تجددت حالة التوتر في مدينة الحسكة خلال الساعات الأخيرة، على خلفية تداول معلومات عن تنفيذ مداهمات واعتقالات في حي غويران، نفتها مديرية الأمن الداخلي، بالتزامن مع استمرار مطالب الأهالي بفرض الأمن وإنهاء الازدواجية الأمنية والإدارية، واستكمال دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
ونفت مديرية الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، مساء الأربعاء 14 من تشرين الأول، تنفيذ مداهمات واعتقالات في حي غويران، مؤكدة عدم صحة المعلومات المتداولة بهذا الشأن، وداعية المواطنين ووسائل الإعلام إلى تحري الدقة واستقاء المعلومات من المصادر الرسمية.
وأوضحت المديرية، في بيان، أن وحدات مكافحة الإرهاب (YAT) التابعة لـ”قسد” حُلّت ولم تعد تعمل ضمن التشكيلات الأمنية الحالية، مشددة على أن قوى الأمن الداخلي، بهويتها البصرية الرسمية المعتمدة، هي الجهة المختصة بتطبيق القانون وتنفيذ العمليات الأمنية.
وجاء البيان بعد تداول ناشطين ومعرفات مقربة من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلة أخبارًا ومقاطع مصورة تحدثت عن تنفيذ مداهمات في الأحياء الجنوبية من مدينة الحسكة، التي تشكل مناطق ذات ثقل سكاني عربي، وادعت أن قوات مكافحة الإرهاب اعتقلت عددًا من “مثيري الشغب والخارجين عن القانون”، في إشارة إلى بعض الأهالي الذين شاركوا في مظاهرات الجمعة الماضية.
وأثارت هذه المنشورات مخاوف لدى سكان في المدينة، ولا سيما مع استمرار التجاذبات المرتبطة بمسار دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية، وتباين المواقف حيال آليات تنفيذ هذا المسار ومستوى حضور مؤسسات الدولة في المحافظة.
وحدات مكافحة الإرهاب (YAT) هي جزء من المنظومة العسكرية والأمنية التابعة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلة، وكانت مسؤولة سابقًا عن تنفيذ عمليات المداهمات والاعتقالات في المنطقة.
إشاعات تزيد التوتر
وقال أحمد السلمان، من حي غويران، لعنب بلدي، إن ترويج الإشاعات ازداد خلال الأيام القليلة الأخيرة، ما تسبب بحالة من التوتر في عموم مدينة الحسكة، في ظل تداول أخبار ومقاطع مصورة تتعلق بالوضع الأمني من دون التحقق من صحتها.
وأضاف السلمان أن ممارسات “الشبيبة الثورية” زادت من حالة الاحتقان بين الأهالي، معتبرًا أن استمرار هذه الممارسات، إلى جانب انتشار المعلومات غير الدقيقة، يفاقم المخاوف ويزيد من صعوبة استعادة الهدوء.
ودعا السلمان الحكومة السورية إلى بسط سيطرتها الكاملة على مدينة الحسكة وفرض الأمن، بما يضمن حماية السكان ومنع التجاوزات، ويحد من تكرار حالات التوتر التي تترافق مع تداول أخبار عن تحركات عسكرية أو إجراءات أمنية.
وشهدت الحسكة، مساء الأربعاء 14 من تشرين الأول، خروج مظاهرات جوالة في عدد من الأحياء الجنوبية، على خلفية الأنباء المتداولة بشأن المداهمات والاعتقالات، إذ عبّر المشاركون عن رفضهم لما وصفوه بتجاوزات يرتكبها مسلحون من “الشبيبة الثورية” وقوات تابعة لـ”قسد” في المدينة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه قوى الأمن الداخلي انتشارها في أحياء الحسكة، إذ رصدت عنب بلدي تكثيف انتشار الوحدات الأمنية وتسيير دوريات في مناطق مختلفة، في إطار جهود ضبط الأمن وإعادة الهدوء.
مطالب بإنهاء الازدواجية
لا تقتصر مطالب الأهالي في الحسكة على التعامل مع الإشاعات والتوترات الآنية، بل تمتد إلى ضرورة استكمال حضور مؤسسات الدولة، وإنهاء تعدد الجهات الأمنية والإدارية، وإعادة فتح الدوائر الحكومية التي لا تزال مغلقة.
وقال كمال العلي، من حي النشوة، لعنب بلدي، إن الحكومة السورية مطالبة بفرض سيطرتها الأمنية على المحافظة وإنهاء الازدواجية الأمنية، بما يضمن وجود مرجعية واحدة لتطبيق القانون وحماية المواطنين.
وأضاف العلي أن من الضروري العمل على افتتاح الدوائر الحكومية التي لا تزال مغلقة، ولا سيما القصور العدلية ودوائر النفوس والدوائر العقارية، لما لذلك من أهمية في تسيير شؤون السكان وتمكينهم من إنجاز معاملاتهم الرسمية.
ويأتي ملف الدوائر الحكومية في مقدمة القضايا المطروحة في المحافظة، إذ يواجه السكان صعوبات في إنجاز المعاملات التي تحتاج إلى مؤسسات رسمية مختصة، في ظل استمرار إغلاق أغلب الدوائر الحكومية منذ سقوط النظام السابق أواخر 2024.
تحذيرات من التحريض
من جهته، قال الناشط موسى الحسن لعنب بلدي، إن بسط الحكومة السورية سيطرتها الكاملة على محافظة الحسكة ضرورة لتحقيق الاستقرار، مشيرًا إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت، وفق تقديره، أحد أبرز عوامل التحريض في المدينة.
وأضاف الحسن أن قنوات ومواقع إعلامية تابعة بصورة مباشرة لمنظومة “الإدارة الذاتية” تسهم، بحسب قراءته، في تأجيج التوتر من خلال ما تنشره عن التطورات الأمنية والسياسية في المحافظة.
وقال الحسن، “يبدو أن هناك أجنحة من المنظومة غير راضية عن مسار عملية الدمج وتريد نسفه عبر إثارة البلبلة والدفع نحو استقطاب مجتمعي حاد بين العرب والكرد. والتحركات العسكرية لمسلحين من (الشبيبة الثورية) وبقية قوات (قسد) ليست ببعيدة عن هذا المخطط”.
وتبقى القراءة التي طرحها الحسن تقديرًا منه لدوافع التطورات الأخيرة، ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من وجود مخطط من هذا النوع أو من ارتباط التحركات التي أشار إليها بهدف تعطيل عملية الدمج.
مظاهرات تطالب بفرض الأمن
سبق أن شهدت مدينة الحسكة، الجمعة 9 من تشرين الأول، مظاهرات شارك فيها أهالٍ من المدينة وأريافها تحت شعار “جمعة رفع العلم السوري”، مطالبين بفرض الأمن وتعزيز سلطة الدولة في مختلف مناطق المحافظة، وإنهاء الازدواجية الأمنية والإدارية.
وتجمع المتظاهرون في ساحة الحرية وسط المدينة، بعد انطلاق مجموعات من أحياء غويران والنشوة والعزيزية، إضافة إلى مناطق في الريف، باتجاه مركز المدينة. ورفع المشاركون العلم السوري ورددوا هتافات تؤكد وحدة سوريا، وأخرى مناهضة لـ”قسد”.
وجاءت المظاهرات بالتزامن مع استمرار إجراءات دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن مؤسسات الدولة السورية، وسط مطالبات محلية بتسريع هذه الإجراءات وتوضيح آليات تنفيذها، بما يضمن انتقالًا منظمًا للصلاحيات الأمنية والإدارية.
ولا تنفصل المطالب التي رفعها المتظاهرون عن القضايا اليومية التي يواجهها السكان، إذ يجمع عدد من هذه المطالب بين تعزيز الأمن، ووقف التجاوزات، وإعادة فتح المؤسسات الحكومية، وإنهاء حالة تعدد السلطات التي يراها الأهالي عائقًا أمام استقرار المحافظة.
وفي هذا السياق، يرى الأهالي الذين تحدثوا لعنب بلدي أن استعادة الهدوء تحتاج إلى خطوات واضحة على الأرض، تشمل ضبط السلاح، وتوحيد المرجعيات الأمنية، وإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية، إلى جانب منع التحريض ومحاسبة كل من يثبت ارتكابه مخالفات وفق القانون.
وجهاء يدعون إلى التهدئة
في المقابل، أصدر عدد من وجهاء العشائر في الحسكة بيانًا دعوا فيه إلى التهدئة ونبذ الكراهية، مؤكدين أهمية الحفاظ على السلم الأهلي وإعطاء الحكومة السورية فرصة للاستجابة للمطالب المطروحة.
وجاء في البيان: “نحن إخوة، وندعو إلى السلم الأهلي، وندعو إلى المصالحة، وندعو إلى الأخوّة، وننبذ الكراهية، وننبذ التطرف، لأن هذا لن يعمّر البلد”.
وأشار الوجهاء إلى أن مطالبهم وصفوها بالمشروعة، وأنهم طرحوها على المسؤولين، مضيفين أنه جرى وعدهم بالاستجابة لها في وقت قريب.
ودعا البيان إلى “تهدئة الأمور في الجمعة القادمة، نعطي دور وفرصة للدولة في تعزيز فتح الدوائر.. وانتشار الأمن الداخلي في المحافظة، وعدم حمل السلاح من جميع المكونات، وأي مخطئ يُحاسب ويُطبَّق عليه القانون”.
ويجمع موقف الوجهاء بين الدعوة إلى تجنب التصعيد ومنح الحكومة فرصة لتنفيذ المطالب، والتأكيد على ضرورة انتشار الأمن الداخلي وفتح الدوائر الحكومية، مع التشديد على عدم حمل السلاح ومحاسبة المخالفين وفق القانون.
وتأتي هذه الدعوة في وقت تواجه فيه المحافظة تحديات متصلة بمسار دمج المؤسسات وبناء الثقة بين السكان والجهات الأمنية والإدارية، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التوتر والتحريض المتبادل إلى تعقيد هذا المسار.
وبين دعوات فرض سلطة الدولة، ومطالب إنهاء الازدواجية الأمنية والإدارية، والتحذير من التحريض، تبدو قدرة الجهات المعنية على تقديم معلومات موثوقة، وضبط الوضع الأمني، والاستجابة للمطالب الخدمية والإدارية، من العوامل الأساسية لاحتواء التوتر في الحسكة والحفاظ على السلم الأهلي.
