متى تكون سوريا للسوريين؟

  • 2026/10/18
  • 3:26 م
خطيب بدلة

خطيب بدلة

enab_get_authors_shortcode

خطيب بدلة

مخاطبة الناس بصدق، وموضوعية، واجب إنساني، قبل أن يكون واجبًا وطنيًا. صار لدينا، اليوم، أمور ممارستُها تُلحق بالناس أضرارًا، بل وتزهق أرواحهم، منها: الكذب، والتضليل، وإبراز أفكار، وإخفاء أخرى. ولأن الناس، في بلادنا، ليسوا معتادين على الصدق، والموضوعية، تراهم محتارين بأمر من يصدقهم القول، منزعجين منه، يحاولون التوقف عند كل شيء يقوله، ثم يفاجئونه بأسئلة بالغة الصعوبة.

مثلًا، تحدثت، أنا أخوكم، في أكثر من مناسبة، عن الوطن السوري، والدولة السورية، والشعب السوري، ونسجت على شعار “مصر للمصريين” الذي أطلقه أحمد لطفي السيد، شعارًا مماثلًا، هو “سوريا للسوريين”، وأبديت رأيي فيما يسمى “قضية العرب المركزية”، فلسطين، وأكدت على أن هذا الشعار مضلل، فالجدير بنا أن تكون قضيتنا سوريا، وأن نسعى، بعد كل هذا الخراب، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا.. وبرأيي أن مهام عظيمة، تتفرع عن هذا الشعار، في مقدمتها التعليم، بعد تطوير المناهج، وتحديثها بما يناسب العصر الذي نعيش فيه، والسعي لرفع يد الذكور عن المرأة السورية، وفصل الدين عن الدولة، وعن المجتمع، وتخليص عقول السوريين من الأوهام السياسية، وفي مقدمتها وهم الوحدة العربية، والوحدة الإسلامية، وشطب كل الانتماءات غير الوطنية، من قاموسنا السياسي، والعملي.. وبعد هذا كله، فاجأني أحد الأشخاص بالسؤال التالي: يعني، وبكلمة واحدة، أنت تؤيد التطبيع مع إسرائيل؟

خطر لي أن أتبع أسلوب الروائي الفلسطيني، إميل حبيبي، الذي اخترع مصطلح “المتشائل”، أي المتفائل والمتشائم في الوقت ذاته، فأقول له: نَعَل، أو: لَعَمْ. يعني: نعم ولا، وأتبع ذلك بكلام بالغ التركيز، والأهمية، وهو: إذا كانت قضيتي المركزية هي سوريا، فإن إسرائيل، بالنسبة إلي، دولة في الجوار، مثل لبنان، والأردن، والعراق، وتركيا، وإن كان بين إسرائيل والفلسطينيين مشاكل، أو نزاعات، أو خصومات، أو صراعات، فهذا لا يعني أن تكون سوريا طرفًا في هذه النزاعات.. ولأن انجرار سوريا لهذا الصراع، في السابق، جعلنا نخسر جزءًا من أرضنا، فلنسعَ لاستعادته عن طريق السلام، لأن طريق الحرب أخفق عشرات المرات، وسوف يخفق، في المرات القادمة، حتمًا، وبالضرورة، وبالعقل، والمنطق.. لأن سوريا دولة ضعيفة، ومهدمة، ومحطمة، وشعبها ممزق، وقسم كبير منه متشرد، وإسرائيل تسبق السوريين، وكل دول المنطقة، بمسافات تخل العقل، فإن قررنا الاستمرار في مقارعتها، يعني وقوع المزيد من الكوارث والويلات على أمهات رؤوسنا.

تبدو لي عبارة “التطبيع مع إسرائيل”، التي استخدمها صاحب السؤال، غبية جدًا، فالتطبيع مستحيل في ظل الأيديولوجيات غير الوطنية التي تسيد وتميد في عقول أبناء هذا الشرق.. العداء الحقيقي، الموجود لدى هؤلاء الناس، ليس مع إسرائيل كدولة، بل إنه صراع ديني، مع سكانها، وبقاء هذا العداء شبه مؤكد، لأنك قد تستطيع إقناع عدد قليل من الناس، بوجهة النظر الوطنية، تحت شعار لبنان للبنانيين، والأردن للأردنيين، والعراق للعراقيين، ولكن المناهج التي تستلم المواطنين، منذ الصغر، تزرع فيهم هذا النوع من العداء، وهكذا يتوالد الناس، وتتوالد معهم الانتماءات غير الوطنية، التي تقودنا إلى حروب خاسرة، بنفس السيناريوهات السابقة!

مقالات متعلقة

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي