أكد المندوب الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، التزام دمشق بمكافحة الجرائم ضد الإنسانية ومحاسبة مرتكبيها وإنصاف الضحايا، مشددًا على أن المرحلة الجديدة في سوريا تقوم على إرساء العدالة وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وليس الانتقام.
وقالت بعثة سوريا لدى الأمم المتحدة اليوم، الخميس 15 من تشرين الأول، إن علبي أدلى ببيان سوريا خلال مناقشة البند 79 المعنون بـ”الجرائم ضد الإنسانية”، أمام اللجنة السادسة المعنية بالشؤون القانونية، استعرض فيه جهود الحكومة السورية لمعالجة إرث الانتهاكات وتعزيز المساءلة.
واستحضر علبي، خلال البيان، ما وصفه بالتجربة الأليمة التي عاشها السوريون في ظل النظام السابق، وما خلفته الجرائم والانتهاكات الجسيمة من آثار طالت المدنيين والبنى الاجتماعية والاقتصادية ومؤسسات الدولة.
وقال إن السوريين اختاروا العدالة بدلًا من الانتقام، مشيرًا إلى أن الحكومة السورية اتخذت خطوات لمعالجة ملفات الانتهاكات، من بينها إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، بهدف إنصاف الضحايا والتعامل مع تبعات الجرائم السابقة.
وأضاف أن السلطات بدأت إجراءات لمحاسبة المتورطين في الجرائم الأشد خطورة، بما يشمل الانتهاكات المرتكبة في الماضي وتلك التي شهدتها البلاد خلال المرحلة الانتقالية، معتبرًا أن هذه الإجراءات تعكس توجهًا لإنهاء الإفلات من العقاب.
العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين
تأتي تصريحات علبي في وقت تواجه فيه سوريا ملفات متراكمة تتعلق بالانتهاكات التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، وفي مقدمتها الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والقتل والتعذيب، إلى جانب تحديات الكشف عن مصير المفقودين وتحديد المسؤوليات وجبر الضرر الواقع على الضحايا وذويهم.
وكان الرئيس السوري، أحمد الشرع، أصدر، في 17 من أيار 2025، المرسومين رقم “19” و”20″، اللذين قضيا بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، في خطوة تستهدف التعامل مع ملفي المحاسبة وكشف مصير المفقودين.
وتتولى الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية العمل على معالجة إرث الانتهاكات وتحقيق العدالة للضحايا، فيما يتركز عمل الهيئة الوطنية للمفقودين على البحث عن الأشخاص المفقودين والمختفين قسرًا، والكشف عن مصيرهم بالتعاون مع الجهات المعنية.
ويضع حديث علبي أمام المجتمع الدولي التزام دمشق المعلن بالمحاسبة في إطار أوسع، يتصل بقدرة المؤسسات الوطنية على تحويل التعهدات إلى إجراءات قضائية وقانونية واضحة، تضمن حقوق الضحايا وتتعامل مع الانتهاكات على أساس المسؤولية الفردية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.
سوريا تسعى إلى اتفاقية دولية
على الصعيد الدولي، قال علبي إن سوريا تسعى إلى الإسهام في صياغة اتفاقية دولية لمنع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها، انطلاقًا من تجربتها وما شهدته من انتهاكات خلال السنوات الماضية، بهدف تجنيب شعوب أخرى مآسي مماثلة.
وأوضح أن سوريا رشحت نفسها لعضوية مكتب اللجنة التحضيرية لمؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين المعني بمنع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها، وانتُخبت نائبًا لرئيس اللجنة خلال دورتها الأولى.
واعتبر علبي أن انتخاب سوريا لهذا المنصب يعكس ثقة الدول الأعضاء بالتزام دمشق بالمشاركة البناءة في المفاوضات، مؤكدًا استعداد بلاده للمشاركة الفاعلة في المراحل المقبلة لإنجاح المؤتمر المقرر عقده في نيويورك.
وأعرب عن تطلع سوريا إلى أن تراعي الاتفاقية المرتقبة حماية المستشفيات والمرافق الصحية والأطفال، في ضوء ما شهدته البلاد من انتهاكات طالت المدنيين والمنشآت المدنية خلال سنوات الحرب.
علبي يحذر من الاعتداءات الإسرائيلية
حذر علبي من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، معتبرًا أنها تعيد إنتاج معاناة السوريين وتقوض جهود التعافي الوطني وإعادة بناء مؤسسات الدولة، في وقت تعمل فيه الحكومة على تعزيز العدالة والمساءلة وترسيخ الاستقرار.
واستشهد بقلق لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا إزاء تصاعد النشاط العسكري الإسرائيلي وترسيخ الوجود في الجنوب السوري، وما يرافق ذلك من توغلات ومداهمات واحتجاز مدنيين، بينهم أطفال، مشيرًا إلى أن بعض هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب.
وطالب علبي بترجمة الدعم السياسي الدولي لسوريا إلى خطوات عملية من شأنها وضع حد للاعتداءات الإسرائيلية وصون سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها، مؤكدًا أن مكافحة الجرائم ضد الإنسانية مسؤولية أخلاقية وإنسانية تتطلب إرادة سياسية جماعية واحترام السيادة الوطنية.
وتزامنت هذه التصريحات مع تقارير حقوقية تناولت العمليات الإسرائيلية في الأراضي السورية منذ سقوط النظام السابق. وكانت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” وثقت 453 عملية توغل بري إسرائيلي داخل الأراضي السورية، ومقتل 69 شخصًا و162 حالة احتجاز تعسفي، خلال الفترة الممتدة من 8 كانون الأول 2024 حتى 6 تشرين الأول 2026.
وأكد المندوب السوري أن التصدي للجرائم ضد الإنسانية لا يقتصر على الإجراءات الوطنية، بل يتطلب تعاونًا دوليًا وإرادة سياسية تضمن عدم الإفلات من العقاب، وتدعم احترام القانون الدولي وسيادة الدول.
وتأتي مواقف علبي ضمن تحركات سوريا في الأمم المتحدة لعرض مقاربتها في التعامل مع الملفات القانونية والحقوقية، في مرحلة تواجه فيها البلاد تحديات تتعلق بكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الاستقرار.
