عنب بلدي – شعبان شاميه
تقع قرية سرجيلا الأثرية في وادٍ منخفض وسط جبل الزاوية بريف إدلب، على بُعد ثلاثة كيلومترات من بلدة كفر البارة، إذ تمثل نموذجًا معماريًا متكاملًا للحياة في سوريا خلال الفترتين الرومانية والبيزنطية.
وتعد سرجيلا من أبرز المدن الأثرية المحفوظة في الهضبة الكلسية شمالي البلاد، إذ توثق معالمها طبيعة الحياة الريفية ونموها الاقتصادي والاجتماعي بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين.
سر خطّته أيدي الفلاحين
مديرة مواقع التراث العالمي في المديرية العامة للآثار والمتاحف، لينا قطيفان، قالت في حديث إلى عنب بلدي، إن قرية سرجيلا سُجلت على لائحة التراث العالمي لمنظمة “اليونسكو” عام 2011، وذلك ضمن تجمع أثري مؤلف من عشر قرى، أهمها قرية البارة.
وأضافت قطيفان أن المنطقة أُدرجت باعتبارها نموذجًا ثقافيًا فريدًا للتفاعل بين الإنسان والبيئة، مؤكدة أن الهضاب الكلسية تُمثل نمطًا ريفيًا قديمًا محفوظًا بدرجة استثنائية، وتقدم دليلًا جليًا على طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الشرق الأدنى أواخر العصر الكلاسيكي.
وتابعت أن قطاعات واسعة من المخططات الزراعية القديمة لا تزال قائمة في مواقع التجمعات الأثرية، وتوثق هذه الأطلال بدقة نظم تقسيم الأراضي خلال العهد الروماني.
كما لفتت قطيفان إلى أن أكوام الحجارة القديمة المنتشرة في الموقع ما هي إلا نتاج جهود المزارعين الأوائل في “الكتلة الكلسية”، الذين اقتلعوا الصخور يدويًا لاستصلاح الأراضي، في خطوة تعكس إصرارهم على تطويع بيئة قاسية، وتحويلها إلى أرضٍ زراعية غنية صدّرت منتجاتها لاحقًا إلى دول في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وبحسب قطيفان، ارتكز اقتصاد تلك الحقبة بشكل رئيس على تربية الحيوانات، وزراعة القمح والكرمة، فضلًا عن زراعة الزيتون التي حافظت المنطقة على استمراريتها فيها حتى يومنا هذا.
حجر سرجيلا يروي حكاية أصحابها
استعرضت الدكتورة قطيفان القيمة المعمارية والاجتماعية لقرية سرجيلا، مشيرة إلى أن عمارة الحاضرة تعكس تنوعًا طبقيًا لافتًا، إذ تتألف الأبنية السكنية التي يعود أقدمها إلى نهاية القرن الثاني الميلادي من طابقين وثلاثة عناصر أساسية، هي بناء السكن والعمل، والفسحة السماوية، والسور المحيط.
وتختلف هذه البيوت في سعتها وزخرفتها تبعًا للوضع المادي لساكنيها، فبينما قطن الفلاحون الفقراء بيوتًا بسيطة واعتمدوا على اقتصاد الاكتفاء الذاتي، تميزت بيوت القرنين الخامس والسادس بحجمها الكبير وأحجارها مربعة الزوايا الضخمة المرصوفة دون بلاط، والتي لا تزال واجهاتها قائمة بارتفاعات تصل إلى عشرة أمتار.
صخب الحمامات الرومانية وحكمة “الأندرون”
على الصعيد الاجتماعي والخدمي، تحدثت قطيفان عن مبنى “الأندرون” المشيّد في القرن الخامس الميلادي، والذي تميز بوظيفته المزدوجة كدار للضيافة، قبل أن يتحول لاحقًا إلى مركز أساسي لعقد الاجتماعات العامة وحل الخلافات بين سكان القرية.
وأضافت أن حمام “سرجيلا” المبني عام 473 للميلاد لا يزال محافظًا على كامل معالمه، متضمنًا صالة شمالية كبرى وصالات جنوبية أصغر، مدعومًا بخزان مياه ضخم محفور في الصخر ومغطى بالبلاط الحجري، ما يجسد تطور الهندسة المائية آنذاك.
تسبب زلزال شباط 2023 في تضرر جدران قرية سرجيلا الأثرية وانخفاض بعض أحجارها العلوية مما يتطلب الإسراع في ترميم هذا الإرث التاريخي – 10 حزيران 2025 (المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية)
أجراس لم تسكت
أما الجانب الديني والإنتاجي فيبرز من خلال المجمع الكنيسي، وفقًا لقطيفان، الذي يضم كنيستين بارزتين من طراز “البازليك”، وفسحة سماوية وبناء يحتوي في غرف طابقه الأرضي على ثلاثة قبور، إذ استمر استخدام الكنيستين كمراكز للعبادة حتى في أثناء فترة الفتح الإسلامي.
وتكتمل لوحة القرية الأثرية بمعاصر الزيتون ومدافنها السطحية ذات النقوش الخلابة، لتشكل مع البيوت والحمامات نسيجًا معماريًا متكاملًا يوثق بدقة ازدهار الحياة الريفية وتطورها في الهضبة الكلسية بشمالي سوريا.
تحت وطأة “البيتون” والزلازل
فيما يخص التحديات والأضرار التي لحقت بالموقع، تحدثت قطيفان عن تأثر سرجيلا بالعديد من العوامل البشرية والطبيعية، إذ رُصدت آثار لإطلاق نار على جدران بعض الفيلات السكنية والمجمع الكنيسي، إلى جانب بروز إضافات “بيتونية” متعددة في أجزاء من الموقع، نتيجة استخدامه سابقًا كنقطة تمركز عسكرية، فضلًا عن تسجيل عمليات تكسير للحجارة في الجانب الجنوبي، وحفريات غير شرعية في مواقع متفرقة.
أما على الصعيد الطبيعي، فذكرت مديرة مواقع التراث العالمي أن زلزال شباط 2023 ترك بصمته على القرية الأثرية، متسببًا في انخفاض منسوب بعض الأحجار الكبيرة الواقعة في أعلى جدران المباني الأثرية، الأمر الذي يستدعي تكثيف جهود الحماية والترميم للحفاظ على هذا الإرث الإنساني النادر.
وصنفت قطيفان الأضرار في سرجيلا ضمن “الأضرار المتوسطة” برغم وجود التشققات وآثار إطلاق النار والإضافات “البيتونية”، معتبرة أن الواجهات المتصدعة في الفيلا السكنية ومجمع الكنيسة تمثل الأولوية القصوى في الوقت الراهن.
وشددت على أن التدخل العاجل يجب أن يتركز على تثبيت هذه الواجهات تحديدًا، لتلافي وقوع أضرار أكبر قبل حلول موسم الأمطار أو أي هزات أرضية محتملة قد تهدد بانهيارها.
معادلة لإنقاذ التاريخ من النهب
في سياق متصل بجهود الحماية، بيّنت قطيفان أن صون هذا الإرث لن يكتمل دون إشراك المجتمع المحلي المحيط بسرجيلا وجبل الزاوية، وتحويل الأهالي إلى “حراس للتراث” بدلًا من رؤية الموقع كمجرد حجارة صماء.
وبحسب مديرة مواقع التراث العالمي، لا يكمن الحل في إلقاء المحاضرات التقليدية، بل في خلق فرص عمل محلية داخل الموقع الأثري، فبدلًا من إبقاء عملية التوثيق حكرًا على الخبراء، يمكن تدريب الشباب المحليين على تقنيات المسح والتصوير “الفوتوغرامتري” ثلاثي الأبعاد، مما يمنحهم دورًا رياديًا في الأرشفة الرقمية لمعالم قريتهم.
كما دعت إلى فتح قنوات حوار حقيقية مع المجتمع المحلي، عبر عقد جلسات توعية تفاعلية تحذر من مخاطر النهب، والتنقيب غير القانوني، وتكسير الحجارة.
وتخلص قطيفان في ختام حديثها إلى معادلة جوهرية، مفادها أن “حارس التراث” لا تصنعه الخطابات والشعارات، بل يولد عندما يتحول الفرد إلى شريك فعلي في المكان، يسهم في توثيقه الرقمي، ويتدرب على حمايته، ويحظى بفرصة اقتصادية ملموسة ترتبط به.
وحينها، يتولد لدى المجتمع المحلي شعور راسخ بأن هذا المعلم الأثري هو ملكه الشخصي والجماعي الذي يجب عليه حراسته والدفاع عنه.
