلى وجود نقطة مثيرة للاهتمام في هذا الجانب، إذ إن بعض طرق تحضير الزيتون تعتمد على التخمير بواسطة الكائنات الدقيقة، وقد تتغير خلال هذه العملية الحموضة والمركبات الموجودة في الثمرة.
كما توضح أنه لا ينبغي اعتبار كل زيتون مخلل مصدرًا مؤكدًا للبكتيريا النافعة، كون الطرق الصناعية والتعقيم والتخزين يمكن أن تغير ذلك إلى حد كبير.
ما وراء الأخضر والأسود
تُفصّل الاختصاصية قهوجي الفروقات الجوهرية بين لوني الزيتون الأخضر والأسود، مؤكدةً أن المفاضلة بينهما لا تتوقف عند المظهر فقط.
ووفقًا للاختصاصية، فإن الزيتون الأخضر عادة ما يكون أقل نضجًا عند قطافه، بينما يكون الزيتون الأسود أكثر نضجًا، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تغير بعض المركبات النباتية والصفات الحسية مع تقدم مراحل النضج.
كما تكشف عن حقيقة تصنيعية مهمة، وهي أن بعض الزيتون الأسود المتوفر في الأسواق يحصل على لونه الداكن عبر معالجات كيميائية وتجارية في أثناء التحضير، وبناءً على ذلك، لا يمكن الاعتماد على اللون وحده كمعيار للحكم على القيمة الغذائية للثمرة.
وتحدد قهوجي العوامل الحقيقية التي تصنع الفارق الصحي، مبينةً أن المحددات الأساسية والأهم من اللون هي: صنف الزيتون، وطريقة تحضيره، وكمية الملح المضافة إليه.
تحذيرات لمرضى الضغط والكلى
وفي سياق متصل، تُشير الاختصاصية إلى المعضلة الأكبر في تناول الزيتون والمتمثلة في محتواه من الملح، إذ يُحفظ غالبًا في محلول ملحي، مما يرفع مستويات الصوديوم فيه بشكل كبير، لاسيما عند تناول كميات كبيرة يوميًا بالتزامن مع الأطعمة الأخرى كالجبن والمخللات واللحوم المصنعة.
بناء على ذلك، تحذر قهوجي الفئات التي تعاني من ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض الكلى، أو من لديهم توصيات طبية بتقليل الصوديوم، داعيةً إياهم إلى توخي الحذر، مُقترحةً شطف الزيتون بالماء قبل تناوله للتخلّص من جزء من الملح العالق على سطحه.
الزيتون والوزن.. الحقيقة والبدائل
وحول الحصة اليومية الموصى بها، تبين قهوجي أنه لا توجد جرعة علاجية ثابتة للزيتون، لكنها ترى أن تناول 5 إلى 10 حبات يوميًا يعد كمية عملية لمعظم الأشخاص، مع إمكانية اختلافها بحسب حجم الحبة، ونسبة الملح، وطبيعة النظام الغذائي المتبع.
وتؤكّد الاختصاصية أن المشكلة لا تكمن في كون الزيتون مسببًا لزيادة الوزن بحد ذاته، بل في أن إضافته بكميات كبيرة إلى وجبات مليئة بالجبن، والصلصات، والزيوت، تتسبب في رفع السعرات الحرارية بسهولة.
وفي هذا الإطار، تنصح بدمجه مع الخضار مثل الطماطم، والفلفل، والجرجير، معتبرة أن الدهون الموجودة في الزيتون تساعد على امتصاص بعض المركبات النباتية الذائبة في الدهون والموجودة في تلك الخضروات، في حين أن تناوله مع الأجبان شديدة الملوحة والمخللات واللحوم المصنعة يجعل الوجبة أكثر ارتفاعًا بالصوديوم.
خرافة “نواة الزيتون”
وعن نواة الزيتون، تنبه قهوجي إلى عدم وجود أي فائدة غذائية مثبتة تستدعي تناولها، محذرةً من أنها صلبة وقد تسبب الاختناق أو تلحق الأذى بالجهاز الهضمي، ولذلك تُوصي بتناول الثمرة والتخلص من النواة فورًا.
وفي النهاية، الزيتون ليس مجرد “مقبلات”، إنه ثمرة تجمع بين الدهون الصحية والمركبات النباتية والألياف، ويمكن أن يكون جزءًا من نمط غذائي صحي، لكن فائدته تعتمد على الكمية وطريقة التحضير وما نأكله معه.
حبات قليلة من زيتون جيد مع طبق خضار قد تكون إضافة ذكية، بينما طبق كبير من الزيتون شديد الملوحة إلى جانب أطعمة مالحة قد يحوّل الطعام الصحي إلى مصدر زائد للصوديوم. وهنا تحديدًا تكمن القاعدة الأهم: الطعام نفسه قد يكون مفيدًا، لكن طريقة تناوله هي التي تحدد الصورة الكاملة.
