“الثلج يأتي من النافذة”.. الهروب والمواجهة

  • 2026/10/18
  • 5:24 م
"الثلج يأتي من النافذة".. الهروب والمواجهة
enab_get_authors_shortcode

في نهاية خمسينيات القرن الماضي، يجد الكاتب والمناضل اليساري السوري فياض نفسه مضطرًا إلى مغادرة سوريا بعد ملاحقة السلطات للمعارضين اليساريين.

يعبر إلى لبنان، لكنه لا يجد فيه حياة سهلة، وإنما يبدأ رحلة جديدة من الفقر والعمل الشاق، قبل أن يعيد النظر في موقفه من الهروب والمواجهة.

هذه الرحلة هي محور رواية “الثلج يأتي من النافذة” للكاتب السوري حنا مينه، كتبها عام 1969، وتتناول نحو عامين من حياة فياض خلال فترة الخمسينيات.

يصل فياض إلى لبنان هاربًا من الملاحقة، ويقيم أولًا لدى صديقه خليل غزالة وعائلته الفقيرة، حيث يشعر بأنه أصبح عبئًا على أسرة بالكاد تستطيع تأمين احتياجاتها، ليحاول بعدها الاعتماد على نفسه، فيتنقل بين أماكن وأعمال مختلفة، ويستخدم أسماء مستعارة لإخفاء هويته.

في إحدى مراحل الرحلة يعمل في مطعم باسم ميشيل، ثم ينتقل إلى منزل رفيق آخر هو جوزيف بو عبدة.

وبعد أن يفقد جوزيف عمله، يترك فياض المكان ويواصل البحث عن مصدر للعيش، فيعمل في ورشة بناء متخفيًا باسم سليمان.

وتصبح الأعمال التي يمارسها جزءًا من تجربته في المنفى، بعدما كان يعيش قبل هروبه حياة الكاتب.

تتحول تجربة فياض في لبنان إلى اختبار لموقفه من النضال نفسه، فكلما ابتعد عن رفاقه في سوريا، ازدادت لديه مشاعر القلق، خصوصًا أنه يعيش بعيدًا عن المواجهة التي يخوضونها في الداخل.

ولا يكتفي مينه بتصوير معاناة فياض الفردية، وإنما يجعل من حياة هؤلاء الأشخاص مدخلًا إلى الحديث عن الفقر والعمل السياسي والملاحقة والعيش في بلد آخر بعيدًا عن الوطن.

وفي مكان إقامته الأخير، يصل فياض إلى قرية نائية في جبل لبنان، حيث يحاصره الثلج والعزلة.

يبدو المكان في البداية امتدادًا لمنفاه، غير أن العزلة تمنحه فرصة للتأمل في تجربته السابقة، فيبدأ بكتابة قصة طويلة، وكأنه يحاول من خلال الكتابة أن يوثق ما مر به.

تظهر شخصية دينيز، الفتاة التي يلمحها من النافذة المقابلة، لتتحول النافذة بذلك إلى وسيلة اتصال في عزلة الثلج.

تبدأ العلاقة بالنظرات والابتسامات، ثم يتبادلان كرات الثلج من نافذتين متقابلتين، ويأخذ هذا المشهد مساحة رمزية في الرواية، إذ تتحول النافذة من حد يفصل فياض عن العالم الخارجي إلى منفذ يعيده إلى الإحساس بالحياة.

ويصل هذا التحول إلى ذروته بعد اعتقال فياض وسجنه ستة أشهر، قبل الإفراج عنه ولجوئه إلى القرية الجبلية، وبعد انتهاء فترة العزلة والكتابة، يقرر العودة إلى سوريا بدل الاستمرار في الهروب.

تحمل الرواية جانبًا من تجربة حنا مينه نفسه، حيث غادر سوريا إلى لبنان في نهاية خمسينيات القرن الماضي، وكان ناشطًا في الحركة الشيوعية السورية.

حنا مينه

ولد حنا مينه عام 1924 في مدينة اللاذقية، وعمل في بدايات حياته بمهن مختلفة قبل أن يتفرغ للكتابة.

ارتبط اسمه بالرواية السورية الواقعية، وشكّل البحر والفقر والعمل والصراع الاجتماعي والسياسي موضوعات متكررة في أعماله.

من أبرز رواياته “المصابيح الزرق”، و”الشراع والعاصفة”، و”الياطر”، إلى جانب “الثلج يأتي من النافذة”.

مقالات متعلقة

  1. "الشراع والعاصفة".. عن قوة الإنسان وهشاشته
  2. "حمامة زرقاء في السحب".. رواية حزينة للآباء
  3. بقايا صور لـ حنا مينة
  4. القطاف لـ حنا مينة

كتب

المزيد من كتب