خالد المطلق
من “أبو حيدر جوية” وعلي مملوك وجميل الحسن وماهر الأسد، إلى الذهبي وكوكي و”أبو مريم” و”أبو دجانة” و”أبو القعقاع”، يتردد في الشارع السوري سؤال لا يحتمل المجاملة: هل تبني سوريا دولة جديدة؟ أم تستبدل رموز مرحلة بأخرى وتعيد إنتاج الاستبداد بلغة مختلفة؟
بالأمس، كان البوط العسكري يدوس رقاب الناس باسم الوطن، واليوم تحل العمامة مكانه، وأصبح الدين درعًا تحتمي به سلطة ترفض المساءلة. والحقيقة ليست المشكلة في العمامة ولا في اللحية ولا في الانتماء الديني، بل في تحويل أي رمز إلى حصانة سياسية وكأن القرب من الدين يمنح صاحبه صكًا بالحكم دون رقابة، وسوريا اليوم لا تحتاج إلى استبداد بملامح جديدة، بل إلى قطيعة مع كل أشكاله.
سقوط نظام الأسد كان حدثًا مفصليًا، لكنه لا يعني سقوط منظومة الاستبداد التي ترسخت عبر عقود، ومن عاش في هذه البلاد يعرف أن الخوف لم يكن يومًا مرتبطًا باسم واحد، بل ببنية كاملة، تجعل المواطن يحسب ألف حساب قبل أن يرفع صوته، فالأنظمة لا تقوم على الأشخاص وحدهم بل على قواعد تركز السلطة وتُضعف المؤسسات وتربط الحقوق بالولاء وتعد المعارضة تهديدًا لا حقًا سياسيًا، وإذا بقيت هذه القواعد فتغيير الحاكم لا يغير طبيعة الحكم، وأسوأ ما نرتكبه بحق الضحايا والمهجرين أن نُسقط الأشخاص ونترك القواعد تعيد إنتاج نفسها تحت شعارات جديدة.
من هنا يصبح السؤال عن الشرعية أساسيًا، من قال إن الوصول إلى السلطة في ظروف استثنائية يمنح صاحبه شرعية دائمة؟ فالغلبة بالقوة ليست شرعية مهما كانت الظروف التي أفرزتها، ولا تكفي لإدارة بلد متنوع وبناء مستقبله، ونجاح المرحلة الانتقالية لا يُقاس بقدرة السلطة على إحكام قبضتها، بل بقدرتها على تحويل القوة إلى شرعية سياسية وقانونية تستند إلى رضا الناس ومشاركتهم، فالمرحلة الانتقالية ليست شيكًا على بياض ولا تفويضًا مفتوحًا لاتخاذ قرارات مصيرية باسم السوريين، ومن هنا لا بد من تحديد صلاحيات السلطة الانتقالية وحدودها وإخضاع قراراتها للمراجعة، وإعلان جدول زمني واضح للانتقال، فمن منح هذه السلطة صلاحيات تتجاوز دورها في التمهيد والتيسير؟ ومن يحدد ما لها وما ليس لها؟ الضرورة المؤقتة يجب ألا تتحول إلى وضع دائم، ولا يحق لجهة واحدة أن تنفرد بتقرير شكل الدولة ومستقبل المجتمع.
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية، وهو: من يملك سوريا؟ والجواب بالتأكيد لا يملكها من يحمل السلاح ولا من يسيطر على المؤسسات ولا من يفرض أمرًا واقعًا بقوة النفوذ، سوريا ملك مواطنيها جميعًا على اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والسياسية، ولن نقبل أن تصير غنيمة لفصيل أو شبكة مصالح، فإن كانت كذلك فلا شرعية فوق الدستور ولا سلطة فوق القانون ولا حقوق تُمنح لفئة وتُحرم منها أخرى بسبب قربها من السلطة أو بعدها عنها.
والجميع يعرف أنه لا تقوم دولة مستقرة دون إجابات واضحة أولها: من يشرّع؟ ومن يراقب؟ ومن يحاسب؟ والشارع السوري يرفض مرحلة انتقالية بلا نهاية وسلطة بلا حدود وشرعية غامضة تُطبخ في الغرف المغلقة ودستورًا يُكتب بعيدًا عن أعين الناس، والمطلوب قواعد دستورية تفصل بين السلطات وتحمي استقلال القضاء وحرية الإعلام وحق المواطنين في التنظيم السياسي السلمي، وتُصاغ عبر عملية تشاركية شفافة، فالدستور ليس وثيقة تمنح الحاكم صلاحياته فحسب، بل عقد ينظم العلاقة بين الدولة والمجتمع ويحمي الحقوق حين تتغير الحكومات، ولا يعني ذلك تجاهل تحديات المرحلة من مخاطر الانفلات الأمني إلى التدخلات الخارجية، لكن التحديات ليست ذريعة لتوسيع صلاحيات السلطة بلا حدود فمواجهتها تحتاج إلى مؤسسات مهنية وقانون نافذ، والاستقرار القائم على الخوف قد يبدو متماسكًا لبعض الوقت لكنه يراكم الاحتقان ويؤجل الانفجار، أما الاستقرار القائم على العدالة والمشاركة فيمنح المجتمع أسبابًا حقيقية للدفاع عن دولته، وهذا ما يقوله كثيرون في المجالس العامة دون أن يجرؤوا على قوله علنًا.
خلاصة القول، بعد كل هذا الدم والدمار والمدن التي دُمرت والملايين الذين هُجروا والمعتقلات والمقابر الجماعية، هل يعقل أن تكون كل هذه التضحيات من أجل أن نستبدل رمزًا برمز ووجهًا بوجه؟
إن إعادة إنتاج دولة الولاء بدل دولة القانون ودولة الجماعة بدل دولة المواطن ودولة الأشخاص بدل دولة المؤسسات خيانة لدماء من سقطوا وآمال من صبروا، فالسوريون الذين خرجوا ضد الاستبداد والفساد لم يخرجوا ليبدلوا سلطة مركزية بأخرى ولا حكم الحزب بحكم الجماعة، إنهم يريدون دولة تحميهم من تعسف الحاكم وتصون اختلافهم من التخوين وتتيح تداول السلطة سلميًا، وهذه ليست معركة ضد أشخاص أو معتقدات بل معركة على شكل الدولة ومستقبل الأجيال، والسؤال الحاسم ليس من يحكم سوريا اليوم بل ما القواعد التي ستمنع أي حاكم غدًا من الاستبداد بها، فإما أن تكون المرحلة الانتقالية جسرًا إلى جمهورية يحكمها الدستور والقانون، وإما أن تصبح بداية لدورة جديدة من الاستبداد، ولن يغفر السوريون لمن يختار الثانية، وسوريا تستحق دولة لا يخشاها مواطنوها بل يشعرون بأنها دولتهم جميعًا.
