غزوان قرنفل
حين نتحدث عن “الصندوق السيادي” فإننا نتحدث من حيث المبدأ عن واحدة من أهم الأدوات التي يمكن للدولة أن تستخدمها لإدارة ثرواتها وأصولها بصورة طويلة الأمد.
فالصندوق السيادي يفترض أنه مؤسسة استثمارية تملكها الدولة، هدفها إدارة جزء من أصولها ومواردها واستثمارها بما يحقق عائدًا مستدامًا، ويحافظ على ثروة البلاد للأجيال المقبلة، وليس حسابًا سريًا تضع فيه الدولة أموالًا لا يعرف أحد حجمها أو مصدرها أو كيفية التصرف بها.
صدر المرسوم رقم “113” لعام 2025، رغم تحفظي الشخصي على عدم مشروعية كل المراسيم الرئاسية التي صدرت والتي لا يملك الرئيس الصلاحية الدستورية لإصدارها، ليُحدث “الصندوق السيادي” كمؤسسة ذات طابع اقتصادي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري وترتبط برئاسة الجمهورية، وحدد المرسوم أهدافًا واسعة له، من بينها تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية، والاستثمار الأمثل للموارد، وتنشيط الاقتصاد الوطني من خلال استثمارات مدروسة ومتنوعة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات للإنتاج والتنمية. كما نص على اعتماد نظام حوكمة صارم وشفاف، وعلى تقديم تقارير دورية وتدقيق مالي عبر أجهزة مستقلة.
كل ذلك يبدو جيدًا على الورق، لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل إلى الواقع، حيث السؤال البديهي الذي يحق للسوريين طرحه اليوم هو: ما الذي يملكه الصندوق فعلًا، وكم تبلغ قيمة أصوله؟ وما الأموال التي دخلت إليه منذ إنشائه، وما مصادر هذه الأموال؟ وما الشركات والعقارات والمصانع والاستثمارات التي أصبحت تحت إدارته أو ملكيته وما قيمة كل أصل منها، وكيف جرى تقييمه؟ وهل دخلت أصول حكومية إلى الصندوق وفق إجراءات معلنة وواضحة، ومن اتخذ قرارات نقلها، وبأي سعر أو تقييم؟ ولماذا يتعين على السوريين معرفة بعض ذلك من تقارير صحفية أجنبية بينما تُحجب المعلومة عن الإعلام الوطني؟ ثم هناك السؤال الأهم: أين تستثمر أموال الصندوق باعتبار أنه مؤسسة استثمارية وطنية، فمن الطبيعي أن يعرف السوريون القطاعات التي يستثمر فيها، وحجم كل استثمار، والشركاء المحليين والأجانب، ونسب الملكية، والعوائد المتوقعة، والمخاطر، والأسس التي جرى على أساسها اختيار هذه المشاريع.
الصندوق هنا لا يستثمر أموالًا شخصية لمديره أو لمجلس إدارته، وإنما يدير أصولًا يفترض أنها ملك للدولة السورية، أي ملك للسوريين وأنهم يملكون كامل الحق بمعرفة كل شاردة وواردة في هذا السياق، وقد أعلن الصندوق بالفعل عن مشاريع واتفاقيات استثمارية كبيرة، ففي شباط 2026، أُعلن عن مشروع للبنية التحتية للاتصالات بقيمة ثلاثة مليارات ريال سعودي بالشراكة مع شركة الاتصالات السعودية على أن تكون حصة الصندوق 25%، وفي آب 2026، أعلن الصندوق عن اتفاق مع مجموعة “أرادا” الإماراتية لتنفيذ مشروع “دمشق الجديدة” بقيمة معلنة تبلغ سبعة مليارات دولار، لكن دون أي مناقصات أو عروض أسعار معلنة، وهنا تصبح الحاجة إلى الشفافية أكبر لأنه كلما كبرت قيمة المشاريع، كبرت معها ضرورة معرفة شروطها وتفاصيلها وآليات التعاقد فيها.
المسألة هنا ليست التشكيك في كل مشروع، وإنما معرفة كيف اتخذ القرار ومن الذي اتخذه، وكيف جرى اختيار الشريك، وما الذي ستدفعه الدولة، وما الذي ستحصل عليه، وما المخاطر التي تتحملها، ومن يضمن عدم تحول الاستثمار العام إلى باب جديد لإعادة توزيع الثروة بعيدًا عن الرقابة العامة.
السؤال الآن من يراقب عمل الصندوق إذًا؟ ومن يملك حق الاطلاع على حساباته وميزانياته وتقاريره؟ وهل يستطيع المجلس التشريعي أو أي مؤسسة رقابية مستقلة مراجعة أعماله؟ وهل تخضع عقوده لتدقيق مالي وقانوني مستقل؟ وهل تنشر تقاريره فعلًا بصورة تتيح للمواطن والخبراء والصحافة الاطلاع عليها ومناقشتها، ومن يحاسب مجلس إدارته ومديره العام، وهل تبعية الصندوق للرئاسة تعتبر ضمانة كافية للنزاهة وحسن الأداء أم أن المؤسسات التشريعية والقضائية والرقابية وآلية العمل الشفاف هي الضامن الفعلي؟
هذه ليست أسئلة تنطوي على ترف ورفاهية، ولا هي محاولة لتعطيل الاستثمار، بل على العكس تمامًا، إنها شروط أساسية لنجاح أي صندوق سيادي محترم، لأن الاستثمار يحتاج إلى الثقة التي لا يمكن أن تبنى بالغموض.
صحيح أن الصندوق بدأ يظهر بصورة أكبر في النشاط العام والتداول الإعلامي، لكنه ظهور مبهم والمعلومات المتاحة عن هيكله وقيادته وماليته بقيت محدودة، مع دعوات إلى جعل أنشطته خاضعة للمساءلة العامة والإفصاح المنتظم. المشكلة إذًا ليست في وجود صندوق سيادي، بل في أن يتحول الصندوق السيادي إلى صندوق أسود، والخط الفاصل بينهما هو الشفافية، فالأول يستثمر ثروة عامة وفق قواعد معلنة، ويقدم حساباته للرقابة، ويحدد أهدافه الاستثمارية، ويكشف أصوله وعوائده ومخاطره، بينما يتحرك الثاني في مساحة غامضة، أصول لا يعرف الناس قيمتها، وقرارات لا يعرفون كيف اتخذت، واستثمارات لا يعرفون شروطها، ومسؤولون لا يخضعون للمتابعة والمساءلة.
إن بناء مؤسسات مالية جديدة يجب أن يكون فرصة للقطيعة مع إرث اقتصادي أنهكته شبكات الفساد والمحسوبيات وليس لإعادة إنتاجه بأسماء جديدة، والصندوق السيادي يمكن حقًا أن يكون أداة لإعادة بناء الاقتصاد السوري وتحويل الأصول المعطلة إلى إنتاج، وجذب الاستثمارات وتوفير موارد للأجيال المقبلة، لكن ذلك لن يتحقق بلا تعفف ومكاشفة وشفافية وإفصاح ورقابة ومساءلة، أما الإبهام والغموض فلن يضعنا أمام صندوق سيادي، بل أمام صندوق أسود يشبه مغارة علي بابا التي لا نعرف كلمة سرها ولا محتواها، ولا كيف ومن أين جاء هذا الصندوق، ولا كيف يتم استثماره أو الإنفاق منه.
