قبيل بدء درجات الحرارة بالانخفاض، تنشغل نساء في أرياف الجزيرة السورية بإعداد الكِشك، وجبة شعبية تعتمد على القمح المجروش واللبن المخثّر، وتُحفظ أقراصها المجففة لأشهر الشتاء. وعلى أسطح المنازل وساحاتها، تُصفُّ الأقراص تحت أشعة الشمس، قبل تعليقها أو تخزينها لتكون مؤونة جاهزة حين يحل البرد.
صناعة الكِشك ليست مجرد خطوة لتأمين الطعام خلال الشتاء، بل عادة متوارثة ارتبطت بمواسم الحصاد، وتدبير احتياجات الأسرة، واجتماع النساء، وتبادل الأطباق بين الجيران. لكن هذه العادة التي حافظت عليها أجيال من نساء الحسكة والرقة ودير الزور، تواجه اليوم تراجعًا مع تغيّر أنماط الحياة والغذاء، وتراجع إقبال الأجيال الجديدة على الأكلات الشعبية التي كانت جزءًا أساسيًا من مائدة الشتاء.
وبين من لا تزال تعدّ الكِشك كل عام، ومن تحتفظ بذكرياته من مطبخ والدتها، ومن يستعيد طعمه بوصفه جزءًا من دفء الشتاء قديمًا، تتكشف حكاية أكلة لم تفقد حضورها تمامًا، لكنها لم تعد تحظى بالمكانة نفسها التي كانت تحتلها في البيوت.
من القمح واللبن إلى مؤونة الشتاء
تقول فضة الرجب، وهي امرأة خمسينية من الجزيرة السورية، إنها اعتادت صناعة الكِشك منذ أكثر من 30 عامًا، وتحافظ على إعداده سنويًا وفق الطريقة التي تعلمتها وتوارثتها النساء في محيطها. وترى أن تحضيره يحتاج إلى عناية وصبر، بدءًا من اختيار القمح وجرشه، مرورًا بخلطه باللبن، وصولًا إلى تشكيل الأقراص وتجفيفها تحت الشمس.
تبدأ العملية باستخدام القمح المجروش، الذي يُخلط باللبن المخثّر المعروف محليًا باسم “الخاثر”، مع إضافة الملح بحسب المقادير المتبعة في المنزل. ويُضاف اللبن تدريجيًا إلى الجريش مع التحريك، حتى تتماسك المكونات ويصبح الخليط مناسبًا للتشكيل.
بعد ذلك، تُشكّل العجينة على هيئة أقراص، تُرتب على صوانٍ واسعة وتُعرّض لأشعة الشمس عدة أيام، مع تقليبها حتى تجف من الجهتين. وقد تُستكمل عملية التجفيف بتعليق الأقراص بخيوط في مكان مناسب، قبل جمعها وحفظها بعيدًا عن الرطوبة، لتبقى صالحة للاستخدام خلال أشهر الشتاء.
وتختلف تفاصيل التحضير من منزل إلى آخر، سواء في كمية اللبن أو درجة حموضته أو حجم الأقراص ومدة تجفيفها، لكن الفكرة الأساسية تبقى واحدة: الاستفادة من القمح واللبن المتوفرين في نهاية الصيف، وتحويلهما إلى طعام يمكن تخزينه واستهلاكه لاحقًا.
وتوضح الرجب أن الكِشك لا ينتهي دوره عند اكتمال تجفيفه، إذ تبدأ مرحلة أخرى عند الرغبة في طبخه. وتُعرف هذه العملية محليًا باسم “تودين الكشك”، أي نقع الأقراص في الماء الفاتر لساعات حتى تلين، ثم فركها باليد لتتفكك وتذوب مكوناتها، قبل وضعها في القدر وتحريكها على النار حتى تنضج وتكتسب قوامًا متجانسًا.
ويُقدّم الكِشك ساخنًا، وغالبًا إلى جانب خبز التنور أو خبز الصاج، ويمكن إضافة البصل المقلي بالزيت أو السمن، وفقًا لما اعتادته الأسرة. وتختلف الإضافات بحسب المنطقة والوصفة العائلية، لكن حرارة الطبق في صباحات الشتاء الباردة تظل من أبرز ما ارتبط به في ذاكرة من اعتادوا تناوله.
“الفُوّرة”.. طعم الشتاء وذاكرة الجمعة
في الجزيرة، يرتبط الكِشك بتسميات وطرق محلية في التحضير والتقديم. ويُعرف أيضًا باسم “الجشج”، بينما تُعرف طبخته باسم “الفُورة”، التي تُحضّر باستخدام الكِشك واللوبيا والثوم والسمنة البلدية، وفقًا للطريقة التي تتبعها بعض العائلات.
ويستعيد جاسم الحميد، وهو رجل سبعيني من المنطقة، ذكرياته مع الكِشك بوصفه واحدًا من الأطعمة التي كانت تحضر بقوة على المائدة الشتوية. فطعم “الفُورة”، كما يتذكره، كان مرتبطًا بالسمنة البلدية التي تُضاف إلى الطبخة، وبالاجتماع العائلي الذي يحيط بها، ولا سيما صباح الجمعة.
كان إعداد الكِشك في بعض البيوت يرتبط بيوم الجمعة، حين يجتمع أفراد الأسرة على مائدة واحدة، ويُقدّم الطبق ساخنًا مع خبز التنور الذي يُفتّت أو يُثرَد في المرق. ولم تكن الوجبة مجرد طعام يُحضّر لسد الجوع، بل مناسبة تتكرر في الشتاء وتجمع أفراد الأسرة، وتعيد وصلهم بعادات اعتادوا عليها منذ الصغر.
ويشير الحميد إلى أن الكِشك كان يُحضّر قديمًا بكميات أكبر، بما يتناسب مع احتياجات الأسرة خلال فصل الشتاء، بينما تراجع حضوره اليوم. فبعض العائلات لا تزال تصنع كميات محدودة منه، لكنها لم تعد تطبخه بالوتيرة نفسها، وقد يقتصر تقديمه على مرة واحدة خلال الشتاء أو مرتين.
من مطبخ الأمهات إلى جيل لا يطلب الكِشك
لا يقتصر تغير مكانة الكِشك على تقليل الكميات التي تُصنع منه، بل يمتد إلى العلاقة بين الأجيال وهذه الأكلة الشعبية. وتقول سهام عليوي، وهي فتاة عشرينية من المنطقة، إن والدتها الراحلة كانت تصنع الكِشك، وإنها ارتبطت به من خلال ما كانت تراه في مطبخ الأسرة من خطوات التحضير والتجفيف والتخزين.
لكنها لا تصنع الكِشك اليوم، وتشير إلى أن جيل الشباب لم يعد يميل كثيرًا إلى تذوقه، مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا التي اعتادت تناوله منذ الطفولة.
وتكشف تجربة سهام عن جانب من التحول الذي أصاب العادات الغذائية داخل الأسرة الواحدة، فانتقال وصفة الطعام من الأم إلى الابنة لم يعد أمرًا مضمونًا، حتى عندما تبقى ذكريات الطبق حاضرة. وقد تحتفظ الأجيال الجديدة بمعرفة عامة بطريقة إعداده، من دون أن تواصل ممارسته سنويًا أو تجعله جزءًا من نظامها الغذائي.
عادة متوارثة تتجاوز الحاجة إلى الطعام
يرى الباحث الاجتماعي أحمد الحسن أن صناعة الكِشك تمثل عادة غذائية متوارثة، ارتبطت بظروف الحياة في المنطقة وبطرق تأمين المؤونة المنزلية، لكنها تشهد تراجعًا في الوقت الحالي مع تغير العادات الاجتماعية والغذائية.
ويشير إلى أن الكِشك لم يكن مجرد وصفة تُحضّر في المطبخ، بل جزءًا من منظومة معيشية اعتمدت على الاستفادة من المحاصيل الزراعية والمنتجات الحيوانية المتوفرة محليًا، وحفظها بوسائل تقليدية تتيح استخدامها في مواسم يقل فيها الإنتاج أو ترتفع خلالها صعوبة تأمين بعض المواد.
وارتبط إعداد الكِشك بموسم الحصاد، إذ كانت الأسر تحتفظ بجزء من القمح لاستخدامه في إعداد الخبز والبرغل والشعيرية وغيرها من الأطعمة، فيما يُجرش جزء منه ويُخلط باللبن لصناعة الكِشك. وبذلك، لم يكن الطعام منفصلًا عن دورة الإنتاج الزراعي، بل كان امتدادًا لها داخل المنزل.
لكن الحسن يلفت إلى أن الكِشك بات يُنظر إليه لدى بعض أفراد الأجيال الحالية بوصفه طعامًا للفقراء، في تحول يعكس تغيرًا في النظرة الاجتماعية إلى بعض الأكلات الشعبية التي كانت في وقت سابق جزءًا طبيعيًا من غذاء مختلف الأسر.
وهذا التصنيف، وفقًا للباحث، لا يرتبط بالضرورة بالمكونات وحدها، وإنما بما اكتسبته بعض الأطعمة من دلالات اجتماعية مع تغير أنماط الاستهلاك ومكانة الطعام التقليدي في الحياة اليومية. فالأكلة التي كانت تعكس مهارة الأسرة في تأمين مؤونتها والاستفادة من مواردها، قد تُختزل اليوم لدى بعض الشباب في صورة طعام قديم لا يتناسب مع تفضيلاتهم، وفق الحسن.
تقليد صامد.. لكن بحضور أقل
تصف منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة الكِشك بأنه منتج تقليدي معروف في سوريا ومنطقة الشرق الأدنى، يعتمد على الحبوب المجروشة ومنتجات الحليب، ويُحضّر تقليديًا في نهاية الصيف ليُستهلك خلال العام.
وتندرج صناعته ضمن أساليب حفظ الغذاء بالتخمير والتجفيف، التي أتاحت للأسر الاستفادة من المنتجات المتوفرة خارج موسم إنتاجها أو خلال فترات الشتاء.
وفي الجزيرة السورية، اكتسبت هذه الممارسة خصوصية محلية ارتبطت بالقمح واللبن، وبطريقة حفظ الأقراص كاملة حتى موعد طبخها، بدلًا من طحنها إلى مسحوق كما يحدث في بعض المناطق السورية الأخرى. كما تختلف الإضافات وطرق التقديم من منطقة إلى أخرى، بما يعكس تنوع المطبخ المحلي وتعدد الوصفات التي تتوارثها الأسر.
ورغم تراجع صناعة الكِشك في بعض البيوت، فإن استمرار نساء في إعداده سنويًا، واحتفاظ كبار السن بذكرياته وتفاصيل طبخه، يشيران إلى أن التقليد لم ينقطع تمامًا، وفق الباحث أحمد الحسن. لكنه بات أقل حضورًا في حياة عدد من الأسر، ولم يعد بالضرورة من أساسيات المؤونة الشتوية كما كان في السابق.
