عنب بلدي – أمير حقوق
يتشكل المشهد الثقافي السوري في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق من تعدد الفاعلين والاتجاهات، بين المؤسسات الرسمية والمبادرات المستقلة والفنانين والمثقفين، وسط تساؤلات عن ملامح المرحلة المقبلة، وأولويات العمل الثقافي، ودور وزارة الثقافة في تنظيم هذا المشهد ودعم تنوعه.
وفي وقت تتزايد فيه الحاجة إلى رؤية ثقافية واضحة تحدد السياسات والأولويات وآليات دعم الإنتاج الفني وحماية التراث، تؤكد وزارة الثقافة أن رؤيتها تقوم على تعزيز التنوع الثقافي، وترسيخ تقبل الآخر، ودعم المواهب، وإعادة الاعتبار للمبدعين السوريين.
وفي حوار مع عنب بلدي، يوضح مدير إدارة الفعاليات في وزارة الثقافة، خالد المحيميد، تصورات الوزارة لدورها في المرحلة الحالية، ومعايير تعاملها مع الفعاليات الفنية والدينية، وأولوياتها في بناء المشهد الثقافي خلال السنوات المقبلة.
التنوع الثقافي أساس الرؤية
في ظل الانتقادات المتعلقة بغياب رؤية واضحة تنظم المشهد الثقافي السوري، تبرز تساؤلات حول الاستراتيجيات التي تعتمدها الوزارة لتحديد أولوياتها، ومدى وضوح أهدافها وآليات تنفيذها أمام المؤسسات الثقافية والفنانين والمبادرات المستقلة.
مدير إدارة الفعاليات في الوزارة، خالد المحيميد، قال إن رؤية وزارة الثقافة تنطلق من طبيعة المجتمع السوري وتنوعه، وتراعي هذا التنوع في فعالياتها على المستوى المركزي وفي المحافظات، من خلال المؤسسات والمديريات التابعة لها.
وأضاف أن الوزارة تسعى إلى ترسيخ مفهوم تقبل ثقافة الآخر، ضمن ضوابط لا تخلّ بحدود الحرية العامة لجميع السوريين.
الفعاليات التي تقيمها الوزارة أو تشرف عليها لا تخلو من هدف تسعى إلى تحقيقه، بحسب المحيميد، موضحًا أن إدارة الفعاليات تدرس كل نشاط من حيث الرؤية والهدف والتغذية الراجعة.
ينطبق الأمر، بحسب قوله، على الفعاليات التي تنظمها جهات لا تتبع للوزارة، عند تقديم طلبات الموافقة عليها.
ولم يفصّل المحيميد طبيعة هذه المعايير أو آليات قياس أثر الفعاليات، لكنه أكد وجود أهداف تسعى الوزارة إلى تحقيقها من خلال أنشطتها.
مسؤولية مشتركة بين الوزارة والمجتمع
لا يقتصر رسم المشهد الثقافي على المؤسسات الرسمية، بل يشمل أيضًا الفنانين والمثقفين والمبادرات المستقلة والمؤسسات الثقافية والمجتمع المدني والقطاع الخاص، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين هذه الأطراف ودور الوزارة في تنظيمها.
وأوضحت مديرة البرامج في مؤسسة “خزّان” الثقافية، روان تكريتي، في حوار سابق مع عنب بلدي، أن وزارة الثقافة تؤدي دورًا في تحديد الإطار العام للمشهد ومنح الفاعلين فيه الاعتراف والرمزية، ما يستدعي بناء علاقة تشاركية معهم بدل الاكتفاء بالتواصل المرتبط بكل فعالية على حدة.
من جهتها، أشارت مديرة البرامج في “المركز السوري لبحوث السياسات”، شيرين سعيد، إلى أن غياب سياسة ثقافية معلنة لا يعني بالضرورة غياب السياسات، إذ يمكن للممارسات والاتجاهات غير المعلنة أن تؤثر في المشهد، مؤكدة أهمية وجود إطار ينظم المشاركة ويضمن المساواة في الوصول إلى المجال الثقافي، من دون فرض اتجاه واحد أو تركه بلا قواعد.
ويرى المحيميد أن رسم المشهد الثقافي مهمة وطنية مشتركة بين الوزارة والمجتمع، مشيرًا إلى أن هذا المشهد يستند إلى التنوع السوري المتجذر في التاريخ والحضارة.
وقال إن الإطار العام للمشهد الثقافي مرسوم منذ القدم، وإن هامش الحرية الذي حققته سوريا وأقرته من خلال ثورتها يسهم في توفير مساحة واسعة للمعنيين بالثقافة، ويجعلهم فاعلين فيها.
الاعتراضات على الفعاليات الفنية
بعض الفعاليات الفنية، ولا سيما الحفلات الغنائية، لاقت مواقف متعارضة بين ترحيب واعتراضات اجتماعية ودينية.
برزت المواقف مع الجدل الذي رافق حفل الفنانة أصالة نصري بدمشق في أيلول الماضي، والذي لاقى ترحيبًا جماهيريًا واسعًا، وبينما طالبت أصوات بإلغائه، تمسكت الوزارة برعايته، وتجاوز النقاش الحفل نفسه إلى أسئلة تتعلق بأولويات الأنشطة الثقافية التي ينبغي دعمها في المرحلة الحالية، وحدود تأثير المواقف الدينية والاجتماعية في تنظيم الحياة الفنية.
وأكد المحيميد أن التنوع الثقافي في سوريا يمثل عامل ازدهار ورافعة حضارية، وأن الوزارة تعمل على مراعاته في أنشطتها.
الوزارة لا تنكر حق الاعتراض ولا تتجاهله، بل تأخذه على محمل الاهتمام، بحسب المحيميد، معتبرًا أن تنوع الفعاليات التي تنظمها يتيح لشرائح المجتمع المختلفة اختيار ما تسمعه وتشاهده وترغب فيه.
وزارة الثقافة لا تفرض لونًا ثقافيًا واحدًا من شأنه إلغاء رغبات الآخرين وتطلعاتهم، بل تسعى إلى مراعاة تنوع الأذواق والاهتمامات داخل المجتمع السوري.
خالد المحيميد
مدير إدارة الفعاليات في وزارة الثقافة
الثقافة الدينية ضمن أنشطة الوزارة
يتقاطع الجدل حول الفعاليات الفنية مع أسئلة عن موقع الدين في المشهد الثقافي، وحدود دور الوزارة في القضايا التي تتداخل فيها الاعتبارات الدينية والاجتماعية مع الأنشطة الفنية والترفيهية، مع وجود أصوات اعتبرت أن الوزارة لا شأن لها بالفعاليات الدينية وهي من مهام وزارة الأوقاف فقط.
وفي هذا السياق، اعتبر المحيميد أن وزارة الثقافة مسؤولة عن الإسهام في رسم الوجه الحضاري لسوريا، وتقديم صورتها الثقافية والإنسانية إلى العالم، مؤكدًا أن الوزارة ليست بمنأى عن الشأن الديني.
وقال إن المجتمع يحتاج إلى ثقافة دينية تحمل القيم والأخلاقيات وتحث عليها، وتسهم في ترسيخ أسس البناء الإنساني.
وأشار إلى أن أنشطة الوزارة ذات الطابع الديني تنوعت بين المحاضرات والندوات والحفلات الإنشادية ضمن الفعاليات التي أقامتها، لافتًا إلى وجود أعمال أخرى يجري التحضير لها منذ أشهر تمهيدًا لإطلاقها رسميًا.
وزارة الثقافة ليست بمنأى عن الشأن الديني، والمجتمع يحتاج إلى ثقافة دينية تحمل القيم والأخلاقيات وتحث عليها.
خالد المحيميد
مدير إدارة الفعاليات في وزارة الثقافة
دعم المواهب وحماية التراث
فيما يتعلق بأولويات الوزارة خلال المرحلة المقبلة، ربط المحيميد أولويات الوزارة ببناء الإنسان، معتبرًا أن التنمية لا تقتصر على تشييد الأبنية والبنى التحتية، بل تشمل رفع المستوى الثقافي وتعزيز احترام الآخرين وحقوقهم.
وأوضح أن الوزارة تسعى إلى ترسيخ تقبل الآخر واحترام ثقافته، والمساهمة في حماية المجتمع من الأصوات التي تفرق صفه، إلى جانب حفظ التراث وترميمه، ودعم المواهب وتنميتها، وفتح الأبواب التي أغلقها النظام السابق أمام المبدعين السوريين، وإعادة الحقوق الثقافية إلى من حُرموا منها خلال سنوات حكمه.
