الحسكة – محمد جفال
مع ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تتسلل أشعة الشمس إلى حقول القطن في ريف الحسكة، تبدأ سعدة العلاية يوم عملها. تحمل ما تحتاج إليه للقطاف، وتتجه مع عاملات أخريات إلى الحقول، مستفيدة من برودة الصباح التي تخفف وطأة العمل تحت الشمس. تنتظرها ساعات طويلة من الانحناء المتواصل بين النباتات، في محاولة لجمع أكبر كمية ممكنة من القطن، فكل كيلوغرام تقطفه يضيف إلى أجرها 15 ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل 1500 ليرة بالعملة القديمة.
لا يرتبط الأجر بعدد الساعات التي تقضيها العاملة في الحقل، ولا بالجهد الذي تبذله، بل بكمية القطن التي تتمكن من جمعها خلال يومها.
وبين الحاجة إلى تأمين مصروف المنزل وضآلة المردود، تتحول ساعات القطاف إلى سباق يومي مع الوقت والقدرة الجسدية، تنتهي مع تراجع ضوء النهار، فيما يبقى ما جنته العاملات مرتبطًا بقدرتهن على مواصلة العمل حتى نهاية اليوم.
في ريف الحسكة، حيث يشكل القطن أحد المحاصيل الزراعية المعروفة، تعمل نساء في القطاف الموسمي لتأمين دخل يساعدهن على مواجهة أعباء المعيشة، وبينهن من اعتدن هذا العمل منذ سنوات طويلة، ومن دفعتهن الظروف الاقتصادية والمسؤوليات العائلية إلى دخول الحقول، حتى بعد الحصول على شهادة جامعية أو ممارسة أعمال أخرى في مراحل سابقة من حياتهن.
أجر زهيد مقابل ساعات طويلة
وصفت سعدة العلاية، إحدى العاملات في قطاف القطن، الأجر الذي تحصل عليه بأنه زهيد مقارنة بالتعب الذي يتطلبه العمل، ولا سيما أن دخلها اليومي يتوقف على كمية القطن التي تستطيع جمعها.
وتبدأ العاملات، بحسب ما ترويه سعدة لعنب بلدي، العمل مع ساعات الفجر الأولى، حين تكون درجات الحرارة أقل، في محاولة لاستغلال برودة الجو قبل ارتفاع الشمس واشتداد الحرارة خلال النهار.
وتستمر ساعات القطاف حتى عصر اليوم نفسه، في عمل يتطلب جهدًا بدنيًا متواصلًا وتركيزًا في التقاط القطن من بين أغصان النباتات.
وقالت إن توقيت بدء العمل ليس اختيارًا عابرًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المهمة والظروف الجوية، فكلما ارتفعت الشمس، ازدادت مشقة البقاء في الحقل، وأصبحت مواصلة جمع القطن أكثر إرهاقًا، خصوصًا مع طول ساعات العمل.
ولا تحصل العاملة على أجر ثابت مقابل يومها، إذ يرتبط المبلغ الذي تتقاضاه بالوزن الذي تجمعه.
وبحساب سعر الكيلوغرام الواحد، تحتاج العاملة إلى جمع عشرات الكيلوغرامات حتى تتمكن من تحصيل مبلغ يساعدها على تغطية جزء من احتياجات أسرتها، بينما يتطلب الوصول إلى كميات أكبر مزيدًا من الوقت والجهد.
وتعكس هذه الطريقة في حساب الأجر طبيعة العمل الموسمي، الذي لا يضمن للعاملات دخلًا مستقرًا خارج فترة القطاف، كما تجعل قدرتهن الجسدية عاملًا أساسيًا في تحديد ما يحصلن عليه، فالعاملة التي تستطيع جمع كمية كبيرة في اليوم قد تحقق مردودًا أفضل من غيرها، لكن ذلك لا يلغي مشقة العمل أو محدودية الأجر مقابل الساعات التي تقضيها في الحقل.
خريجة حقوق في الحقل لإعالة أربعة أطفال
لم تكن مروة صالح، إحدى العاملات في قطاف القطن، تتوقع أن تجد نفسها مضطرة إلى العمل في الحقول بعد تخرجها في كلية الحقوق، لكن مسؤولياتها العائلية والحاجة إلى تأمين متطلبات المعيشة دفعتاها إلى البحث عن مصدر دخل، لتصبح ساعات القطاف جزءًا من يومها خلال الموسم.
وتعمل مروة لتساعد في إعالة أطفالها الأربعة، في وقت يعمل فيه زوجها أيضًا في الأسواق المتنقلة داخل المدينة. ويتعاون الزوجان في محاولة لتأمين قوت العائلة وتلبية احتياجات الأطفال، وسط أعباء تتطلب منهما البحث عن مصادر دخل متاحة، مهما كانت طبيعة العمل أو حجم العائد منه.
تترك مروة أطفالها الأربعة لدى جدتهم في المنزل عندما تخرج إلى الحقول، لتتمكن من قضاء ساعات العمل بعيدًا عنهم، ويتيح وجود الجدة رعاية الأطفال خلال غياب والدتهم، لكنه لا يخفف من المسؤولية التي تتحملها مروة تجاه أسرتها، ولا من حاجتها إلى الموازنة بين العمل ومتطلبات الحياة اليومية.
وتجسد تجربتها جانبًا من واقع نساء يدخلن سوق العمل بدافع الحاجة، في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمامهن، فالشهادة الجامعية التي حصلت عليها لم توفر لها، حتى الآن، مصدر الدخل الذي تحتاج إليه لإعالة أطفالها، بينما يتيح العمل الموسمي في القطاف فرصة لكسب المال خلال فترة محددة من العام.
ومع ارتباط الأجر بكمية القطن المقطوفة، تصبح كل زيادة في الإنتاج ذات أهمية بالنسبة إلى مروة، التي لا تعمل لتغطية احتياجاتها الشخصية فحسب، بل لتسهم في إعالة أربعة أطفال، ويعني ذلك أن المردود المحدود الذي تحصل عليه لا يمكن النظر إليه بمعزل عن عدد أفراد الأسرة والالتزامات التي يتعين على الزوجين تلبيتها.
وتكشف تجربتها كيف يمكن للعمل الزراعي الموسمي أن يتحول إلى خيار اضطراري لخريجات جامعيات، عندما لا تتوفر فرص عمل بديلة تلبي احتياجاتهن، ففي الحقول، لا تكون الأولوية للشهادة التي تحملها العاملة، بل لما تستطيع إنجازه خلال ساعات العمل، ولما يمكن أن يوفره ذلك من دخل لعائلتها.
20 عامًا في القطاف.. الكمية تتراجع
بالنسبة إلى وضحة الخلف، لم يعد قطاف القطن عملًا موسميًا عابرًا، بل مهنة اعتادت ممارستها لأكثر من 20 عامًا. وتعمل وضحة مع ابنتين لها في الحقول، مستندة إلى خبرة طويلة اكتسبتها خلال مواسم متعاقبة، شهدت خلالها تغيرات في كثافة القطن وكميات المحصول التي تستطيع العاملات جمعها يوميًا.
وأوضحت وضحة أن تراجع كثافة النباتات يجعل العاملات أكثر تنافسًا على جمع الكمية المتاحة خلال اليوم، إذ تسعى كل واحدة منهن إلى زيادة وزن القطن الذي تقطفه، في محاولة لتحصيل أجر أفضل، ومع حساب الأجر على أساس الوزن، تصبح كمية المحصول المتاحة عاملًا مؤثرًا في دخل العاملات، إلى جانب قدرتهن على العمل لساعات طويلة.
وقالت وضحة، “كنت أستطيع قطاف 130 كيلو من القطن كل يوم، أما الآن ومع التقدم بالعمر وقلة كثافة القطن فلم أعد أتجاوز الـ60 كيلو في أحسن الأحوال”.
ومع استمرارها في العمل إلى جانب ابنتيها، تحمل وضحة خبرة موسمية امتدت لأكثر من عقدين، لكنها تواجه اليوم واقعًا مختلفًا عن بداياتها، فالسنوات الطويلة التي أمضتها في القطاف لم تمنحها القدرة على الحفاظ على إنتاجيتها السابقة، في حين أن تراجع كثافة القطن يضيف تحديًا آخر إلى عمل يعتمد أساسًا على الجهد البدني.
موسم قصير وحسابات المعيشة
تلتقي تجارب سعدة ومروة ووضحة عند نقطة واحدة: الحاجة إلى الاستمرار في العمل رغم محدودية الأجر ومشقته، لكن دوافع كل واحدة منهن وظروفها تختلف، فسعدة تواجه يومًا طويلًا يبدأ قبل شروق الشمس وينتهي عصرًا، ومروة تعمل لتسهم في إعالة أطفالها الأربعة إلى جانب زوجها، فيما تحاول وضحة الحفاظ على مصدر دخل موسمي اعتادت الاعتماد عليه لأكثر من 20 عامًا.
وبسعر يبلغ 15 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام الواحد، تحصل العاملة التي تقطف 60 كيلوغرامًا على 900 ليرة سورية جديدة، بينما يبلغ أجر من تجمع 130 كيلوغرامًا 1950 ليرة جديدة، وفق السعر المحدد للكيلوغرام. ويظهر هذا الحساب مقدار ارتباط الدخل اليومي بكمية القطن التي تتمكن العاملة من جمعها، من دون أن يعكس وحده الوقت والجهد اللازمين للوصول إلى تلك الكميات.
ولا تمثل هذه المبالغ دخلًا مستمرًا على مدار العام، إذ يرتبط القطاف بالموسم الزراعي، ما يضع العاملات أمام ضرورة الاستفادة من فترة العمل المتاحة لتأمين أكبر قدر ممكن من المال. وفي الوقت نفسه، لا تتساوى قدراتهن على الإنتاج، سواء بسبب العمر أو طبيعة الحقل أو كثافة المحصول.
ومع انتهاء ساعات القطاف وعودة العاملات من الحقول، لا ينتهي يوم العمل بالضرورة عند هذا الحد، خصوصًا بالنسبة إلى النساء اللواتي ينتظرهن عمل منزلي ورعاية أطفال ومسؤوليات عائلية.
في موسم يتطلب منهن الاستيقاظ قبل الفجر ومواجهة ساعات طويلة من العمل، تحاول عاملات قطاف القطن في ريف الحسكة تحويل ما تجمعه أيديهن إلى دخل يسند أسرهن، غير أن تراجع الكميات التي يمكن جمعها، وتقدم بعض العاملات في العمر، وضآلة الأجر المحدد للكيلوغرام، تجعل الاستمرار في هذا العمل اختبارًا يوميًا للقدرة على التحمل، بقدر ما هو وسيلة لتأمين لقمة العيش.
