منصور العمري
حقوقي وباحث قانوني متخصص في العدالة الانتقالية والنزاع
رغم أن الفظائع الجماعية التي ارتكبتها القوات النظامية السورية (الجيش بما فيها القوات الخاصة) والمجموعات شبه العسكرية التابعة لها (الدفاع الوطني) في البيضا ورأس النبع في بانياس في أيار/مايو 2013 وصفت في تقارير حقوقية كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إلا أن الفحص القانوني الدقيق لهذه الأحداث وسياقها بعدسة “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها” يُظهر أنها تشكل جريمة “إبادة جماعية”.
استنادًا إلى الأدلة الموثقة في التقارير الحقوقية بما فيها تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، وتقرير نموذج صارخ عن التطهير الطائفي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، ومنظمة هيومن رايتس ووتش “لم يبق أحد“، والعفو الدولية، وتصريحات المرتكبين العلنية، يخلص هذا التحليل القانوني إلى أن الجناة تصرفوا بدافع القصد الخاص وهو الركن المعنوي اللازم لجريمة الإبادة الجماعية، بهدف تدمير مجموعة مستهدفة محددة، كليًا أو جزئيًا، وهي السكان المدنيون من الطائفة السنية المقيمون في المناطق الساحلية المستهدفة.
في 2 و3 مايو/أيار 2013، دخلت وحدات نظامية من الجيش السوري والقوات الخاصة، وقوات الدفاع الوطني مع ميليشيات محلية موالية للحكومة، إلى منطقة البيضا وحي رأس النبع في مدينة بانياس، حيث تقطن أغلبية من الطائفة السنية. على مدى 48 ساعة تلت انتهاء اشتباكات مسلحة محدودة، أعدمت هذا القوات بإعدام 248 مدنيًا على الأقل بينهم 45 امرأة و43 طفلًا على الأقل، كما كدست الجثث وأحرقتها، ودمرت البنية التحتية، وهجرت السكان قسرا.
بموجب القانون الدولي تُوصف هذه الأفعال بأنها إعدام خارج نطاق القضاء، وتُصنف كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن الاجتهاد القضائي الدولي، بما فيه في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ومحكمة العدل الدولية يوفر الإطار القانوني لتكييف هذه الأفعال كجريمة إبادة جماعية.
الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية
بموجب المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها تعني الإبادة الجماعية أيًا من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه:
(أ) قتل أعضاء من الجماعة.
(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
(ج) إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا.
(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.
تستوفي الأحداث في منطقتي البيضا ورأس النبع ثلاث فئات أفعال على الأقل:
(أ): قتل أفراد من الجماعة: قتل أكثر من 248 شخصًا، عمليات إعدام من مسافة قريبة، قتل الأطفال والرضع. توثق التقارير عمليات إعدام ممنهجة لمدنيين غير مشاركين في القتال، نُفذت من مسافة قريبة. ففي منطقة البيضا، دخلت القوات الموالية للحكومة إلى المنازل، وفصلت الذكور عن الإناث، وأعدمت الرجال في الشوارع والساحات وداخل البيوت. في حالات عديدة، أُبيدت عائلات بأكملها (مثل عائلات البياسي، وسويد، والشغري). كما ارتكبت القوات عمليات إعدام مستهدفة في رأس النبع، حيث قُتل أفراد عائلات بأكملها، بمن فيهم رضع رميًا بالرصاص من مسافة قريبة.
(ب): إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم: التمثيل بالأجساد، هجمات باستخدام السواطير، إجبار الأفراد على مشاهدة عمليات الإعدام. تعرض الضحايا للضربات باستخدام سكاكين وسواطير قبل أو أثناء تنفيذ الإعدام، كما تعرضت النساء لتعذيب نفسي وتهديدات بالعنف الجنسي، وأُجبر الناجون على السير فوق الجثث المشوهة لأطفالهم وأزواجهم. أقرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، في قضية “المدعي العام ضد كرستيتش” أن الأذى الجسدي أو العقلي الجسيم يشمل التعذيب البدني، والإصابة بالرصاص دون الوفاة، والصدمات النفسية الحادة التي تلحق بالناجين الذين أُجبروا على مشاهدة إعدام أقاربهم المباشرين.
(ج): إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي: إحراق المنازل والمتاجر، تهجير السكان. أحرقت القوات بشكل منهجي المنازل والمؤن الغذائية والمتاجر، كما دمرت الوثائق الشخصية. طوقت القوات مسارات الهروب (مثل نقطة التفتيش عند جسر النبع)، مما أدى إلى محاصرة المدنيين داخل منطقة الإعدام تحت وطأة القصف المستمر والمداهمات البرية. لا يشترط في التدمير المادي لجماعة ما أن يكون فوريا، إذ يشمل أيضًا خلق ظروف تجعل البقاء على قيد الحياة أمرًا مستحيلًا حسب قضية “المدعي العام ضد أكايسو” في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا.
تحديد الجماعة المحمية المستهدفة
تنص اتفاقية منع الإبادة الجماعية على حماية “جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه”.
في الاجتهاد القانوني الدولي في قضيتي أكايسو، رواندا، ويليسيتش، يوغوسلافيا السابقة، تم تحديد الجماعة المحمية بناء على معايير موضوعية وتصورات ذاتية، وكيف ينظر الجناة إلى الفئة المستهدفة.
تحديد الفئة المشمولة بالحماية:
- معايير موضوعية ديموغرافية وجغرافية: جيب سني في طرطوس، متميز ديموغرافيًا، وجغرافيًا.
- تصور ذاتي نمط استهداف الجناة: قتل انتقائي: الضحايا سنة، واستثناء صريح للأحياء المسيحية من الفظائع.
- التحديد الموضوعي: شكّلت منطقتا “البيضا” و”رأس النبع” جيوبًا سنية محددة ديموغرافيًا.
- التصور الذاتي للجناة: اتضحت نية الجناة من خلال استهداف قائم على الهوية الطائفية وتصريحات مسبقة ولاحقة. تؤكد شهادات الشهود أن القوات الحكومية والدفاع الوطني استهدفت حصرًا العائلات السنية، والمتاجر المملوكة للسنة. كما، أكد اثنان من السكان المسيحيين في البيضا أن القوات الموالية للحكومة لم تقم بإعدام أي شخص، ولم تمارس أي عمليات نهب أو حرق داخل القطاع المسيحي من المنطقة. يُثبت هذا التمييز في المعاملة أن الضحايا استُهدفوا صراحةً بصفتهم أعضاء في مجموعة دينية محددة.
التكييف القانوني لـ “القصد الخاص” أو نية الإبادة الجماعية
أحد المعايير الأساسية التي تميّز جريمة الإبادة الجماعية عن الجرائم ضد الإنسانية هو القصد الخاص، أي النية المحددة لتدمير المجموعة المشمولة بالحماية كليًا أو جزئيًا. حتى إن أنكر الجناة أو لم يصرحوا بنية الإبادة الجماعية، أجازت المحاكم الدولية في قضيتي “كرستيتش” و”روتانغاندا” استنتاج هذا القصد الخاص من خلال نمط السلوك المتعمد.
استنتاج القصد من أسلوب العمل ونمط السلوك
في قضيتي المدعي العام ضد غاليتش والمدعي العام ضد كرستيتش، قضت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة بأن القصد المرتكز على نية الإبادة الجماعية يمكن استنتاجه من خلال:
- الطابع المنهجي لعمليات القتل.
- اختيار الضحايا بناءً حصرًا على انتمائهم إلى مجموعة معينة.
- حجم الدمار مقارنةً بحجم المجتمع المستهدف.
في قرية البيضا، أعدمت القوات مئات المدنيين، وذلك بعد توقف المقاومة المسلحة وفرار مقاتلي المعارضة. الإعدام المنهجي للرجال ممن لا يشاركون في الأعمال القتالية والنساء والأطفال والرضع يثبت أن الهدف لم يكن تحييدهم لميزة عسكرية بموجب قوانين الحرب، بل التدمير المادي لهذا المجتمع.
استهداف جزء جوهري من المجموعة
حسب السوابق القانونية الدولية كقضية البوسنة ضد صربيا أمام محكمة العدل الدولية، 2007، وحكم الاستئناف في قضية كرستيتش، يتحقق الشرط القانوني المتعلق بتدمير مجموعة جزئيًا إذا كان الجزء المستهدف يمثل جزءًا جوهريًا من المجموعة، أو كان ذا أهمية جغرافية لبقاء المجموعة ككل في منطقة محددة.
مثّلت الجيوب السنية الساحلية في محافظة طرطوس أقليةً ضعيفة ومعزولة جغرافيًا. كما هدفت أعمال التدمير التي استهدفت هذه الجيوب تحديدًا إلى القضاء على الوجود السني في تلك المنطقة الجغرافية. كما صرّح علي حيدر، وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية علنًا، فإن الدولة سعت إلى منع المعارضة من ترسيخ وجودها في منطقة حساسة للغاية تُعدّ المعقل الرئيسي للطائفة العلوية والمنفذ الساحلي الوحيد لسوريا. القصد الاستراتيجي المتمثل بتغيير التركيبة الديموغرافية للمنطقة بشكل دائم، عبر التدمير المادي والتهجير القسري، يتوافق مع مفهوم “الإبادة الجماعية ذات النطاق المكاني” كما أُقرّ في قضية كرستيتش.
إثبات القصد الجنائي الخاص (نية الإبادة الجماعية)
النمط المنهجي بعد انتهاء العمليات القتالية: عمليات إعدام نُفِّذت عقب انسحاب مقاتلي المعارضة (من الساعة 1:00 ظهرًا حتى 4:00 مساءً). إبادة عائلات بأكملها (قطع خطوط النسب العائلية)، تدمير ذو طابع جغرافي/استراتيجي، تطهير الجيوب السنية في المناطق الساحلية بهدف تغيير التركيبة الديموغرافية للمنطقة.
نمط التدمير التمييزي: استهداف المناطق السنية حصرًا، مع ترك المناطق المسيحية المجاورة.
تدمير الرفات لتحقيق الإبادة التامة: تكديس الجثث وحرقها بشكل منهجي، كحرق ما لا يقل عن 25 إلى 45 جثة داخل متجر عزام للهواتف المحمولة في الساحة الرئيسية لبلدة البيضا يتبع أنماط الإخفاء المرتبط بالإبادة الجماعية وتدنيس الضحايا (قضية بلاغويفيتش وجوكيتش)، بما يمنع التعرف على هويات الضحايا، ويهدف إلى المحو المادي لوجود هذه المجموعة من تلك المنطقة.
تستوفي الأدلة الواقعية الموثقة وسياق المجازر في البيضا وراس النبع المعايير القانونية في المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948:
- المستهدف: مجموعة دينية محمية (المسلمون السنة في البيضا ورأس النبع)، وهي مجموعة متميزة، ذاتيًا وموضوعيًا، عن السكان المجاورين لها.
- الركن المادي: عمليات القتل الجماعي (المادة الثانية/أ)، والتعذيب الجسدي والنفسي الشديد (المادة الثانية/ب)، وفرض ظروف معيشية مدمرة عمدًا، والتهجير القسري (المادة الثانية/ج).
- القصد الجنائي الخاص: يتوضح ذلك في إعدام رجال من غير المقاتلين، ونساء وأطفال ورضع، واقتصار التدمير بشكل انتقائي على السكان السنة، وتوقيت المذابح الذي جاء في أعقاب العمليات القتالية، والنية الاستراتيجية الصريحة لتطهير منطقة جغرافية مستهدفة.
هذه الفظائع ليست مجرد جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، بل تشكل إبادة جماعية بموجب القانون الدولي، مما يفرض التزامًا قانونيًا على القضاء السوري بملاحقة الجناة جميعهم، بمن فيهم المرتكبين والمحرضين والآمرين والمقصرين في المحاسبة، بما يصل إلى بشار الأسد، وعدم اختصار الجريمة بمتهم واحد مثل علي كيالي. ينشأ هذا الالتزام بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وسوريا دولة طرف فيها، فهي ملزمة بأحكام الاتفاقية كافة، بما فيه تجريم وملاحقة التخطيط أو التحريض أو المشاركة فيها. كما أن حظر الإبادة الجماعية يمثل قاعدة آمرة في القانون الدولي العام، ولا يجوز لأي دولة مخالفتها أو التنصل منها حتى لو لم تصدق على الاتفاقية، أي أن جميع دول العالم ملزمة بمنع هذه الجريمة والمعاقبة عليها.
